أخلاقٌ إنسانيّة!!

الإنسانُ محورُ الكون، الإنسانُ أكرمُ المخلوقات على الله تعالى، خلقه في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وأرسل له الرسل، وأنزل عليه الكُتب، وسخّر له الكونَ كلَّه بسماواته وأرضه!!

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

كرَّم الله الإنسان بغضّ النظر عن لونه، أو عرقه، أو بلده، أو دينه، أو مذهبه.

أو دينه؟!!

نعم الإنسان مكرّم بغضّ النظر عن دينه..

روى البخاري: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ!!

فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!!

أليست نفساً: أي أليست روحاً أليس بشراً؟!! (لقد كرّمنا بني آدم) فكلّ بني آدم مُكرَّمون عند الله تعالى.

هذه القيم العظيمة، تكريمُ الإنسان، والحفاظُ على حقوقه، وقيمةُ التسامح والتعايش والرحمة والرأفة والمعاملة بالحسنى، هل ستبقى قيماً فقط للتمدّح والتغنّي والخطب الرنّانة والمقالات البليغة؟ أم لا بدّ من تحويلها إلى سلوكٍ فاعل وأخلاقٍ غالبةٍ، وإجراءاتٍ عمليّة؟

لقد كانت هذه القيم منتشرةً زمنَ قوّتنا وتمكّننا، لكنها تضاءلت في عصرنا هذا، ففي زمن الهزائم والخذلان والضّعف يشيع الفقه المتشنّج، الحدّي مع الآخر (العين الحمرا).. وفي زمن التمكين والاستقرار والقوّة.. يشيع فقه التسامح والتعايش..

لقد افتقدنا هذه القيمَ عند صنفين من الناس..

الصنفُ الأوّل: المتشدّدون والمتطرّفون من المتديّنين.

والصنفُ الثاني: غيرُ الأخلاقيّين؛ ممّن لا دين له ولا خلق ولا قيم؛ ممّن يَعتبر الحياة مادّة، فمن الذكاء جمعُ ما تستطيع منها دون قيد أو شرط.

فالإنسانُ دون دينٍ وخلقٍ وضميرٍ، وحشٌ كاسر، أطماعُه تَجعلُه يرتكبُ المَجازر، التي يذهب ضحيَّتها النساء والأطفال والشيوخ، ويُتاجرُ بالأعضاء والأطفال والنساء، ويُمارسُ الغشَّ والخداع والاحتيال؛ ليروي شهواته ورغباته..

وهنا نؤكّد على ما يُميّزُ الإنسان، وهو القلب والروح، فالحضارةُ الماديّة منحت الإنسان الرفاهيةَ، لكنّها لم تمنحْه السكينة، ووفّرت له المتعةَ الماديّة، ولم تُوفّر له السعادةَ الروحيّة، وهيّأت له الوسائلَ والأدواتِ، ولم تهيّء له المقاصد والغايات، فهو يحيا حياةً لا يعرفُ لها هدفاً، ولا يجدُ لها معنىً(1).

فالتقدُّم والازدهار، الذي نراه في كلِّ مكان من العالم، إنْ لم يرافقْه نهضةً خُلقيّةً وروحيّةً وقيميّةً، فسيبقى تقدُّماً وانتعاشاً على صعيد المُخترَعاتِ، وأدواتِ الرفاهية والزينة، وأسباب القوَّة فقط، وهذا سيُشكِّل مأساةً على المدى البعيد!

إنّ المذهبَ الوجوديّ الإنسانيّ قدّم للإنسانيّة وعوداً لم يحقّقها، كما أنّه أفقدَ الناس الشعورَ بالطَّمأنينة الروحيّة، وجعلَ الناس عبيداً للمادّة.

أمّا المتشدّدون والمتطرّفون فقد شوّهوا جمال الإسلام وتسامحه ونزعته الإنسانيّة بتصرّفاتهم الرعناء، وروحهم المتعصّبة والطائفيّة، وقلبهم البغيض الأسود..

إلى الآن ما زال بعضنا يعيش بعقليّةٍ كعقليّةِ العصور الوسطى المتخلّفة في أوربّة، التي كانت مشغولةً عن حقوق الإنسان وحرّيّته وأحلامه وتطلّعاته، وكيف نحمي الإنسان من الفقر والجهل والمرض والقهر؟! بينما هم يهدرون الإنسان دفاعاً عن جناب الله تعالى -بزعمهم-، ويسفكون الإنسان خوفاً من الهرطقة والضلال بزعم الكنيسة(2)..

