وظيفة علماء الشرع: البشير الإبراهيمي

قال الإمامُ البشيرُ الإبراهيميُّ رحمه الله:

(إنَّ علماءَ القرونِ المتأخّرةِ رَكِبتهم عادةٌ من الزَّهوِ الكاذبِ والدعوى الفارغة، فَجَرَّتهم إلى آدابٍ خصوصيةٍ، منها أنّهم يَلزَمون بيوتَهم أو مساجدَهم كما يلزمُ التاجرُ متجرَه، وينتظرون أن يأتيَهم النّاسُ فيُعلموهم، فإذا لم يأتهم أحدٌ تسخّطوا على الزمانِ وعلى النّاس.

ويتوكَّؤون في ذلك على كلمةٍ إن صدقتْ في زمان، فإنها لا تصدقُ في كلِّ زمان وهي:

[ إنّ العلم يُؤتى ولا يأتي ]

وإنّما تصدقُ هذه الكلمةُ في علمٍ غيرِ علمِ الدِّين،

وإنّما تصدقُ بالنسبة إليه في جيلٍ عرف قيمةَ العلمِ فهو يسعى إليه،

أما في زمننا وما قبله بقرون فإنّ التعليمَ والإرشادَ والتذكيرَ أصبحت بابًا من أبواب الجهاد،

والجهادُ لا يكون في البيوت وزوايا المساجد،

وإنما يكون في الميادين حيث يلتقي العدوُّ بالعدوِّ كفاحًا.

وقد قال لي بعض هؤلاء، وأنا أحاوره في هذا النوع من الجهاد، وأعتب عليه تقصيره فيه:

إن هذه الكلمة قالها مالك للرشيد.

فقلت له:

إن هذا قياس مع الفارق في الزمان والعالم والمتعلم،

أما زمانك هذا فإن هذه الخَلَّة منك ومن مشائخك ومشائخهم أدَّت بالإسلام إلى الضياع وبالمسلمين إلى الهلاك.

فالشبهات التي ترد على العوام لا تجد من يطردها عن عقولهم ما دام القسيسون والأحبار أقربَ إليهم منكم، وأكثرَ اختلاطًا بهم منكم، والأقاليم الإفرنجية تغزو كل يوم أبنائي وأبناءك بفتنةٍ لا يبقى معها إيمانٌ ولا إصلاحٌ.

ففي هذا الزمن يجب عليَّ وعليك، وعلى أفراد هذا الصنف: أن نتَجَنَّد لدفع العوادي عن الإسلام والمسلمين، حتى يأتينا الناس، فإنهم لا يأتوننا وقد انصرفوا عنّا وليسوا براجعين.

وإذا كان المرابطون في الثغور يقفون أنفسهم لصدِّ الجنودِ العدوَّة المغيرة على الأوطان الإسلامية، فإن وظيفة العلماء المسلمين أن يقفوا أنفسهم لصدِّ المعاني العدوَّة المغيرة على الإسلام وعقائده وأحكامه، وهي أفْتكُ من الجنود؛ لأنها خفية المَسَارِب، غرَّارة الظواهر، سهلةُ المداخل إلى النفوس، تأتي في صورةِ الضيف فلا تلبث أن تطرد ربَّ الدار …)




((بين المباديء والوسائل)) الحسبة المعاصرة

لماذا الجمود على الوسائل القديمة، تنظيف الاسنان بالسواك أو فرشاة الأسنان لذلك بعض الفقهاء قالوا بيده الخشنة أو أي عود أو بخرقة..

أي جهة رقابية بدلا من الحسبة لكل وزارة تخصصها والرقابة للجودة والأمانة والمخالفة باسم الرقابة الدنيوية وليس كل شيء منتسب للدين حتى لا يستشعر الناس أن الدين يحيطهم من كل جانب فينفروا

فوزارة الصحة تراقب المشافي والصيدليات والمراكز الطبية ونقابة الحلاقين تراقبهم وهكذا في كل وزارة أو نقابة أو جهة تراقبها جهة رقابية تضع المواصفات المطلوبة قبل التنفيذ ثم تراقب تطبيق ذلك وتطور كلما رأوا المصلحة في ذلك.. ووتقوم بدورات تطويرية لهذه الجهات..

التعلم بدلا من الوسائل القديمة نستخدم الوسائل الجديدة..




فقه المصلحة والاستعانة بالكفار!!

الذي يريد الإصلاح ينطلق من الواقع لتصحيحه وتقويمه فيدرس القدرات (الاستطاعات) ويقدر المصلحة، ثم ينطلق بإصلاح الواقع، فمن أوائل الخطوات في التخطيط للقيام بأي مشروع: (دراسة الواقع ومعرفة نقاط قوتنا وضعفنا والفرص والمخاطر).

أما نسف الواقع ، وعدم الاعتراف به فغير معقول وغير ممكن، ولم يفعله رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو المؤيّد من ربّ العزة..

ولا يفعله أحد على وجه الكرة الأرضية من العقلاء.. مثلاً مسألة: (استعانة المسلمين بالكفار) النصوص الشرعية التي يستشهد بها المحرمون تقتصر على جانب واحد وهو المنع.. بينما هناك نصوص ومواقف نبوية تؤيد القول بالجواز.
والفقه في هذا هو فقه السياسة الشرعية وتصرفات الإمام، والذي يقتضي التعامل حسب مصلحة المسلمين واختيار الأنسب لهم، فالاستعانة بالكفار فيها نصوص تؤيد ونصوص تمنع.

والمعتمد في هذا عدم إطلاق الجواز، وعدم إطلاق المنع، بل الصواب الرجوع لمصلحة المسلمين وحالهم..

فإن كانت مصلحة المسلمين بالتحالف مع عدوٍ ضدّ عدو ثالث، فلهم ذلك، وإن كانت مصلحة المسلمين بعدم الاستعانة بغيرهم -بأن كانوا يخشون تسلّط من استعانوا به عليهم- فلهم ذلك.. فالأمر يعود لتقدير المصلحة حسب الواقع..
فـ(عمل الإمام منوطٌ بمصلحة المسلمين) كما هي القاعدة الشرعية المعروفة في باب السياسة الشرعية..

صحيح أنه ينبغي أن يطوّر المسلمون أنفسَهم بحيث يستغنوا عن الخارج..

لكن الاستغناء عن الخارج -بشكل كامل- ليس بمستطاع دائماً
واشتراط (استغناء المسلمين عن الخارج) غير ممكن..
وفيه تحميل للمسلمين بما لا يطيقون..
ورحم الله شيخ الإسلام حين قال: 

إِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:! {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} المفسر لِقَوْلِهِ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ؛ وَعَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ المصالح وتكميلها؛ وتعطيل الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احتمال أدناهما: هُوَ الْمَشْرُوعَ فانعدام مراعاة فقه الواقع، والاستطاعة، وتقدير المصلحة، أساس البلاء !!




لا للطائفية!!

سياسة إيران في المنطقة سياسة مجنونة، وستحصد إيران ما تزرعه الآن من كراهية، لكن الشيعة ليسوا كتلة واحدة مع إيران، بل كثير من شيعة العرب ضد سياسات إيران المجنونة!!
فلماذا نخاطبهم خطابًا واحداً طائفياً معادياً؟

نحن بهذا نستعديهم علينا، ونحشرهم كلهم في زاوية واحدة ضدنا..
العجيب: أن الناس تتفنّن بتفريق العدو، ونحن نتفنّن بتجميع العدو وخَلْق أعداء جُدد..
هل سمعتم كلمة واحدة طائفية من حسن نصر الله، أو من النظام السوري؟؟
طبعا لم نسمع، لأنهم سياسيون مخضرَمون، مع أنّهم يستغلون الطائفية أسوأ استغلال، لكن لا يسمحون لهذا الخطاب بالظهور للعَلَن.. بينما خطابنا وإعلامنا مشحونٌ بالطائفية!!

ومشكلتنا ليست مع الشيعة أو غيرهم من الطوائف.. لكن مشكلتنا مع نظامٍ ظالمٍ استطاع الاستمرار في حكمه بمساعدة مجرمين من كلّ الطوائف..
وقد استغلّ طائفته ابشع استغلال..

ولولا وقوف ضباطنا وتجارنا الأنجاس بجواره لما استطاع تسلّم الحكم أصلاً!!
ذكر نكسون في مذكراته متحسِّراً أنه لم يستفد من الخلاف السني الشيعي! وعندما سمع كسينجر نبأ تسلم الخميني الحكم في إيران عام 1979 قال كسينجر: (الآن بدأت حرب المئة عام)!!

ونحن ننجرّ لهذه المكائد باستسلام!!

ينبغي أن يبقى صوت العقل عالياً..

ولا ننجرّ لوحش الطائفية الذي سيأكل المنطقة كلها، والكيان الصهيوني هو الرابح الأكبر.

سبق واقتتل العراق بدعم من دول عربية ثمانيَ سنوات مع إيران بقيادة الخميني.. فهل أنهى أحدُهما الآخر؟؟

واليوم لن ينهي أحدُنا الآخر، لكن سننشغل ببعضنا، ويضعفُ بعضُنا بعضاً، وأعداؤنا ينظرون بغبطة وسرور وحبور!!

صحيح أن إيران تستخدم الطائفية وتأتي بجنود عقائديين بحجة: “الدفاع عن أهل البيت“!
فهل هذا يسوّغ لنا ممارسة نفس الأسلوب القذر؟

يا إخواني الخطأ لا يولّد إلا أخطاءً.

سيستغل هذا الخطاب أعداؤنا الطائفيون ويقولون للمحايدين: “انظروا يا شيعة العالم.. السنة يريدون قتلنا كلنا.. فتعالوا معنا“… هذه نقطة.

النقطة الثانية: كيف سنقنع جنودنا بقتال المسلم السني الذي يصول ويعتدي ويبغي علينا؟  لو جعلناها حرباً طائفية؟

طبعاً ليس كلامي تجديداً لدعوات التقريب مع الشيعة، ولا دعوة لموالاتهم، ولا جهلاً باختلافنا مع عقائد الشيعة.. لكنها دعوة لنبذ الدعوات الطائفية.. (التي تطالب بمعاداة الشيعة لأنهم شيعة)

فليست حربنا حرباً أهلية طائفية (كما تروّج بعض الدول) بل (ثورة شعب مظلوم) اضطرّ لحَمْلِ السلاح ضد (نظام ظالم) استعان ببلدان خارجية مستعمِرة..
طبعا الكلام السابق لا يعني عدم الاحتفاظ بحقّ ردّ عدوان إيران ضدّنا..

