لعلّ الكتابةَ أعظمُ اختراع بشريّ؛ فبها تمّ نقل خبراتهم وعلومهم وأخبارهم، وإليها تمّت الإشارة بقوله تعالى:
(الذي علّم بالقلم).
فالمعلّم هو الله تعالى، والوسيلة هي الكتابة؛ فللقلم وَحْيُهُ وتوفيقُه وهدايتُه.
والاختراع الثاني أو الاكتشاف الثاني هو اكتشاف المناهج العلميّة التي ضبطت المعارف والعلوم.
ولا تخفى أهميّة القراءة للاستفادة من أعظم اختراعين للبشريّة:
الكتابة وضبط المناهج.
فما الفرق بين الأميّ الذي لا يحسن القراءة، وبين المتعلّم الذي لا يقرأ؟!
وكما نقول دائماً:
نحن أمّة اقرأ، وأمّة الإيمان بالخالق الكريم سبحانه وتعالى:
(اقرأ باسم ربّك الذي خلق)،
(اقرأ وربّك الأكرم).
ما المقصود بالقراءة المنهجية؟
نقصد بالقراءة المنهجيّة:
القراءة التي يهدف صاحبها لبناء مَلَكَة عقليّة منهجيّة متعدّدة التخصّصات، ليرى الواقع بأبعاده كلّها، وليس من زاوية ضيّقة تخصّصيّة.
يعالج من خلال هذه العقليّة المعلوماتِ، ويقيّمها، ويشخّص المشكلات، ويضع لها الحلول.
إذن، ليس المقصود بالقراءة تراكم المعلومات، بل اكتساب العقليّة والمنهجيّة التفكيريّة.
يقول جون لوك:
“القراءة لا توفّر للعقل إلّا موادّ المعرفة، لكنّ التفكير هو ما يجعل ما نقرؤه ملكاً لنا”.
فمجرّد القراءة يراكم معلومات خاماً، غير معالجة، وغير متناسقة مع غيرها، ككومة أحجار، غير مرتّبة، وغير متجانسة.
أمّا عندما يفكّر فيها القارئ، ويقارنها بمعلوماته وقواعده ومسلّماته، ويرجّح بين المتعارضات، فحينها تصبح ضمن منظومته الفكريّة، وبالتالي تضحي مِلكه.
كيف نصل إلى المَلَكَة العقليّة المنهجيّة؟
لا بدّ من مراعاة عدّة ملاحظات تعين على ذلك وتؤدّي إليه، من أبرزها:
1. أنواع القراءة:
القراءة أنواع، بحسب الكتاب والهدف من القراءة، ويمكن اختصارها في خمسة أنواع رئيسة:
| الرقم | نوع القراءة | تعريفها |
|---|---|---|
| 1 | القراءة الاستكشافيّة | تصفّح كتاب ما لأخذ فكرة عنه وتقييمه، بقراءة الغلاف، المقدّمة، الفهرس، إلخ. |
| 2 | القراءة الانتقائيّة | لمراجعة معلومة أو موضوع معيّن، مثل تفسير آية أو تخريج حديث. |
| 3 | القراءة السريعة | بقصد التسلية أو الاطلاع السريع أو مراجعة كتاب قرأته سابقاً. |
| 4 | القراءة التحليليّة | قراءة متأنية بقصد الدراسة والتمحيص، وغالباً لدواعي الامتحان أو الأهمية. |
| 5 | القراءة البحثيّة | حفر معرفي حول موضوع معيّن، بهدف الكتابة فيه أو إعداد بحث. |
أيّ هذه الأنواع أفضل؟
لا يوجد نوع هو “الأفضل” على الإطلاق، بل كلّ طريقة هي الأفضل بحسب الكتاب والهدف من قراءته.
- بعض الكتب تحتاج تأنّياً وتحليلاً.
- الروايات والقصص والكتب الخفيفة لا تحتاج تطويلاً.
- بعض الكتب لا تساوي ثمن الورق الذي طبعت به.
- وبعض الكتب الجيّدة يكفي أن نكتب منها ملخّصات ونقتبس منها أهمّ الأفكار.
- وبعض الكتب المحوريّة كالنبع الثرّ، كلما قرأت فيها أعطتك… كـ “الموافقات للشاطبي”، وقد روى الدكتور سيف عبد الفتاح أنّه قرأه أكثر من عشر مرات!
كيف نقرأ؟
من الضروري ألّا يكون القارئ متلقّياً سلبيّاً:
- لا يستسلم للأفكار دون تفكير.
- ولا يكون مشاكساً همه الأكبر النقد.
- بل المطلوب: القارئ المنصِف، الذي يحاور الكاتب، ويشاركه في معالجة الموضوعات.
وهكذا:
- يتّفق معه ويضيف عليه حيناً.
- يعدّل عليه أحياناً.
- يخالفه ويردّ عليه في أحيان أخرى.
وبذلك يكسب مَلَكَة ذلك العلم.
خاتمة:
وكم هي جميلة هذه العبارة المنسوبة لـ فرانسيس بيكون:
“بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يُزدرد، وبعضها القليل خليق أن يُمضغ ويُهضم… ذلك أنّ بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، وبعضها ينبغي أن تُقرأ، ولكن ليس بالحرص التامّ، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تقرأ كاملة، وبكامل الاجتهاد والانتباه”
هذه المقال جزء من كتاب من القراءة