وكذلك بعضنا يعتدون على إخوانهم، لمخالفتهم رأيهم في بعض صفات الله تعالى، أو حكم التوسّل برسول الله عليه الصلاة والسلام..

فكيف يتساهلُ بعض المتشدّدين مع الذين يفجّرون أنفسهم بين أناس لمجرّد مخالفتهم لهم في الدين، وانتمائهم إلى دولة معادية؟، أو لاستحقاق أحدهم للقتل برأي ذلك القاتل؟!!

بالفعل سلوكيّات بعض الغلاة تؤيّد من يقول: (المتديّنون منشغلون بتنزيه الله تعالى، وغافلون عن حقوق الإنسان) مع أنّ الإسلام جاء لسعادة الإنسان ورعاية حقوقه.. إلى جانب ربط قلبه بخالق الكون الواحد سبحانه وتعالى.

وقد كان نبيّنا محمّدٌ عليه الصلاة والسلام الإنسانَ الكامل، فحتّى عندما كان مُستغرقاً في الصلاة كان يراعي أحوال الناس خلفه، قال: ((إذا صلَّى أحدُكُم إماماً للناس، فليُخفِّف، فإنّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ. وإذا صلَّى لنفسه –أي مُنفرداً– فليُطوِّل ما شاء)) متفق عليه.

وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: ((إنّي لأقومُ إلى الصلاة، وأريدُ أن أطوِّلَ فيها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتي كراهية أن أشُقَّ على أمِّه)) متفق عليه.

والآن ما المطلوب؟ حتّى نُحييَ النزعة الإنسانيّة عندنا؟

أولاً: التعامل برفق مع مخلوقات الله من حيوان ونبات:

علينا أنْ نُعمِّقَ النزعة الإنسانيّة لدى الأجيال الجديدة؛ من خلال التعاطف مع الحيوان، ومع الأشياء من حولنا؛ بغيةَ بناءِ خطوط دفاع متقدِّمة، تَحول دون ظلم الإنسان أخاه الإنسان.

فالنصوصُ الواردةُ في مديح من يُساعد الحيوان، وذكر الوعيد الشديد على إيذائه – تستهدف تنميةَ المشاعر الخيِّرة، ومشاعر الأُلفة والرعاية، كما تستهدف كبحَ المشاعر الشرِّيرة.

كما يجب صيانةَ ما هو موجود من الثروة الحيوانيّة والنباتيّة، وتنميته وتكثيره؛ لأنّ الناسَ يكثرون، وهم بحاجة إلى المزيد من الموارد، ونجد في هذا المعنى قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: ((مَن غَرَسَ غَرساً لم يأكُل مِنهُ آدَمِيٌّ، ولا خَلقٌ من خَلق الله -عزّ وجلّ- إلا كان لهُ صَدَقَة)) أحمد وغيره، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((إن قامَتِ الساعةُ على أَحَدِكُم وفي يَدِهِ فَسيلَةٌ، فإنِ استَطاعَ ألاَّ تقومَ حتى يَغرسَها فَليَغرِسها)) أحمد وغيره.

كما جاء التوجيهٌ للمسلم أنْ يتعاطفَ مع مخلوقات الله تعبيراً عن الرحمة التي في قلبه، وشكراً له سبحانه على ما سخَّره منها، وورد النهي عن إيذاء الحيوانات في أحاديث كثيرة، منها أنّه نهى عن الضرب في الوجه، وعن الوَسْم في الوجه، ومرَّ يوماً بحمار قد وُسِم في وجهه، فقال: ((لعنَ الله الذي وَسَمَهُ)) رواه مسلم، والوسم: هو كي الحيوان بحديدة محماة حتّى تترك علامة للزينة، أو لتمييز الحيوان بتلك الإشارة.

ومرّةً أخذ بعض الصحابة فِرخَيْ طائر، فجاءت أمّهما ترفرف باحثةً عن صغيريها، فقال فداه روحي: (من فجع هذه بولدها؟! ردوا ولدها إليها)، (ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنّار إلا ربّ النّار!!) أبو داود.