قد لا يلقى هذا الكلام ترحيباً الآن، وهذا ليس بمستغرَب لأنّ المنطقة مشحونة بالطائفية..
وإن لم ينهض العقلاء ويصرخوا في وجه الطائفية؛ فستجتاح المنطقةَ موجةٌ (لا دينيةٌ) قاسية تأخذ معها كلّ شيء يمتُّ للأديان بصِلَة.
والتاريخ أمامنا يقول: لا توقظوا وَحْشَ الطائفية فيأكلكم جميعاً..




شكراً للتنمية البشرية  

من آفاتنا عدم التوازن الوعظي.. فمنهج القرآن الموازنة بين الترغيب والترهيب، بينما خطابنا الوعظي اتسم بتغليب الخوف على الرجاء، مما أدى إلى وسوسةٍ سلوكية، وفي كثير من الأحيان إلى القنوط واللامبالاة،على مبدأ: (أنا الغريق فما خوفي من البلل)، كما أنه أدى في حالات أخرى إلى السلبية واعتزال الشأن العام.
كقولهم: (حبُّ الظهور يقصم الظهور).. و(لا تدبّر لك أمراً فذوو التدبير هلكى).. صحيحٌ أن مثل هذه النصوص لها معانٍ تربوية جيدة، إذا استُعملت كدواء لصاحب داء تلزمه جرعة إخلاص، أو جرعة توكّل على الله!!
لكن أن تصبح هذه النصوص هي الغذاء لكلّ الناس.. فستحصل على مجتمع سلبي عاجز يائس

فمن الجريمة في حقّ مجتمعاتنا الإغراقُ في نوعٍ من الخطاب الانعزاليّ السلبيّ، وعدم شفعها بنصوصِ العمل والجدّ والإيجابية، فقد أدّى ذلك لعجز الصالحين، وفاعلية غيرهم.. الذي اشتكى منه سيدنا عمر رضي الله عنه: “أعوذ بالله من جَلَدِ الفاجر وعجز الثقة“!!

فقد تمَّ التعتيم على نصوص الرجاء وحسن الظن بالله والفاعلية والقوة والإقدام.. والواقعية.. تعتيم حتى على قصص السلف الصالح الواقعية، مثل: جاء رجل إلى أحد الصالحين فقال له: أخاف النفاق!!
فقال له: ألستَ تذكر الله في الخلوة؟ قال: بلى، قال: فأنتَ لستَ منافقاً.

ويروى أنّ رجلاً قال لأحد المحدّثين: هنيئاً لك كل هذا الحديث جمعتَه لله!
فقال -بواقعية وتواضع-: أما كلُّه لله فكثير؟! لكنْ هذا شيءٌ أحببناه فعملناه.. أسالُ اللهَ أن يغفر لنا به“.. هذه قصص واقعية قابلة للتطبيق.. بينما ينتقي الوعاظ قصص عن سلفنا الصالح أقرب للخيال كأنهم ملائكة لا يفترون عن العبادة والزهد!! فيقول المستمع في نفسه أين نحن من هؤلاء ويعود لحياته الطبيعية الواقعية.. ولو طلبنا منه المستطاع الواقعي لرحّب به وطبّقه..

ومن الخطاب الذي ترك ندوباً في نفس المستمع الخطاب الذي يدعو لقمع النفس وسحقها واتهامها وكسرها.. ومن أدبياتهمقولهم: الزيتون لا يحلو دون هرس… يا أخي هذه نفس بشرية وليست زيتوناً..  وكما ذكرتُ سابقا يمكن ان يكون هذا دواء لمن نفسُه فيها تكبّر وتعجرف وصل حدّا مرضياً فيلزمه الدواء.. لكن ان يصبح هذا الخطاب هو الغذاء للجميع فهذا سيؤدي لنفوس مكبوتة مسحوقة.. وإنسان مجتمعاتنا المقهورة لا ينقصه شيء من هذا..

ومن نِعَمِ الله تعالى أن وصلتنا ثقافة غربية جديدة، وانتشرت بيننا فأعادت شيئاً من التوازن إلى عموم شبابنا، وهي ثقافة التنمية البشرية والتحفيز والتخطيط وطُرُق النجاح والتفوّق في الحياة..
صحيحٌ أنّ الإكثار والمبالغة بهذا الجانب ربما أورث المتلقي تورّماً في تقدير الذات مبالَغاً فيه، فيعتقد الشاب نفسَه وحيدُ عصره وفريدُ دهره، وأنه سينجح بمجرد إرادته ذلك، دون الأخذ بأسبابِ النجاح.. والحلّ بالخطاب التشجيعي المحفّز المتوازِن… فشكراً للتنمية البشرية..




فقيه ومفكّر !!

هناك إعصار فكري يجتاح منطقتنا الإسلامية إعصار يحمل أدوات النقد والهدم، فما كان محظوراً الكلام فيه من قبل، أصبح حديث المجالس، لعدة أسباب منها ظهور الإعلام الاجتماعي الذي أتاح لكل أحد الكلام دون أي تكلفة أو رقابة.

 ومن أسباب ذلك: الثورات وظهور نماذج إسلامية تنظيمية وعلى شكل دول بل ظهرت الخلافة نفسها كما أعلن تنظيم الدولة.

ولم يعد الخطاب الديني التقليدي يجيب على الأسئلة الجديدة فسياسة عدم إثارة الفتن لم تعد تجدي، فالفتن فتحت أبوابها من كل جهة,

وعلى الخطاب الديني أن يتطور وذلك (شكلاً ومضموناً)، وهذا يستلزم نوعان من التخصص الديني.

أولهما: الفقيه المفتي.

 وثانيهما: الداعية المثقّف.

 لأن حاجات الناس إما لجواب سؤال فقهي، أو محاضرة فقهية، فيتوجهون للفقيه المفتي.

 وإما يحتاج الناس لسماع كلمة توجيهية إصلاحية، وإما لسؤال ثقافي، فيتوجهون للداعية المثقّف، فهما مجالان واضحان.

وأقترح أن يتسلّم الفقيه الإمامة في المسجد، ليحتكّ بالناس يومياً في الأوقات الخمسة، فيراجعه الناس بما يحتاجون.

بينما يتسلّم الخطيب التدريس في المدارس فيحتك بالطلاب على مدار الأسبوع، وخطب الجمعة، فيكون في كل مسجد شخصان: (فقيه مجتهد) وأقصد بالاجتهاد: الملكة الفقهية التي تؤهّل الفقيه للنظر في المسائل وأدلتها، واختيار ما يناسب الوقائع.

 والشخص الثاني: (الخطيب المثقّف) الذي يبني ثقافة راسخة تؤهّله لأن يصبح صاحب نظرة نقدية إصلاحية، ترتفع به لمقام الداعية المفكّر.

وكل تخصص من هذه تحتاج بناء علمياً يختلف عن الاختصاص الآخر، ويبقى الاثنان متفرغان لبناء نفسيهما علمياً وتطويرها طول عمرهما، وحضور الدورات وورشات العمل والمحاضرات، التي تضمن دوام نموّهما بما يكافئ التطوّر العلمي في كل مجلات الحياة.

فيكثر الفقيه من القراءة في الفقه المقارن والفتاوى المعاصرة، والمجلات الفقهية المتخصصة، ويطلع على قرارات ونقاشات المجامع الفقهية في القضايا المعاصرة، ويقرأ في المجال الذي يفتي به من العلوم الأخرى ويستشير المتخصصين حتى يفهم الواقع فـ(الحكم على المسألة فرع عن تصورها) كما يقول علماؤنا..

بينما يركّز الداعية المثقّف على تكوين ثقافة شاملة عبر قراءة في التيارات الفكرية المعاصرة والمذاهب العقدية والنظريات الإصلاحية النهضوية، وآخر الأطروحات الفكرية والفلسفية.

ومن المفيد هنا من أن يتخصص كل واحد منهما باختصاص دقيق عبر الدراسات العليا، (الماجستير والدكتوراه) وذلك ضمن خطة وتنسيق مسبَق مع زملائه حتى يغطوا أهم التخصصات في كل منطقة، ليلبوا الحاجات العلمية لمنطقتهم، ولا يكرروا بعضهم، ومن الجيد في هذا السياق أن يدرس المرء تخصصاً شرعياً وتخصصاً دنيوياً فيصبح مرجعاً شرعياً لأهل هذا التخصص العلمي فيدرس مثلا الطب والشريعة فيصبح مرجعاً في المسائل الطبية الشرعية وهكذا..

ولا يحقر أحدُهما اختصاص الآخر(أقصد الفقيه المفتي والداعية المثقف)، فهما يكملان بعضهما بعضاً، فبعد صلاة الجمعة –مثلاً- يجلسان سوياً للإجابة عن أسئلة الحاضرين، كلٌ حسب اختصاصه.

وخلال الأسبوع يحيل كلٌ منهما للآخر الأسئلةَ التي تتعلق باختصاصه، ولا يستحي أحدُهما من عدم الإجابة، بل نعوّد الناسَ على احترام التخصص، كما في كل شؤون الحياة.وهكذا يطير الدين وينتشر في المعمورة عبر هذَيْنِ الجناحينِ القويينِ: الفكرُ والفقه.




مقابلة مع الدكتور حذيفة عن الهوية

  1. ماذا يعني لك مصطلح الهوية وماهي أنواعها؟  مما تتكون؟ 

الهوية: هي مجموعة الصفات والسمات التي تميز مجتمع عن غيره.
أنواعها: الهوية عادة تطلق على هذه عناصر أولها:

دين المجتمع أو مجموعة الأديان

اللغة السائدة بهذا المجتمع

التاريخ المشترك

 الجغرافيا المشتركة

 العادات والتقاليد

 الرموز: مثل المقدسات في السعودية كالحرمين مثلاً: السيفين والنخلة رمز مقدس محترم جداً أو اشخاص أحيانا والإعلام التي تكون أحيانا مصدر فخر واعتزاز.

  • ما هي أكثر العوامل التي تبلور الهوية في العالم العربي؟ كيف ذلك؟

الهوية فيها شيء من المجتمع وفيها شيء صناعة، وعادة يتم التركيز على بعض الأشياء الموجودة في المجتمع والتركيز عليها وتعزيزها وتقويتها، بمعنى أن الهوية الناجحة تكون مشتقة من المجتمع نفسه، وليست غريبة عن المجتمع، وإلا ستصبح حالة تغريب ولا تنجح، مثلاً بعض العادات والتقاليد الصالحة يتم تعزيزها من خلال الإعلام والتعليم والتثقيف وهذه أهم وسائل تعزيز الهوية.

