حاجة الإنسان إلى التفكير وإعمال العقل لا تقلّ عن حاجته إلى الطعام والشراب، فالتفكير حالة تلازم الإنسان بدأً من أصغر الأشياء وانتهاء بأعقدها.
والسباق اليوم بين الدول بات سباقاً فكرياً بامتياز، وباتت الأمة التي تستطيع تنظيم أفكارها وعلومها وتطويرها واستثمار هذه العلوم بما يخدم الشعب مادياً ومعنوياً هي الأمم الأكثر تقدّماً.
والمسلمون اليوم بأمس الحاجة إلى الاهتمام الدائم بالعقل والفكر ونتائجه، لأنهم أمة (اقرأ) وأمة (يتفكرون).
فكثيراً ما يتمّ التركيز في الخطاب الديني على الاهتمام بالأخلاق والالتزام السلوكي بتعاليم الدين والاهتمام بالروح، ولا يُعطى الاهتمام بالعقل المكانة التي يستحقها، ولا الاهتمام باستثمار هذه النعمة الكبرى التي ميّز الله بها الإنسان عن سائر الكائنات الاهتمام الذي يليق بمكانته.
فالذي أعتقده أنّ العقل هو ما فضّل الله به الإنسان على سائر المخلوقات، ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً))(الإسراء:70).
فالعقل وما يتضمنه من حرية الاختيار وما يقتضيه من التكليف وما ينتج عنه من الحساب هو (الأمانة) التي عرضها الله على السماوات والأرض فأبين أنْ يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
فاختراعات العقل واكتشافاته ومنجزاته شيء يستحق التقدير.. فسبحان من خلق الإنسان في أحسن تقويم..
لماذا هذا العنوان: أخطاء التفكير؟
وكيف تكون من أسباب تخلّفنا وتعيق النهوض في مجتمعاتنا وبلداننا؟
- لأنّ كل مشروع مبدع وراءه فكرة مبدعة، وكل مشروع فاشل وراءه أفكار فاشلة، أو إدارة فاشلة!
- التفكير يؤثّر على السلوك والعواطف والكلام والقرارات والآراء والقبول والرفض..
- حتى نصل لأفكار سليمة لا بدّ من اعتماد طريقة تفكير سليمة وتجنّب أخطاء التفكير،
فأخطاء التفكير مثل الفيروسات التي تعشعش في برنامج تشغيل الحاسوب، فتعيق حركته وانسيابيته، وقد تؤدّي لشلله وتعطّل عمله!
وكذلك أخطاء التفكير تعيق عمليات التفكير في عقولنا، وتحرف تفكيرنا عن المسار الصحيح وقد توردنا المهالك! وبعضها يشلّ فاعلية صاحبها! كما سيظهر جلياً عند الاطلاع عليها.
فأخطاء التفكير من أهم أسباب تخلفنا، لذلك تجد أنماطاً مخطئة للتفكير تسود في البيئات المتخلّفة، بينما تنتشر منظومات فكرية غيرها في البيئات المتقدمة، حتى على صعيد الأفراد، فطريقة تفكير الناجحين مختلفة عن طريقة تفكير الفاشلين!
وكنت كلّما ناقشت معضلة ما مع أستاذي الكبير الدكتور عبد الكريم بكّار حفظه الله كثيراً ما يؤكّد على أهمية طرائق التفكير ومنهجيته السليمة وأنها من أهم المهمات ومن أَولى الأولويات الجديرة باهتمام المصلحين.
هل هي أخطاء في التفكير أم أخطاء في التعبير؟
الحقيقة هي أخطاء في التفكير، فالتعبير ما هو إلا أداة لتوصيل المعاني والنتائج والأفكار التي نعتنقها.. لذلك عرّف المناطقة الإنسان بأنه (حيوان ناطق) أي مفكّر..
لذلك لو تكلم إنسان أمامنا بأفكار نراها خاطئة، نقول له: ما هذا الكلام؟!! أنت كيف تفكّر؟!!
لماذا التركيز على أخطاء التفكير:
لأنها سنة سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) ([1])
ولأن التخلية قبل التحلية، ولأن التنبيه على أخطاء التفكير تقع تحت الأمر بالمعروف والنهي بشكل أو بآخر، ولأن تلك الأخطاء تفسد الصواب وتعكّر التفكير، كما أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح فالانتباه لطرائق التفكير الخاطئة مقدّم على التركيز على طرائق التفكير السليمة..
ولأن كلّ قراراتنا بناء على العقل.. وحتى نرشّد العقل.. ونحسّن تفكيرنا..
ولكثرة المعلومات التي نغرق بها عبر وسائل التواصل والكتابات والفيديوهات في أيامنا، فلا بدّ من منهجيات ومهارات تفكير حتى نُحسن التعامل معها، ولترشيد حواراتنا وجدلنا ونقاشاتنا..
ولو تأمل نقاشاتنا الأسرية وفي العمل وبين الأصدقاء وعلى وسائل التواصل وحواراتنا في وسائل الإعلام.. عند الاختلاف نتهم بعضنا بدلاً من مناقشة الفكرة! دائماً مختلفين ونكاد لا نتفق على شيء، والحقيقة أنّ المشكلة بطريقة تفكيرنا! فلا يوجد عندنا لغة مشتركة تعبّر عن عيوب وأخطاء تفكيرنا..
هذا المقال مقدمة كتاب “أخطاء التفكير”، ويمكنكم تحميله مجانًا من خلال قسم الكتب.