ثانياً: معاملة الناس كلّهم بأخلاق فاضلة:

معاملةُ الناسِ كلِّهم بالقيم نفسها، وليس المسلمون الملتزمون فقط، كذلك الشاب الملتزم الذي ركب الحافلة، ولمّا اكتظت بالركاب، صعدت امرأة طاعنةٌ في السّنّ، فلم يَقمْ لها ليُجلسها موضعه، لأنَّها كانت سافرةً، ولمّا صعدتْ امرأةٌ مُحجّبةٌ، قامَ لها وأجلسها مكانه، على الرّغم من أنّها أحدث سنّاً من العجوز، فكان تصرّفُه غيرَ لائق..

فإطعام الفقير، وتعليم الجاهل، وعلاج المريض، ومساعدة المحتاج… أفعال فاضلة ينبغي تقديمها لكلّ إنسان، بنفس الجَودة والحماسة..

روى البخاريّ عن حبيبنا صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: (في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ).

أي: كلّ كائن حيّ لنا بمساعدته أجر..

فعمل الخير يجب أن يتناول بني آدم، بغضّ النظر عن انتمائه وعرقه ولونه..

فإذا دخلت امرأة النار في هرّة حبستها حتّى ماتت، ودخل الجنّة رجل سقى كلباً ماء فأنقذ حياته، فكيف بمن يساعد إنساناً!..

بل هذه الأخلاق الفاضلةُ كثيراً ما كانت سبباً لكي يُحبّ غيرُ الملتزم الالتزامَ بتعاليم الإسلام، والخلقُ الحسن كثيراً ما كان سبباً لكي يدخل غيرُ المسلم في الإسلام، لإعجابه بسلوك بعض المسلمين.

قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين) وليس للمسلمين فقط.. وقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) والبِّرّ: هو أفضل المعاملة، طُولبنا بالبرّ لأهمّ مخلوقين عندنا وهما: الوالدان، والآية الكريمة تطالبنا بالبرّ لغير المسلمين المسالمين، أمّا القسط فهو العدل.

ثالثاً: عدم التسرع بالحكم على ظاهر الناس، والرفق بالعُصاة والشفقة عليهم:

بعضُ الشباب يحلقون لحاهم، ويلبسون الثياب الضيّقة، وقد أطالوا شعورهم، لكنّهم يحافظون على الصلاة، ويحافظون على صيام النوافل، وفي بعضِ البلدان أعدادٌ هائلةٌ من النساء لا يلبَسنَ الحجاب، ويخرجنَ متزيّنات، ورغم ذلك يُحافظن على الصلاة، وتلاوة القرآن والأذكار، وبعض رجال الأعمال ينفقون على الفقراء والمحتاجين سرّاً، مع أنهم مُقصّرون في أداء الصلاة، وربما يَتساهلون في طرق الكسب وجمع الثروة..

فالحكمُ على الناس بناء على المظاهر -التي قد يكون بعضها مُحرّماً- خطأٌ، قد ينتهي بنا إلى الانصرافِ عنهم، وتركِ الاهتمام بهم، بل قد يدعونا إلى معاداتهم، (فكلُّ ابن آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون)، فكثيرٌ من هؤلاء فيه خيرٌ كثير، وقَابليّةٌ كبيرةٌ للصلاح، بل كثيرون ربّما يتفوّقون على الملتزمين بطيب القلب، وحُسن الخلق، والشهامة والرحمة، ويحبّون الالتزام، لكنّ نفوسهم تغلبهم عليه، ويشعرون بالتقصير والانكسار لله تعالى بسبب ذلك..

بينما نحن ـ الملتزمين ـ نشعرُ بالتفوّق والاستعلاء عليهم!! وهذا من باطن الإثم، الذي ينبغي أنْ ننتبه له..

ورحم الله القائل: ربَّ معصيّةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزّاً واستكباراً.

ولو قلتُ لبعض الناس في حقّ مُدْمن خمر: (هذا يحبّ الله ورسوله) لعله يُبادر ويقولُ: ما هذا التمييع بالدين، وما هذه المبالغة الممجوجة؟!!

فهذا صحابيّ (كما روى البخاريّ) مُدْمن خمر، وكان فكهاً، يُضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذاتَ مرةٍ جِيء به وقد شرب، فأُمر به ليجلد، فقال شخص: (لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتى به).

فقال رسولنا الكريم الرحيم عليه الصلاة والسلام: (لا تلعنه، فإنّه يحبّ الله ورسوله)…

مثل هذه النصوص تغيب عن ثقافة المتشدّدين المتجهّمين، والغلاة القساة.. الذين شوّهوا الدين، وبغّضوه للنّاس.