  • بحسب تجربتك في العالم العربي، من هي الجهات المعنية بمشروع تعزيز الهوية؟

عادة النخب المجتمعية المثقفة هي التي تقوم بتشكيل الهوية، هذه النخب أحيانا تكون نخب سياسية وبالتالي الدولة تتبنى صياغة الهوية الوطنية الجامعة التي تضعها نخب تتبناها الدولة، كذلك مؤسسات المجتمع المدني ايضاً تساعد وتساهم في صياغة الهوية، أحيانا يكون هناك صراع هوياتي في المجتمع وهذا يكون امر طبيعي حسب الأيديولوجية التي تتبناها الجماعات والمؤسسات فمثلاً وجود تيار ليبرالي في السعودية، وتيار إسلامي سلفي وهكذا.. وأحيانا الأفراد نفسهم يحافظون على هويتهم، كالقبائل فكل قبيلة تحافظ على هوياتها، والتدافع الهوياتي أمر طبيعي في المجتمع، لكن في هوية جامعة تعززها الدولة، بمؤسساتها التعليمية والتثقيفية والإعلامية.

  • حسب تجربتك في العالم العربي من هي الجهة المعنية بالهوية؟

الدولة والمؤسسات الثقافية والنخب الموجودة في المجتمع بشل عام.

  • ما هي درجة اهتمام تلك الجهات بمشروع الهوية؟ في حال كانت منخفضة لماذا؟

في كثير من الأحيان يكون هناك صراع أو تدافع أو تعزيز لهوية معينة دون معرفة للفاعل الاجتماعي، يعني مثلاً المشايخ والخطاب الديني يحافظ على الهوية الاسلامية للمجتمع، ولو سألناهم عن الهوية ربما لا يدركون أنهم يحافظون على كلمة هوية، يعني عدم الوعي بكلمة هوية وما هي دلالاتها لا يعني أنه لا توجد هوية للمجتمع أو أنه لا يوجد صراع هوياتي، لا بل هذا موجود، حتى أحياناً المجتمع البسيط يمارس تعزيز للهوية عبر الدفاع عن الأعراف والتقاليد والمواريث.

  • كيف تؤثر تلك الجهات على الهوية؟

الحكم على التأثير كونه سلبي أو إيجابي هذا أمر نسبي حسب الجهة التي تنظر، مثلاً اللادينيين والملحدين يرون أن المشايخ هم دعاة للرجعية والخرافة، لأن الدين عندهم يعتبر خرافة ومفرز اجتماعي بمعنى أنه متخلف، لكن بشكل عام إذا أردنا أن نتكلم عن الهوية الإسلامية العربية الوطنية الجامعة بمعناها الإيجابي فإنه يوجد أشخاص يعززوا هذه الهوية ويظهروها بشكل إيجابي وجميل، وهناك أشخاص يتحدثون عن تفتيت الهوية.

لا توجد مشكلة بأن تكون هناك هويات فرعية لكن ليست على حساب الهوية الجامعة، يعني عندما يكون هناك شخص ما له ولاء خارجي لدوله خارجية، أو ولاؤه لشيء كما يسميه البعض فوق الدولة وتحت الدولة، إذا كان يتعارض مع نفس مفهوم الدولة هنا تكمن المشكلة، أما كونه ينتمي لأمة إسلامية أو لمذهب معين، فلا توجد مشكلة لكن عندما يكون على حساب الهوية الوطنية الجامعة فهنا يكون الاشكال.

  • هل ترى بأن هناك تغيرات حدثت على الهوية المجتمعية في عالمنا العربي؟ في حال نعم، ما هي، يرجى الوصف؟

بالتأكيد، في تدافع كبير، بمعنى لو رجعنا إلى عناصر الهوية، الدين، اللغة …، فالدين في حالة تغريب، وهناك موجة إلحاد، موجة عدم تدين، هذا الأمر يؤثر على هوية المجتمع ، أو العكس أحيانا عندما جاءت الصحوة الإسلامية في السبعينات وانتشرت في العالم الإسلامي كله، كذلك هذا يعتبر تعزيز للهوية، اللغة نفس الشيء فانتشار العاميات والكتابة بالعامية أحياناً تؤثر، العادات والتقاليد هناك عادات طيبة جميلة فيها نوع من التراحم والتكافل المجتمعي والترابط الاسري بينما هي الآن أصبحت تنحسر وتتراجع وتتقهقر لحساب الفردانية والأنانية، فالهوية مثل الكائن الحي أحياناً تضعف، وأحياناً تقوى، فالهوية ليست ثابتة وإنما متغيرة.

  • ما هي مسببات هذه التغيرات؟

أهم الأسباب: الانفتاح الذي حصل عبر وسائل التواصل ووسائل التواصل والانترنت والفضائيات، كل ذلك جعل التفاعل كبير ولا تزال التوقعات المستقبلية بأن حالة العولمة تكتسح الجميع كاليوتيوب مثلاً، وحالياً يعتبر من أهم المعلمين والمؤثرين على الهوية، فاليوتيوب نقل لنا الكثير من العادات والتقاليد على سبيل المثال: الأزياء، أنماط المعيشة، من الشرق والغرب فربما في الأعوام القادمة ستكون الترجمة فورية ليس ذلك فحسب، وإنما ستكون دبلجة فورية. وبالتالي ينزاح لدينا حاجز اللغة وهذا سوف يفتح لنا أبواب كثيرة من التفاعل الثقافي بين المجتمعات، مثل قريش أفضل اللهجات من بين العربي لأنهم كانوا عند الكعبة المشرفة وبالتالي كانت كل قبائل العرب  تأتي إليهم وكانوا ينتقون من ألفاظهم أعذب الألفاظ وبالتالي تكون لهجتهم أعذب اللهجات ينتقون من المفردات كما ينتقون أطيب الطعام لذلك البشر سوف ينتقوا من بعضهم الخبرات والتجارب والعادات والتقاليد بهذا المجال يعني نمط العيش، أما اللغة والدين فما اعتقد يحدث فيهم تبديل والله أعلم.

  • كيف تحاول المجتمعات في ظل هذه الظروف أن تحافظ على هويتها بحيث ما يحدث عندها تشويه في أمور  جيدة من المجتمعات التي اخذت منها؟

يجب أن نميز عناصر الهوية بين الأشياء التي ينبغي أن نحافظ عليها وبين الأشياء المرنة، يعني اللغة مثلاً يفترض لنا أن نحافظ على لغتنا الأم، ولا يوجد مانع في تعلم لغة علم كاللغة الإنكليزية مثلاً، لكن إذا الإنكليزية على حساب العربية تكون هنا مشكلة، لأن هوية المجتمع في هذه الحالة تتغير ونحن كعرب ثقافتنا مرتبطة بكتاب مقدس وتراث كبير، لا يوجد أمة تحترم نفسها وتتخلى عن لغتها، وهكذا كل الأمم تدرس بلغتها  فهذا عنصر صلب يجب أن يكون لدينا عنصر الدين هو عنصر صلب لا يوجد فيه مساومة وعنصر العادات والتقاليد ونمط الحياة بما لا يتعارض بين اللغة والدين.

ألا تعتبر بأنها حالة طبيعية، ولماذا؟

طبعا فالهوية مثل الكائن الحي، فهي حالة متطورة متبدلة بشكل دائم، وجمود الهوية يعني أن المجتمع جامد، لا يتعلم ولا يختلط ولا يتطور، حتى تطور العلوم وارتفاع مستوى الوعي والثقافة يؤثر على الهوية، على سبيل المثال بمجال العادات والتقاليد ونمط الحياة، فنلاحظ اختلاف نمط حياة المتعلمين عن نمط حياة غير المتعلمين. وبالتالي، فالعلم يتطور والحياة تتطور وتكتشف أشياء جديدة، لكن لا ننسى أن الهوية يجب أن يكون فيها جانب صلب مثل اللغة والدين، يجب الحفاظ عليها، باقي الأمور سهلة مرنة ولا يوجد إشكال فيها.

  • بتصورك، هل ترى بأن هناك أزمة هوية (ضعف أو تراجع أو فراغ في الهوية) في العالم العربي؟

أزمة الهوية ليست أزمة عربية فقط، إنما كل الأمم تعاني من أزمة في الهوية وتشكو المحافظة على الهوية، فحالة العولمة الأمريكية على العالم كله لسنا نحن من يشتكي منها فحسب، وإنما الصينين والعالم بأكمله يشتكوا من عادات وتقاليد أمريكية غزتهم، بحكم هوليود وغزوها للعالم وامتلاك أمريكا للتقنيةـ، فحالة الأمركة (العولمة الأمريكية) كل الأمم تشكوا منها. لذا فالشكوى من عدم القدرة على المحافظة على الهوية ليست عربية فقط، وإنما كل الأمم تريد الحفاظ على هويتها، لكن الذكاء علينا أن نعرف أين نكون صلبين وأين نكون مرنين.

  • من هي الفئات التي ترى بأنها تعاني من أزمة هوية؟ لماذا؟

اعتقد فئة الشباب وصغار السن، لأن هؤلاء لديهم مرونة وقابلية للتغيير، بينما الكبار نوعاً ما، هويتهم ترسخت لديهم.

  • ما هي الأشياء/المؤثرات التي تسبب تلك الأزمة؟

حالة تغريب حكومي خصوصاً في بعض البلاد العربية، بمعنى أنه لا يوجد نمو طبيعي وإنما هناك تدخل وحالة تغريب مفتعلة وغير متدرجة وغير راشدة من وجهة نظري، فيمكن أن يكون تحديث وتحضر وتقدم المجتمع جيد، ولكن بطريقة واعية وعدم مهاجمة الهوية التي أقصد فيها القيم، والمبادئ، والأخلاق الإسلامية، والعربية.

  • ما هي الحلول التي تراها مناسبة لمعالجة هذه الأزمات؟

الحفاظ على الهوية هي مهمة المصلحين والدعاة والنخب المثقفة في المجتمع، لأن هؤلاء راشدين ويعلمون مواقف  الصلابة التي يجب أن يقفوا عليها ويعلمون أيضا مواقف الاقتباس والمشتركات البشرية أو نواحي التفوق التي يمكن  أن يتفاعلوا فيها ويقتبسونها من الأمم الأخرى، وأنا الآن أقوم ببحث، وقد وضعت 4 خطوات للاقتباس الراشد من الأمم الأخرى:

 1- نقتبس الشيء الذي نحتاجه فعلاً.

2- نفصل الأشياء التي نريد اقتباسها من فلسفتها المخالفة عن فلسفتنا ومبادئنا.

 3- وصلها بفلسفتنا فمثلا حقوق الانسان: فصل حقوق الإنسان لديهم عن فلسفتها المادية الملحدة، ووصل الإنسان بثقافتنا، حيث  توجد قيم حاكمة أخرى في الإسلام لتكريم الانسان، فالإنسان لا يختار جنسه بحريته أو بإرادته (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء)


 4- إحداث التغييرات اللازمة بمنظومتنا عندما نقتبس شيء مثل الدراسات العليا لم تكن موجودة بمجتمعاتنا نحن اقتبسناها لكن أبقينا المنظومة التعليمية عندنا منظومة تلقينية، حفظية غير قائمة على مناهج التفكير،  وبالتالي يأتي الطلاب على مرحلة الدراسات ونريد أن نقوم بنقلة نوعية بمعنى يجب أن تبدع، لكن لم يكن هناك تغييرات بالمنظومة التعليمية كاملة، فمن المفروض أن تدخل مهارات التفكير في كل مراحل المنظومة التعليمية منذ الروضة عندها ستيدع حتماً عندما يصل إلى الماجستير أو الدكتوراه، مختصر القول في هذه المرحلة: إحداث التغييرات اللازمة لما اقتبسناه.

  • كيف تصف تأثير الإعلام البديل على الهوية؟ إيجابي، سلبي؟ ولماذا؟

الإعلام الاجتماعي ساهم بشكل كبير في التفاعل الهوياتي، وقد حصل ما يسمى بالاتصال والمواصلات وجزء منه الإعلام الرقمي، أو الإعلام الاجتماعي، فهو حالة ووسيلة وأداة من أدوات الإعلام، هناك جزء منه هو السوشيال ميديا، وهو سلاح ذو حدين فهو يفرز الحالة الاجتماعية، وربما هي أدوات محايدة بحسب ما نحملها، لكن اعتقد أن تقييم الناس لها بأنها سلبية، وليس لدي إجابة قطعية فقد استخدمت للخير والشر.

ما هي أكثر وسائل الإعلام البديل تأثيراً؟

ليس لدي فكرة واضحة لكن اعتقد من وجهة نظري اليوتيوب يعتبر أكثر مؤثر لأنه يعتبر أكبر معلم جاء في التاريخ، حيث أصبح الاعتماد عليه بشكل كبير لاسيما في التعليم

  1. ما هي العوامل التي يمكن استخدامها كمعززات للهوية؟

الإعلام والتعليم أكبر اداتين لتعزيز الهوية وذلك من خلال خطة راشدة، وحالياً نحن بعصر الدولة الحديثة المتحكمة بكل شيء، والدولة الحديثة هي التي تستطيع صياغة المجتمعات وتثقيفها كما تريد.

  1. ما هي مقترحاتكم لضمان تمكن البلدان العربية من مجاراة التحولات العالمية مع مراعاة الحفاظ على الهوية المجتمعية؟

بعض الدل تتصرف بحس مسؤولية وذكاء عالي فهم يتعاملوا بذكاء شديد لترسيخ الهوية – مثل تركيا، مثل العلم التركي – الحس الوطني – الدين الإسلامي – حتى التاريخ هم بصدد إعادة صياغة التاريخ من خلال المسلسلات على سبيل المثال مسلسل ارطغرل – عثمان – السلطان عبد الحميد الى بعض المسلسلات المعاصرة، كله يعمل على خطة واضحة جدا  هي ترسيخ الهوية التركية والديانة الإسلامية.

  1. في حال أردت تأسيس مبادرة أو مشروع يعنى بتعزيز الهوية، كيف سيكون شكل هذا المشروع (شركة، جمعية، برنامج حكومي وطني، مؤسسة بحثية)؟ ولماذا؟

والله كل هذا يساهم ولا يكلف الله نفساً الا وسعها، الدولة عندما تستلم برنامج بالتأكيد سيكون الأمر أقوى لأن الدولة تتوفر لديها أدوات قد لا تتوفر في أي جمعية مهما كبرت هذه الجمعية، لكن إذا الدولة كانت تعمل بعكس التيار، هل نستسلم!؟، بالتأكيد لا، فإن استطعنا أن نكون جمعيات، نقابات، مؤسسات مجتمع مدني بأشكالها وأنواعها المختلفة فهذا طيب، وإن لم تستطع فعليك خاصة نفسك على الأقل وأهلك ومن حولك حسب المقدرة.

أي القطاعات سيعنى بها هذا المشروع (الإعلام، الثقافة والتراث، الدين، التعليم…)، ؟ ولماذا؟

كل هذه المؤسسات المعنية بترسيخ الهوية، وفاتنا نركز على شيء مهم هو التراث والآثار والتاريخ بآثاره بأماكنه الأثرية وبالتالي عندنا وزارة التعليم، وزارة الثقافة، وزارة الاعلام، السياحة كلهم فاعلات.

ما الذي سيركز عليه المشروع (تنفيذ برامج، تطوير سياسات وقوانين، نشر دراسات وأوراق بحثية، رعاية مبادرات…)؟

كل ما ذكرتيه مهم إن استطعنا نجمع لا يصار الى الترجيح الا عند تعذر الجمع والترجيح يكون حسب المقدرة، لكن اهم شيء الان ان ثقافتنا ثقافة بصرية بالدرجة الأولى، بمعنى الدراما تعتبر من اهم الأشياء، وخير دليل على ذلك الغزو الثقافي الأمريكي للعالم من خلال أفلام هوليود. ونلاحظ ان الهند أنشأت مدينة إعلامية اسمها بوليود وصارت تنتج أفلام هندية كي تحافظ على نفسها.

  • ما هي مصادر التمويل التي يمكن الاستفادة منها لدعم مشروع يعنى بالهوية (حكومية، قطاع خاص، جمعيات، رعاة وجمع عام…)؟ ولماذا هذه المصادر؟

الكل يتظافر لتعزيز الهوية لكن في السعودية مثلاً يمكن التركيز على الحكومة في الامور التي تقدمها بشكل جيد، في حين يمكن التركيز على مؤسسات المجتمع المدني في القضايا التي لا يمكن للدولة أن تقوم بها كالجمعيات الأهلية والشعبية والدعاة والمثقفين والصحفيين والمدرسين لسد الثغرات.

كيف ستضمن هذه المصادر نجاح واستدامة هذا المشروع؟

ببيان أهمية الحفاظ على الهوية، ممكن البعض لا يدرك أهمية الهوية، فقد يقول البعض أين المشكلة إذا صارت بلدنا مثل الدول الاوربية مثل باريس أو لندن …..، المشكلة أنك فقدت هويتك، فالحياة حلوة بتنوعها ولا يمكن أن تكون بلون واحد (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، جمال البشرية باختلافها وتنوعها، هذا التنوع والاختلاف، لا يمكن المحافظة عليه إذا لم تحافظ كل أمة على هويتها، وإلا إذا أردنا أن نستنسخ نموذج معين لماذا لا نستنسخ النموذج الأمريكي مثلاً بدلا من النموذج الياباني …

  • هل صادفت أية مشاريع أو مبادرات سابقة تعنى بالهوية (يرجى ذكرها أياً كان شكلها وصغر حجمها)؟ 

المؤسسات الدينية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص بكل أشكالها والدعاة وغيرهم، جميعها تحافظ على جزء أو عنصر من عناصر الهوية وهو الدين، ثم يأتي عنصر اللغة يحافظ على هذا العنصر المدرسين، المثقفين، الشعراء، والأدباء…… وهكذا باقي العناصر، فلكل عنصر هناك أناس قائمين عليه.

هل ترى بأنها كانت ناجحة؟ ولماذا؟

المحاولات لمسح الهوية العربية والإسلامية شديدة جدا كانت على زمن الاستعمار وبعدها المتغربين فلو لم تنجح تلك الجهود لما كانت الهوية موجودة الى الآن.

ما هي أكبر التحديات التي تواجه هذا النوع من المشاريع؟

أكبر التحديات هو التحدي السياسي، لما يتم اعتقال دعاة، او اغلاق جمعيات، باسم مكافحة الإرهاب، او بالشعارات الأخرى، اظن هذا أكبر تحدي.

ما هي أهم الجوانب التي كان يمكن تنفيذها بالشكل الأفضل في تلك المشاريع؟

الدراما هي أفضل الجوانب فالدراما ليست تسلية كما يعتقد البعض، لأنها أصبحت تثقيف، أصبحت أداة للحفاظ على الهوية، والدين، والمبادئ، والقيم.

  • هل توجد أية برامج وطنية عربية تعنى بالهوية؟ ما هي؟

  • نعم، أحيانا نعزز او نهاجم الهوية بشكل غير مباشر، وكما ذكرنا سابقاً أن مؤسسات الدعوة كلها تحافظ على الدين، مؤسسات اللغة كلها تحافظ على اللغة والثقافة والآثار والثقافة الوطنية، كل هذه برامج معنية بالهوية.

          كيف يمكن أن تفيد في مشروع الهوية؟

الدولة الحديثة هي المعنية بتغذية الهوية الوطنية الجامعة لكي تتميز عن غيرها، فمثلاً لماذا لدينا الجزائر ولدينا المغرب؟ لأنه يوجد هوية جزائرية وهوية مغربية، الدولة هي التي كرست ذلك، فالدولة لها دور كبير بتعزيز الهوية، كجزء من المحافظة على اعتزازها واستقلالها وإذا ما بنت هوية فإنها تتلاشى وتضيع.




التجديد الدينيّ والإلحاد الجديد؟!!

كثر الحديث في أيامنا عن التجديد الإسلاميّ، وكثر التساؤل عن ضوابطه وملامحه وتأييده، والقول بوجوبه وضرورته، وبالمقابل الريبة منه والتشكيك فيه وبدعاته، فهل ديننا يحتاج حداثة أو تحديثاً أو تجديداً أصلاً؟!

كما كثر الحديث عن ظاهرة الإلحاد الجديد وأسبابها وطرق علاجها.

ومن العجائب أنّ الإسلاميّين أنفسهم يتراشقون التهم، فالتجديديّون الميسِّرون يرون المتشدّدين سبباً للإلحاد (فهم غلاة منفّرون)، كما أنّ الجامدين والمتشدّدين يرون الميّسرين سبباً في الإلحاد فهم (مميّعون يجعلون الناس يتحلّلون من تعاليم الإسلام)!

مع أنّ الواقع يقول: إنّ الغلوّ يسبب الإلحاد، ولم نسمع بمن ترك الدين بسبب التنويريّين أو المجدّدين أو الميسّرين!