رابعاً: تنمية مشاعر الصَّفح والعفو والإعذار:

وذلك من الاستجابة لأمر الله تعالى في هذه الأمور أوّلاً، ومن أجل التَّكيُّف والتأقلم مع الطبيعة البشريّة الخطّاءة، حيث إنّ علينا دائماً أنْ نتوقَّعَ تصرفاتٍ غيرَ ناضجة، ومواقفَ غير سديدة، وإنّ التوقُّف عندها، والمحاسبة عليها، على نحو مستمرّ من العوامل التي تزيد في الاضطراب الاجتماعيّ، وقد قال الله تعالى مادحاً العفو وأهله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ!}.

وقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

وقد كان نبيّنا ﷺ يُقدّمُ الأنموذج الأسمى في العفو عن الإساءات، وغضّ الطرف عن الهفوات، وفي هذا تقول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((ما ضربَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم شيئاً قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهدَ في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيءٌ قطُّ فينتقمَ من صاحبه إلا أن يُنتهَكَ شيءٌ من مَحارم الله تعالى، فَينتقمَ لله)) رواه مسلم..

فالأسبابُ التي تجعل الناس يُسيئون التقدير، أو يقعون في الزلل، أو يَجرون خلف رغباتهم أكثرُ من أن تحصى، ولو أنّنا عرفنا هذا حقَّ المعرفة، فإنّنا سنجد أنّ العفو والصفح هو الموقف الصحيح في معظم الأحيان.

وقد ثبت أنّ فرضَ القوانين من غير تثقيف وتربية، وإحداث تغييرات مهمَّة على صعيد الرُّوح والنفس… لا يكون ذا فائدة تُذكَر.

وقبل أن ننهي كلامنا، هناك تساؤلان على ما قدّمنا:

سؤال يتعلّق بنا نحن المسلمين، وآخر يتعلّق بغيرنا.

أمّا التساؤل الأوّل: أين الولاء والبراء، والحبُّ في الله والبغضُ في الله؟

الجواب: أمّا الولاء والبراء، فمن المؤكّد أنّنا لا نوالي أعداءنا، ونحن نبرأ من عقائد غير المسلمين. وأمّا الحبّ في الله، والبغض فيه: فيجب أن نكره المعصية، ولا نكره العاصي، ونكره الكفر، ولا نكره الكافر، وإلا فكيف ستدعو من تكرهه؟

وكيف ستحرص عليه، وتشفق عليه من عذاب الآخرة؟، فاللازم هو كره الكفر والمعاصي، لا كرهَ الكافر والعاصي..

ثمّ إنّنا نخلط بين أوامر الشرع وقتَ الحرب، وبين أوامره وقتَ السِّلْم، فبعضُ الكتّاب والجماعات متخصّصون بكتابات الجهاد القتاليّ، فهؤلاء يتشبّع فكرهم بقيم الحرب وتعاليمه، وإذا لم ينتبهوا لذلك تَخرجُ آراؤهم غير متوازنة، وينعكس ذلك على كتاباتهم كلّها، فيشوّهون جمال الإسلام.

كما أنّ قوماً على الطرف المقابل، يغلب عليهم الكتابة والتنظير للحياة العاديّة وقت السِّلْم، ولا ينتبه لحساسية الحرب، واختلافِ النظر فيها، فيُدخِلون قيم التسامح والتعايش لساحة الحرب..

والصوابُ أنَّ لكلِّ حالٍ أحكامها وآدابها وأخلاقها، فما يصلح وقتَ الحرب لا يصلح وقت السلم، والعكس صحيح. ووضعُ النَّدَى في موضعِ السَّيْفِ بالعُلا = مُضِرٌّ، كوضعِ السَّيْفِ في موضعِ النَّدَى.

التساؤل الثاني: الآخر ليس متسامحاً معنا كما تطالبنا أن نكون معه:

قد يقول قائل: الآخر الذي تتحدّث عنه، وتطلب منّا معاملته بالحسنى، يتصرّف معنا بحقد وطائفيّة، ويقف مع الغرب، والغرب نفسه الذي يُنادي بحقوق الإنسان، هو يطبّق الحقوق، لكن للشعوب الغربيّة لا لنا.

ونقول: بشكل عام: كلامكم صحيح، لكن تصرّف الآخرين وحقدهم ليس مسوّغاً لمقابلته بحقدٍ مثله..