سأحاول بهذا المقال وضع مقدّمات للجواب عن هذا الإشكال، وبيان دور التجديد المقبول في الحدّ من ظاهرة الإلحاد.

الإلحاد الجديد:

ممّا لم يعد يخفى على أحد انتشار ظاهرة الإلحاد بين المسلمين، بل أزعم أنّ ظاهرة الإلحاد ما يظهر لنا منها: (رأس جبل الجليد) فقط، وما خفي كان أعظم، وما نراه من مظاهر إلحاديّة أمر بسيط بالنسبة إلى الحركة الإلحاديّة التي ستأتي وتزداد نوعاً وكمّاً، وأسأل الله تعالى أن أكون مخطئاً في توقّعاتي!

وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ أسباب الإلحاد الجديد كثيرة، أحصيتُ في محاضرة لي منشورة على اليوتيوب بعنوان: (أسباب الإلحاد وطرق المواجهة)، ستّة عشر سبباً، فمن الإجحاف تحميل سبب واحد كامل الظاهرة، كما ننبّه إلى أنّ شبهات الإلحاد الجديد كثيرة وجديدة، بل ومتجدّدة فكلّ يوم هناك جديد، فلا تكفي الكتب القديمة للمواجهة، ولا يكفي علم لمواجهتها، فهناك شبهات من العلوم النظريّة والتطبيقيّة كلّها، وهذا يجعلنا نحتاج كلّ الخبرات والكفاءات والتخصّصات.

وما يعنيني هنا من أسباب الإلحاد الجديد الكثيرة سبب مهمّ، وهو الخطاب الإسلاميّ، وبعض الاجتهادات الإسلاميّة المشكلة على عقليّة إنسان عصرِنا، عصرِنا الذي أضحت فيه الفلسفات والأنظمة والدول تتنافس بخدمة ورفاهية وحماية ورعاية الإنسان، كلّ الإنسان.

فهذا الانفتاح المتسارع على العالم في زمن الإنترنت وسهولة التواصل، جعل عَقْدَ المقارنة بيننا وبين بقيّة أمم الأرض المتحضّرة ممّا يتيسّر لأيّ إنسان، وهو جالس ببيته، وبالصوت والصورة كذلك!

وهذه الموجة الإلحاديّة ستساهم -بما يترتّب عليها من جدل وتأثير متبادل بين الملحدين من جهة، وبين الدعاة والعلماء من جهة مقابلة- في ترقية (خطابنا الإسلاميّ)، وبالتالي بتحسين (نوعيّة التديّن) فسننتقل من التديّن الشكليّ الطقوسيّ إلى القيميّ الأخلاقيّ الذي يركّز على المعاملة الحسنة، والذي لا يهمل الطقوس طبعاً، فـ(لا تحسبوه شرّاً لكم، بل هو خيرٌ لكم).

ويمكن التنبيه على بعض الخطابات الإسلاميّة المنفّرة على سبيل المثال لا الحصر:

أ- خطاب إسلاميّ متشدّد يجعل الاستمساك بأهداب الشريعة الغرّاء يستلزم أن يعيش المسلم على هامش الحياة، فدائرة المحظورات تغطّي معظم جوانب الحياة في ذلك الخطاب!

 ب- خطاب كراهية وحقد داخل مجتمعاتنا، مقابل مبادئ التسامح والتعايش في المجتمعات الراقية، طبعاً أتكلّم هنا عن ثقافتهم داخل دولهم ومجتمعاتهم، وهذا لا يعني عدم وجود خطاب كراهية في تلك المجتمعات، نتيجة وجود اليمين المتطرّف، ولا يلغي ذلك السياسات الخارجيّة المصلحيّة البعيدة كلّ البعد عن مبادئهم الداخليّة التي يلتزمون بها مع مواطنيهم!

ولكن نتكلم عن الثقافة العامّة المنظَّمَة والممنهجة التي يحميها التعليم والإعلام والقوانين والأنظمة في تلك الدول.

ج- خطاب إسلاميّ يفصل بين الحكم الشرعيّ وبين حِكمته وفائدته والغاية والهدف منه في حياة الناس ودنياهم، فمهما كان الحُكم المستنبَط غريباً يجب أن تسمع وتطيع فالاجتهاد مشتَق من نصٍّ مقدّس، وهنا نقول على عجالة: “هذا فهمك واجتهادك، وليس مراد الشارع الحكيم!.

الإنسانيّة ليست اختراعاً ماديّاً:

جعل الله تعالى الإنسان محور الكون، وسخّر له سمواته وأرضه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأرسل له رسله وأنزل عليه كتبه (إنّي جاعل في الأرض خليفة)، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}

وشرع الله تعالى للإنسان من القيم والأخلاق والأحكام وأرشده ووجّهه بما يكفل له سعادته وأمنه في الدنيا والآخرة، فالإسلام هو دعوة مبكّرة للنزعة الإنسانيّة مقابل الأديان القديمة التي كانت تهدر الإنسان قرباناً لآلهتهم! فالإنسانيّة ليست اختراعاً من الفلسفة الماديّة، فقد سبق الدين الخالد لها!

وهنا لا بدّ من إبراز موقف الإسلام المشرّف تجاه حقوق الإنسان، ومراعاة تلك الحقوق عند الاجتهاد والترجيح والفتوى والخطاب المعاصر.

بين الفقيه والمفكّر:

سنتحدّث هنا عن الفروق بين الفقيه والمفكّر، أو بين الكلّيّات والجزئيّات، أوبين الفقه والأخلاق، فهناك فصام نكد –أحياناً- بين الاجتهادات الفقهيّة الفرعيّة والرؤية الكلّيّة من جهة، وبين الفروع الفقهيّة وبين الأخلاق من جهة أخرى!

فكثير من عامّة المسلمين ومثقّفيهم استمعوا للخطباء أو قرؤوا للمفكّرين، فأعجبهم الإسلام الذي يحترم القيم وينادي بالأخلاق ويحافظ على المبادئ، وله فلسفة تشريعيّة حكيمة متناسقة ومتناسبة ومنتظمَة.

ولكنّهم يتفاجؤون عندما يحتكّون ببعض الفقهاء فيجدون هذه المنظومة القيميّة الرائعة قد اختلطت وغابت -في كثير من أحيان- فالأحكام مشتّتة هنا، تشدّد فيما يستحقّ التيسير، وهنا تساهل فيما حقّه التشديد!

وما ذلك إلا لأنّ المفكّر ينظر في الكلّيّات ويسلّط الضوء على جماليّات الإسلام ونُظُمِه وقواعده الكلّيّة، بينما الفقيه ينغمس في الجزئيّات منشغل –في كثير من الأحيان- بالنصوص الجزئيّة والاشتقاقات اللغويّة ودلالاتها، ويسهو عن المقاصد الكلّيّة والمبادئ الأساسيّة والقيم الإسلاميّة.

وبالتالي يحبّ الناس الإسلام القيميّ الأخلاقيّ كما يذكره الخطباء والمفكّرون، وهم لا يعرفون بعض الاجتهادات التي تضادّ الكلّيّات الجميلة، ويصطدمون بها عندما تطفو على الإعلام، ويستشكلونها كثيراً، والحقّ معهم!

مثلاً: الزواج بنيّة الطلاق، ولا يُعلم الخاطبُ البنتَ ولا أهلَها.. فلو ناقشتهم في حرمة ذلك، لأنّه خيانة مبيّتة -مع سبق الإصرار والترصّد- لقالوا لك: هو ينوي الطلاق والطلاق مباح، كما أنّ النيّة لا يُحاسب عليها الإنسان؟!

ونسي القائل حديث: (أترضاه لأختك؟ وأتراضاه لأمّك؟) ونسي أنّ الأصل في العقد التأبيد، وأنّ الأهل أعطوا ابنتهم ورضيت الفتاة بناء على أنّها ستبقى مع هذا الرجل مدى الحياة، إلا إنْ طرأ طارئ وتعذّرت الحياة بينهما، فعندها تطرأُ نيّة الطلاق وفعله.

فلو كانت الفتاة تعرف أنّ هذا الرجل ينوي الزواج بها مدّة ثمّ سيتركها، (بعد أن يُفقدها عذريّتَها) لما قبلت الارتباط به أصلاً!

فهنا نَظَرُ الفقيه انحصر بآليّات إجرائيّة (مباحة) تمّ تركيبها مع بعضها (نيّة مكتومة غير محاسب عليها، لفِعْلٍ مباح وهو الطلاق) وغفل عن حيثيّات المسألة ومآلاتها ونتائجها الكارثيّة على الفتاة المطلّقة في أغلب البيئات في زماننا هذا!

فهنا الفقه انفصل عن الأخلاق تماماً في هذه المسألة، أين الصدق؟ فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أين الأمانة؟ أين الشهامة؟ أين حفظ أعراض الناس ونسلهم؟ أين الحفاظ على نفسيّة الفتاة وأهلها؟.. هذه المعاني كلّها تُهدر في هذا الاجتهاد القاصر.

الشرع يراعي مصالح العباد وييسّر عليهم:

عندما نقول: (الدين جاء لإسعاد الناس في دنياهم وآخرتهم)، قد يقول قائل: ليس من الضروريّ أن يسعد الإنسان في الدنيا، بل يكفي أن يفوز بالسعادة الأخرويّة..

ونقول: إنّ الله سبحانه وتعالى غنيّ عن العالمين، غنيّ عن عباداتنا وطاعاتنا، فلا تضرّه معصيّة، ولا تنفعه طاعة، لكنّه أنزل لنا شرائع وتعاليم الدين لتنظيم علاقات البشر، وسائر شؤون حياتهم في عالم الغيب والشهادة، لحماية الإنسان ورعاية مصالحه وسعادته: ((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)) ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [النحل : 97]

وبالمقابل: ))وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا، وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى(([طه: 124]

النكد ليس شرطاً في التديّن:

مع الأسف هناك تصوّر أن المتديّن كلّما كان غير مرتاح، كان أقرب إلى الله، فالأصل بالمؤمن البلاء والعيش الضنك والمشقّة والعسر والضيق، وكأنّ المشقّة مقصودة لذاتها، وبهذا التصوّر الخاطئ يتمّ تسويغ كلّ الاجتهادات المتشدّدة المرهِقة..

 بينما النصوص التي تذكر جزاء المشقّة والمصائب تذكرها لتهوينها على نفس من يصيبه بلاء، مواساةً وتخفيفاً عن العباد، لا كما قد يتوهّمه بعضهم، من أنّ المشقّة مقصودة لنيل الثواب، كما ذكر لي أحدهم مرّة: (ينبغي أن نسلك الطريق الأبعد إلى المسجد، لكونه أكثر ثواباً!!) ونسي الأخ أنّ التبكير في دخول المسجد له ثواب، وانتظار الصلاة له ثواب، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسُه.

 فذِكْر الشارع الحكيم ثواب المسير للمسجد وحسنات كلّ خطوة، لكيلا يستثقل الذاهب للمسجد طول الطريق أو مشقّته في البرد أو الحرّ، ويعلم أنّ كلّ مشقة تصيبه في أثناء ذهابه للمسجد له به أجر.

 وهكذا كلّ ما ذُكر من ثواب للمصائب والأمراض والهموم وغيرها.. للمواساة وكرماً منه سبحانه، حتّى يخفّف عناء عباده المبتَلِين، وليس المقصود أن المصائب مقصودة مطلوبة، نسأل الله العفو والعافية!

فمن حيث تعاليم وأحكام ديننا، فالعَنَت والمشقّة والحرج والشقاء كلّه مرفوع في شريعتنا.

والأصل في الأشياء الإباحة في شريعتنا، ما لم يرد نهي عن شيء ضارّ للنفس أو للمجتمع، ولكنّ نفراً من الفقهاء كان مزاجهم التشدّد، وهذا الغالب على فتاويهم حتّى سمّى بعضُهم منهجَ أولئك الصنف من الفقهاء بـ(فقه النكد) فكلّ لهو أو ترويحٍ حرامٌ، وكلّ فنّ أو توسّع حرام، والأصل في معاملات الناس الشكّ والريبة والحُرمة!! فقلبوا القاعدة فأصبحت: (الأصل في الأشياء المنع ما لم يرد نصّ)!

مع أنّ النبيّ ☺ كان متشوّفاً نحو إبقاء دائرة التحريم ضيّقة، لذلك نهى عن كثرة السؤال، وأخبر أنّ أعظم المسلمين جُرماً من سأل عن شيء فحُرّمَ من أجل مسألته[1]، وكان يخشى أن تُفرض بعضُ السنن على المسلمين، لذلك كان يتركها أحياناً ولا يداوم عليها، ويقول: (خشيتُ أن تُفرض) فهل مزاج وعقول وقلوب أولئك الفقهاء المتشدّدين مثل رسول الله ☺؟!

بل بعضهم تشعر أنّه يتلذّذ بتحريم الأشياء على الناس، بينما روى لنا علماؤنا الثقات عن بعض علمائنا الورعين الصالحين أنّهم كانوا يبحثون عن أسهل الأقوال، ويفتون بها الناس توسعةً وتيسيراً، ومنهم شيخ مدينتي في حمص الشيخ محمود جنيد رحمه الله المعروف بالزهد والورع والصلاح (كان متقناً للمذهبين الحنفيّ والشافعيّ المنتشرين في ديارنا) روى لنا تلامذته أنّه عندما وجد قولاً في المذهب الحنبليّ فيه سعة وتيسير حيث يجيز معاملة ماليّة راجت في مدينتي، كاد الشيخ أن يرقص من الفرح!

فمقصود الشارع الحكيم التيسير على عباده ورفع الحرج والمشقّة عنهم: نصّ على إرادته ذلك صراحة بنحو قوله تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) وانتبه إلى قوله تعالى: (يريد) فهو مقصود صراحة، [البقرة: 185] ((َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) [الحج : 78]

فكلّ اجتهاد فقهيّ يوقع الناس في الحرج والعنت والمشقّة، ينبغي البحث عن سواه، فلم يُخيّر رسولُ الله ☺ بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثماً[2].

 طبعاً ليس ذلك قاعدة مطّردة، فما كان فيه هضم لحقوق الآخرين فنحتاط فيه، لأنّنا في هذه الحالة نكون قد أوقعنا الطرف الثاني في الحرج، وما كان فيه تقحّم في المحرّمات القطعيّة نبتعد عنه أيضاً ونحتاط فيه، لأنّ الشارع الحكيم لم يحرّمها إلا وفيها مفسدة لنا، وقد فصّلت في ذلك في كتابي: (ضوابط التيسير في الفتوى، وهو منشور على الشبكة).

يقول ابن القيم ؒ: “فصل في بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد:

هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله r أتمّ دلالة وأصدقها”[3]

لا تخلط بين اجتهادك وحكم الله تعالى:

من الظواهر المنتشرة عند الاعتراض على معقوليّة ومنطقيّة وحِكمة وفائدة بعض الاستنباطات والاجتهادات، يتم استدعاء نصوص السمع والطاعة، واتباع الله ﷻ ورسوله ☺، وعدم اتباع الهوى..

وهنا نقول: هم لا يعترضون على أحكام الله تعالى، بل على اجتهادك في معرفة مراد الشارع الحكيم، فما كان من المحكمات والثوابت من المسائل التي نُصّ عليها وعُرفت في الشريعة من غير اجتهاد ولا استنباط، مِن المعلوم من الدين بالضرورة كأمّهات الواجبات والمحرّمات، هذه يمكن أن نستدعي لها نصوص السمع والطاعة، أمّا الاجتهادات الظنيّة (وأغلب الاجتهادات ظنيّة) التي اختلف فيها الفقهاء أصلاً، وأنكر بعضُهم فيها على بعض! بل ردّ بعضهم فيها على بعض! هذه يسعنا الانتقاء منها والاختيار فيها، لكن في ضوء مقاصد الشارع الحكيم، وقيم ومبادئ الإسلام وليس بحسب الهوى!

قراءتان لأحكام الإسلام: بين التعليل والتوقيف:

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك قراءتين لأحكام الإسلام:

القراءة الأولى: قراءة تجعل تعاليم الإسلام غير معقولة المعنى وهو ما يعبّرون عنه بأنّ الأصل فيها التوقيف (تعبّديّة) يجب الالتزام بها تعبّداً، أي امتثالاً واستجابة للأمر، وليس معرفة بالهدف والغاية والفائدة، فالأحكام الشرعيّة الأصل فيها ذلك، وبالتالي يمكن وفق هذه القراءة أن تصبح كلُّ آية كريمة وكلُّ حديث صحيح الإسناد مبدأً ومصدراً للأحكام والتشريع، بغضّ النظر عن السياق والحال والظرف والخصوصيّة، لعدم وجود قواعد مستنبَطة حاكمة بأنّها الأصل، وما يخالفها خارج عن القاعدة، فعند القول بتعليل الأحكام نستنبط من عللها وحِكمها قواعد ومبادئ ومقاصد نجعلها أصلاً، فما خالفها نلجأ للتخصيص أو التقييد أو التأويل أو النسخ أو عدم العمل به..

فعند من يقول إنّ (الأصل عدم التعليل) كلُّ نصّ دينيّ مبدأ مستقِلّ قابل للتطبيق بغضّ النظر عن بقيّة النصوص، يكفي أن تكون الآية واضحة الدلالة، والحديث صحيحاً حتّى يُعمل بهما، وبالتالي أنت أمام نصوص كثيرة جدّاً لا ينظُمها شيء بنظر هؤلاء.

 طبعاً الكلام بالعموم وليس بالإطلاق، فالكلّيّات العامّة متفَق عليها، وهي ما يسمّى “ما يُعلم من الدين بالضرورة” أي يعرفه كلّ مسلم يعرف الإسلام، فمن مقتضيات هذا المذهب (الأصل في الأحكام عدم المعقوليّة) ما يؤدّي لقراءات للإسلام لا تنتهي، فالنصوص-عندهم- كأحجار البناء، يستطيع كلّ بنّاء تشكيلها كما يشاء، وبالتالي ظهرت اجتهادات (ليس أوّلَها ولا آخرها داعش).

 قراءات قد تهلك الإنسان مقابل إرضاء الإله (بزعمهم)، وقد تجعلك تعادي العالمين، وتعلن حرباً مفتوحة عليهم، بل قد تقتل أقرب الناس إليك بذريعة الردّة!

وينطبق على هذه القراءة –برأيي- قولهم: (الاتّباع الأعمى)، فهو اتّباع دون معرفة الفائدة أو الحكمة أو العلّة من الحُكم.

وأيّ واحد يعترض على هذه القراءات، فالاتّهامات جاهزة، فهو إمّا: منبهر بالغرب، أو عميل لهم، أو متقاعس أو جبان، أو مرتدّ أو يقدّم عقلَه على النصّ، أو قرآنيّ!

كما ظهر بالمقابل قراءات استخدمت النصوص دون قواعد ولا منهج ناظم فتحلّلت من الإسلام ونقضته عروة عروة، باستدلال من الكتاب والسنّة كذلك!

وأيّ واحد يعترض، كذلك التّهم جاهزة: تقليديّ رجعيّ متشدّد داعش جامد..

أمّا القراءة الثانية ترى أنّ تعاليم الإسلام الأصل فيها التعليل والمعقوليّة وظهور الحِكمة والغاية والهدف والفائدة.. وللأحكام أنساق وقواعد واضحة ترعاها النصوص وتؤكّد عليها، وبالتالي فتعاليم الإسلام متناسقة متفهّمة ترعى مصالح العباد، وتحفظ حقوقهم وتنظّم حياتهم بما يكفل سعادة الجميع.

السؤال: بأيّ هذه القراءات نأخذ؟

عند اختلاف القراءات أو الاجتهادات القديمة والحديثة، بأيّ هذه القراءات والاجتهادات نأخذ؟

ينبغي ترجيح القراءة الثانية، فالفقه هو الفهم، وكلّما علا كعب الفقيه كان ملتزماً بالقراءة الثانية أكثر.

وتطبيقات هذه القراءة ليست منحصرة بمذهب فقهيّ معيّن، فعندنا ثروة فقهيّة رائعة، وكلّ فقيه له فتوحات وإشراقات اجتهاديّة لا تخطئها عين الباحث.

وهنا نحتاج مرجّحات أو ضوابط، وأقترح ما يلي:

1- القيم الكبرى التي جاءت تعاليم الإسلام لترسيخها كالحقّ والخير والعدل والشورى والرحمة والجمال والتعاون على الخير.. والتضييق على الشرّ.

2- مراد الشارع الحكيم ومقاصده وأهدافه من التشريع، أي ما يسمّى مقاصد الشريعة الكلّيّة وهي ستّة تمثل أمّهات حقوق الإنسان، وهي حفظ دينه ونفسه وعقله ونسله وعرضه وماله، أو ثمانية، بإضافة: العدل والحرّيّة.

3- مقاصد الشارع الجزئيّة وذلك بمراعاة مقاصد الشارع في كلّ باب فقهيّ، ثمّ مقاصد الشارع في كلّ مسألة فرعيّة، فالشريعة متكاملة متعاضدة تنظمها قواعد، فلا يضرب بعضها بعضاً، كلّها مسحوبة بخيوط نحو مقصد كلّيّ واحد؛ هو مراعاة مصالح العباد، وتحقيق السعادة لهم في الدينا، ومن يلتزم بها يجازيه الله تعالى بسعادة الآخرة.

4- التيسير ورفع الحرج والعنت والمشقّة، بما لا يتعارض مع المقاصد السابقة.

فخلاصة القول: نحن مبتلون بتيّار تجديد دون ضوابط، وتيّار ضوابط دون تجديد، والمطلوب تجديد أو تحديث بضوابط، ولا مشاحة بالاصطلاح إذا اتفقنا على المعانيّ، والمدلولات، والمرجّحات في التجديد الفقهيّ الذي نراه:

(معقوليّة) الأحكام المتمثّلة بالتعليل ومراعاة المقاصد و(إنسانيّة) الأحكام المتمثّلة برعاية مصالح الإنسان والتيسير عليه.

بذلك نكون ساهمنا في القضاء على سبب هام من أسباب الإلحاد الجديد، وقبل ذلك نكون قد أرضينا ربّنا واتّبعنا مراده وشريعته كما يحبّ ويرضى، والله الموفّق.


[1] تخريج؟؟

[2] ؟؟

[3] إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، ابن القيّم، (3 / 2)




تاريخنا بين الاعتبار والتوظيف

تكمن أهميّة التاريخ في كونه بيت الخبرة البشريّة، لأنّه يثبت ويوثّق حركة المجتمعات والدول والأمم في أيّام سلمها وحربها، في أوقات ازدهارها وتطوّرها، وفيّ أيّام انتكاسها وتقهقرها.

ومن خلال رصد الخط البيانيّ لحركة تاريخ الأمم والدول صعوداً وهبوطاً، وتحليل الأسباب التي أدّت إلى الهبوط والتخلّف والضعف، وإحصاء العوامل التيّ ساهمت بالصعود والتطوّر والتقدّم والقوّة والازدهار، نستخلص من تحليل ذلك الخطّ البيانيّ سنناً وقواعد اجتماعيّة تفيدنا في حياتنا، فنتجنّب أسباب التخلّف والضعف، ونحرص على الالتزام بعوامل النهوض والقوّة.

بهذا ينتقل علم التاريخ من حفظ الروايات والتفاصيل والقصص، إلى الاعتبار والفائدة، فتصبح قراءة التاريخ ذات فائدة عمليّة، فلا يعود قصصاً وروايات وأحداثاً حصلت في الماضي، بل قواعد وسنن وعادات حاكمة، وأسباب ومقدِّمات ترتبط بنتائجها، فتحكم تلك القواعدُ الواقعَ، وبما أنّ القواعد تتكرر فمما يعيننا على فهم التاريخ فهم الواقع ومما يعيننا على فهم الواقع فهم التاريخ، فالإنسان هو الإنسان بدوافه ونوازعه وأطماعه وخيره وشره، وبفهم تلك القواعد يمكننا استشراف المستقبل،

وهنا نؤكّد على أمرين:

 أوّلاً: إنّ التخلّف له أسباب وليس سبباً واحداً، كما أنّ النهوض له عوامل وليس عاملاً واحداً، هذه الحقيقة تساعدنا عند وضع الخطط الإصلاحيّة التي تراعي ذلك.

ثانياً: نؤكّد على تعدّد مسارات وجوانب التاريخ، فهناك الجانب السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والعلميّ والنفسيّ والدينيّ.. وكل مسار يؤثّر تغيّره -سلباً أو إيجاباً- على بقيّة المسارات.

أنواع قراءة التاريخ

لكن علينا الانتباه إلى أنّ هناك أسلوبين ينتشران بكثرة في قراءة التاريخ وكتابته وروايته، يجمع بينهما أنّهما قراءة انتقائيّة توظيفيّة:

القراءة الأولى: قراءة مناقبيّة تقديسيّة للتاريخ:

حيث يتمّ استدعاء الصفحات المشرقة من التاريخ بحيث يظهر أنّه تاريخ أبيض ناصع، وأشخاصه ملائكة، فكلّه تاريخ انتصارات وبطولات وتضحيات ومآثر ومفاخر.

غالب من كتب التاريخ بهذه الطريقة من المعاصرين كتّاب إسلاميّون غيورون، وتمّ توظيف تلك القراءة في بعث العزّة والفخر في نفوس المسلمين في خلال القرن الفائت، وما زالت هذه القراءة مستمرّة إلى أيّامنا هذه.

وسبب تلك القراءة خُلُوُّ واقع المسلمين الحاضر من الصور المشرقة حيث التبعيّة والضعف والانكسار أمام الآخر، والمرء حين يفلس واقعه من المفاخر يعود بذكرياته إلى أيّام العزّ والإنتاج والعطاء، وكذلك فعل هؤلاء المصنّفون حيث أرادوا إعادة التوازن النفسيّ للشباب المسلم، أمام الانبهار والتبعيّة للغرب، والشعور بالمهانة.

وعلى العموم فقد كان ظهور هذا المنهج ردة فعل على الهجوم غير المبرر على العالم الإسلامي وتراثه في القرن الفائت. وسنعود بعد قليل لذكر سلبيّات هذه القراءة.

القراءة الثانية: قراءة كيديّة تدنيسيّة لتاريخنا:

حيث يتمّ استدعاء الصفحات السوداء المشينة من التاريخ، ويتمّ جمعها بحيث يعرض تاريخنا على أنّه تاريخ مجموعة من الشياطين، حيث قتلُ الخصوم حتّى من الأقرباء والعلماء والصالحين، واتّباع الشهوات من النساء والخمور وتبديد الأموال والحروب الداخليّة والظلم والفساد والاستبداد، وغالب من يقومون بهذه القراءة أصحاب أيديولوجيات مناهضة للإسلام.

القراءة الثالثة: القراءة الموضوعيّة المنصِفة:

وهي التي نطالب بها وذلك بأن تنقل حوادث التاريخ كما رُويت، ثم ندقق فيها بموضوعية تامة للاقتراب من الواقع والحقيقة قدر المستطاع، وإن ادعاء دقة المرويات التاريخية وصدقها أمر صعب المنال، يستثنى من ذلك ما ورد في رواية السيرة النبوية وبعض فترات التاريخ الإسلامي من اعتماد السند والتوثيق.

بل نروي التاريخ رواية بشريّة تؤمن أنّ أشخاص تاريخنا بشرٌ، فليسوا ملائكة ولا شياطين، بشر يصيبون ويخطئون، يحرصون على مبادئهم ويراعون مصالحهم، وهم في صراع دائم بين المبادئ والمصالح -شأنهم في ذلك شأن كلّ البشر- أحياناً ترجح في تصرفاتهم المصالحُ، وأحياناً ترجح المبادئ، مع إيماننا بامتياز القرون الإسلامية الأولى.

 فيظهر من خلال تلك القراءة أنّ تاريخنا تاريخ تجارب بشريّة تحاول الالتزام بالمنهج الإسلاميّ، وتخطئ وتصيب. فيظهر تاريخنا لا (أبيض ملائكيّاً) ولا (أسود شيطانيّاً) بل بشرياً خالصاً، يقترب من البياض أحياناً، ويقترب من السواد أحياناً أخرى، بحسب التزامه بالمنهج الإسلاميّ والقيم الربانيّة، وهذا أمر طبيعي، فعالَم القِيَم والمُثُل والكمال المطلق عالمٌ مثاليّ، والواقع فيه وفيه، فيكون المجتمع فاضلاً كلّما اقترب من عالم المُثُل، وتقلُّ فضيلته كلّما ابتعد!

أضرار القراءة التمجيديّة والتدنيسية للتاريخ:

عند التأمل في القراءة (التمجيديّة) وهي الأكثر في الساحة الإسلاميّة اليوم، والقراءة (التدنيسية)، والتي يقودها –غالباً- أعداء الإسلام، فإننا نجد أن ّلهما تأثيراً سلبياً على نمط تفكير المسلمين، فمن أضرارها:

أوّلاً: خيانة الحقيقة من خلال التساهل في التثبّت من صحّة تلك الأخبار، ما دامت تخدم السياق الذي يتكلم فيه المؤلف تمجيداً أو تشويهاً.

ثانياً: أنّها قراءة انتقائيّة تنقل صفحات من التاريخ ولا ترويه كاملاً بحلوه ومرّه، بلحظات ضعفه وقوّته، ويلاحظ اقتصارها –غالباً- على التاريخ السياسي الذي تكثر فيه الحروب والنزاعات، بين الدول والجماعات، والمكائد على الكرسي وقتل المعارضين والخارجين عن الدولة، كما يتم التركيز على حياة القصور التي يُتَوَسّع فيها بالشهوات المباحات، وقد تصل للمحرمات، بينما يتم إهمال التاريخ الاجتماعي والدّعَوي والعلمي.

ثالثاً: أنّها قراءة توظيفيّة، حيث يتمّ رواية التاريخ للتوظيف سواء التقديس للتفاخر والحثّ على استعادة تلك الأمجاد السالفة. أو التدنيس للتشويه والحضّ على تجاوز ذلك التاريخ، فنلحظ في هذين المنهجين تضخيم الحوادث والشخصيات أو تحقيرها بحسب نهج القراءة التي يسلكها المؤلف.

رابعاً: تبطل أهمّ فائدة لقراءة التاريخ، وهي الاعتبار والاستفادة من تجاربه، واستخلاص القواعد التي تحكم حركة البشر والمجتمعات والدول والأمم، فلو اقتصرنا على المراحل المزدهرة أو المتخلّفة، كيف سنعرف أسباب الضعف والتخلّف والانكسار، أو عوامل الرفعة والقوة والتقدّم والحضارة؟!!

فالقراءة التمجيديّة للتاريخ تمنعنا من معرفة أخطاء الماضي، فمن لم يقرأ التاريخ سيعيده، فنقع بالأخطاء نفسها، ولا نحاول تجاوزها بإيجاد حلول لها، فنعيد المقدّمات نفسها ونريد نتائج مختلفة؟! رغم أنّ هذا من المحال، إنّ سلوك الطريق والأساليب نفسها، تؤدّي إلى النتائج السابقة ذاتها!

خامساً: القراءة التدنيسية لتاريخنا تَهدم الرموز الملْهِمة، وتُعْدِم القدوات المحفّزة، وتُلغي النماذج الرائدة،  فكلّ أمّة تتشكّل هويّتها من دينها ومبادئها ولغتها وتاريخها، وبتشويه تاريخها تتشوّه هويّتها، ويضعف انتماء أبنائها إليها، كأنّ قيمنا الإسلامية لا أثر لها على من ينتمي إليها! فهي دعوة -غير مباشرة- لاحتقار الذات والانبهار بالآخر، وبالتالي تجاوز هذا التاريخ وفتح صفحة جديدة بالانتماء لحضارة متقدّمة غالباً ما يقصدون منها الحضارة الغربيّة.

سادساً: عند القراءة التي تقتصر على الإيجابيّات يظهر واقعنا أَسْود كالحاً مُظلماً بالمقارنة بما ينتهجه دعاة القراءة التمجيدية “فتاريخنا مجموعة من القادة الأبطال المخلصين، وواقعنا مجموعة من القادة الشياطين” سواء الحكام ورؤساء الدول، وحتّى قيادات الجماعات الإسلاميّة، ومدراء المنظّمات والمؤسّسات، فيصيبنا الإحباط من واقعنا، ويتساءل الإنسان بيأس “فأين نحن من عظماء تاريخنا”؟!!

ولعل هذا هو سببُ ما نشاهده من اعتياد الناس اليوم إسقاط أيّ قائد من قادتنا لأصغر خطأ، لأنّنا لم نقرأ تاريخنا بموضوعيّة، ونعرف أنّ أولئك القادة في تاريخنا عندهم أخطاء، كما لقادتنا المعاصرين المخلصين أخطاء.

وأختم بملاحظتين:

الأولى: إن تاريخنا بعمومه مصدر فخر واعتزاز لنا نحن معاشر المسلمين، فهو تاريخ أسلافنا وأجدادنا الذين أسّسوا حضارة شهد لها القاصي والداني، ونعتقد أنّه بعمومه أفضل من تاريخ غيرنا من الأمم، ممن عاش نفس الحقبة التاريخية، فهو التجربة البشريّة التي طبّقت مبادئ الإسلام وقيمه وأحكامه، ونشرت دين الله في بقاع المعمورة.

وهذا الافتخار ليس مدعاة لأن نحتقر غيرَنا من الأمم، بل نحترم غيرنا، ولا يدفعنا حبّنا وعاطفتنا نحو أمّتنا أن نظلم غيرنا ونجحف بحقّهم، فالباطل الخالص نادر في الحياة، كما أنّ الحقّ الخالص نادر كذلك.

وكما للمسلمين تاريخ يفتخرون به فللأمم الأخرى ما يدعو للفخر والاحترام أيضاً، وإلا لما قامت دولهم ولا استقرّت، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الإنصاف في الحكم على المخالفين، فشهد لملك غير مسلم -وقتها- بأنّه عادل ولا يُظلم عنده أحدٌ (النجاشيّ).

وقد شهد الصحابيّ عمرو بن العاص للروم أنّ فيهم خصالاً خمسة جيدة أهّلتهم لأن يكونوا من أكثر الناس عند قيام الساعة، فقال: (إنّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنّهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك)[1].

وقال الإمام ابن تيميّة رحمه الله: (اللهُ ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة! ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة!)

الملاحظة الثانية: من الظلم محاكمة تاريخنا بقيم وثقافة عصرنا الحاضر، بل ينبغي قراءة تاريخنا في سياقه التاريخيّ، وفق ثقافة عصرهم، ومقارنته مع تاريخ الأمم الأخرى، لا مقارنة تاريخنا بحاضر الأمم الأخرى، نعم يمكن بل يجب محاكمة تاريخنا للمنهج الإسلاميّ والمبادئ الإسلاميّة، وعلى كلّ حال فميزاننا هو المبادئ والقيم والأحكام الإسلاميّة، لا التجارب التاريخيّة.


[1] رواه مسلم.




الفقه الانسحابي وتخلّف المسلمين


في القرن الخامس عشر الميلادي دخلت الطابعة من أوربا إلى ديار المسلمين، فصدرت الفتاوى بتحريمها، بحجج مختلفة كالخوف على المصحف والكتب الشرعية من التحريف، وخوفاً من اعتماد العلماء وطلاب العلم على الطباعة فيتركون النَّسْخَ اليدوي وبالتالي ينسون العلم، والخوف على مصير من يعملون بنَسْخِ الكتب، وبالمقابل سُمِحَ لغير المسلمين باستخدام الطابعة؟!! وبعد مئتي سنة سُمِح باستخدام الطابعة!!

مئتا سنة ونحن محرومون من الطابعة بسبب فتوى مَنْ يخشَون من الطابعة!!

حياتنا مليئة بالوسائل التي يمكننا استخدامها بالحلال والحرام، فكلّ أعضاء جسدنا يمكن أن نستخدمها بالحلال أو بالحرام، والكأس يمكن ملؤه بالماء أو بالخمر، السيارة نذهب بها للمسجد أو للسرقة، المطبعة يمكن أن أطبع بها كتاباً نافعاً، ويمكن أن أطبع بها خرافاتٍ وكفراً، السينما يمكن أن نمثّل بها فِيلماً هادفاً مسلياً، ويمكن أن نصوّر بها فِيلماً يدعو للمحرمات.

 
فالوسائل من حيث الأصل هي مباحة، واستخدامها في الحلال حلال واستخدامها في الحرام حرام. مع الأسف، أغلب الوسائل الجديدة تأتينا من الغرب، لأننا أمة مستهلِكة لما ينتجه غير أبنائها، والسيناريو الدائم الذي يتكرر مع كل وسيلة جديدة هو: أننا نقاوم الجديد بفتاوى التحريم لأن كثيرين يستخدمونها بالحرام مثل: المطبعة والتلفاز والسينما والإنترنت..

ثم يغلبنا الواقع ويستمر الناس باستخدامها، ولا يلتفت لفتاوى التحريم سوى الملتزمون، وتحت ضغط الواقع الغلاب تخف لهجة الإنكار، ثم يُسكت عن الموضوع، ثم تظهر فتاوى التحليل لعموم البلوى، وعندها يكون بعض الخيّرين قد اقتحموا تلك الوسيلة واستخدموها بالخير فيكون ذلك (حُجّة) لبعض المفتين أن يحلّلوا هذه الوسيلة ويوجّهوا نحو استخدامها بالخير.

وكان الصواب أن نوجّه الناس لاستخدامها بالخير من أول لحظة، بدلاً من دخول هذه المتوالية المتكررة: (وسيلة جديدة ثم تحريم ثم قهر الواقع ثم سكوت ثم تحليل وتوجيه)

فالتوجيه لاستخدام هذه الوسيلة بالخير يأتي في هذه المتوالية بعد سنوات من ظهور الوسيلة الجديدة ودخولها لواقعنا، فيكون المفسدون قد سيطروا على تلك الوسائل وملؤوها بفسادهم..

وربما أصبحت تلك الوسائل “موضة قديمة” وظهر غيرها، فيوجّه العلماءُ الناسَ للاستفادة منها بنشر الخير.. لكن الأوان يكون قد فات أو أوشك أن يفوت، كما يقول المثل: “اللي ضرب ضرب واللي هرب هرب”.. فالمفسدون قد سبقوا وتصدّروا المشهد وملؤوا الساحة.. وأهل الخير مهما أسرعوا فلن يلحقوا بالمفسدين أو ينافسوهم، فضلاً عن أن يسبقوهم!

وهكذا فالفتاوى أغلبها التحاقي بالواقع، تتبع الواقع، وتأتي بعده، بدلاً من توجيه الواقع وسبقه وإرشاده. كيف نسبق الواقع؟ -مثلاً- بالتوجيه لصناعة وسائل جديدة.. لكن بما أننا ما زلنا مستهلكين لما يصنع غيرنا، فعلى الأقل نوجّه لاستخدام الجديد في نشر الخير، بدلاً من تحريم تلك الوسائل.. والدخول بالمتوالية المتكررة.. (تحريم، الواقع لا يستجيب، تحليل وتوجيه)

صحيح أن الوسائل الحديثة تسهّل الحرام، لكنها أيضاً تسهّل الحلال، فلماذا نأخذ السيناريو الأسوأ دائماً؟!! وعلى أية حال، فالذي سيرتكب الحرام، سيرتكبه بأية وسيلة متاحة، ويبقى إثمُه عليه، لأنه هو استخدم هذه الوسيلة الجديدة بالحرام، لكن لا نحرّم الوسائل الجديدة لإمكانية استخدامها بالحرام، وإلا فيتوجّب علينا قَلْعُ أعيننا لأننا ربما ننظر بها للحرام، ونقطع أيدينا لأننا ربما نستخدمها بالحرام وهكذا.. وما دمنا محافظين على هذه المتوالية فسيسيطر المفسدون على مواقع التأثير ويكثر شرُّهم وينتشر، ولو وجّهنا بفتاوينا وإرشادِنا نحو اقتحام الخيّرين للواقع في كلّ الميادين، لكان وجود أهل الخير يخفّف من الشرّ ويكثِّر الخير..

بعض المفتين كلّما جاءه أمرٌ جديد وقف منه شاكّاً مرتاباً، وتهيّب الحكم بالحلّ والإباحة، فيحكم عليه بالحرمة “احتياطاً”!! مع أنّ الاحتياط يكون بـ”التوقّف” وليس الاحتياط “بالتحليل” ولا “بالتحريم”، لأنّ الأصل بالأشياء الإباحة، فالورع ليس بتحريمها بل بتركها على أصل الحلّ، حتى تثبت علةُ التحريم (إن وُجدت). والإسلام قد هدّد من “يحرّمون الحلال” ومن “يحلّلون الحرام”، قال تعالى “وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ” واختصّ الإسلامُ “المحرّمين للحلال” بحملة أشدّ وأعنف، نظراً لما في هذا الاتجاه من تضييق على البشر لما وسّعه الله تعالى.

قال تعالى “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ” وقال سبحانه وتعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”

أما الورع والاحتياط فهو تصرّف شخصي يأخذ به المرء نفسَه بترك ما يرتاب فيه خوفاً من الوقوع بالمحرّم، وليس فتوى تعمّم على الناس. 

الفقه الانسحابي عن الحياة والاعتزالي عن الواقع، لن يُخرج أمةً فاعلة حاضرة في كل ميدان.. نريد الفتاوى الإيجابية الاقتحامية التي تجعل الصالحين يشتبكون مع الواقع، ويسخّرون الوسائل الحديثة بالخير وللخير، يمشون بنور قوله تعالى: ” قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ رب العالمين”.