وإلا فما الميزة لنا عليهم؟ إذا شابهناهم بالطباع والأفعال والأخلاق؟

الإسلامُ يُريد أن يكون المسلم صاحب قلب نقيّ صافٍ، لا محلّ فيه للبغضاء والحقد، وهذا لا يعني الغباء (والسذاجة، أو البلاهة) فنحن طيّبون باختيارنا، لا عن غفلة، (فلستُ بالخِبّ ولا الخبُّ يخدعني)، فمن اعتدى علينا فليس له إلا البندقيّة (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، فوقتُ الحرب نُري أعداءنا شدّةً وقسوةً، وصبراً وشجاعةً تَردعه.

ولِمَنْ كان مسالماً موادعاً نحن أطيب من عليها.




تطبيق الشريعة ومطالب الشعوب

الناس تجرّب الإسلاميين عندما يحكمون: فعلى الإسلاميين أن ييسِّروا ولا يعسِّروا ويبشروا ولا ينفِّروا. يجب أن نكون (نحن الإسلاميون) متحمّسين لرحمة الناس، وإخراجهم من الظلم والاستبداد، متشوّقين لخدمة الناس وتأمين متطلبات حياتهم وراحتهم.. بغض النظر عن انتمائهم الديني والمذهبي.. وحذارِ أن يشعر الناس أنّنا متحمّسون للتحكُّم بهم، واستعبادهم وقهرهم باسم الدين.

شعوبنا تعبت ممن يتحكّم بها، وتتشوَّق لمن يخدِمها ويسهر على مصالحها، ويحترم كرامتها وإرادتها.. وإنسانيتها قبل كلّ شيء.. فغالب الناس تريد الحياة الكريمة بغض النظر عمن يحكمها: ليبرالي اشتراكي إسلامي علماني لا يهمّ.. المهم أن يترك لهم كامل حرية التديُّن أو عدم التديّن..

فأهم مطالب الشعوب من حكوماتها:
1.
الأمن والاستقرار..
2.
الحرية وتشمل حرية الاعتقاد وحرية التديّن والعبادة، وحرية الاجتماع والتنظيم وحرية الانتماء السياسي، وحرية التعبير والإعلام..
3.
العدالة بين الناس كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون..
4.
الشفافية ومكافحة الفساد، وتحقيق الازدهار الاقتصادي..
5.
احترام مبادئ الشعب وقيمه ودينه.. وأيٌ من هذه المطالب انعدم.. تنعدمُ معه ثقةُ الشعب ورضاه عن الحكومة التي تَحكمُه..
   
وهذا كله من تطبيق الشريعة الإسلامية ومن مقاصد الدين وأهدافه الرئيسة التي جاء الكتاب والسنة لحفظها ورعايتها:

فأولها: حفظ دين الناس وذلك برعاية حرية التديّن..

ثانيها: حفظ نفوسهم بتأمين الاستقرار والأمن والأنظمة الصحية والقانونية، والمواصلات البرية والبحرية والجوية..

ثالثها: حفظ عقولهم بالأنظمة التعليمية لكل المراحل، وتطوير البحث العلمي..

رابعها: حفظ النسيج الاجتماعي والسِّلْم الأهلي ورعاية الأسرة وتنشئة الأجيال على الأخلاق الفاضلة..

خامسها: حفظ مالهم بتأمين الوظائف وفرص العمل ومنع السرقة والظُلم والغِش، وكل أنواع الفساد..
 
مشكلتنا أننا لم ننتبه أن الزمان تغيّر وأصبحت واجبات الدولة الحديثة كثيرة، وليست كالدولة القديمة البسيطة، حيث كان المجتمع يقوم بأغلب متطلباته وحاجاته، ويقتصر دور الدولة القديمة على ضبط الأمن الداخلي والخارجي وهو منع اعتداء الناس على بعضهم داخلياً، ومنع العدوان الخارجي على الدولة..

 
بينما الدولة المعاصرة من واجباتها تأمين الطاقة الكهربائية والمحروقات والماء والاتصالات والإنترنت وشقّ الطرق وبناء الموانئ والمطارات، والتعليم بكل مراحله، والبحث العلمي، والصحة بكل مؤسساتها، وتأمين الغذاء، والدواء، ورعاية التجارة والصناعة والزراعة والسياحة، وحماية الأمن الداخلي والخارجي عبر أجهزة الأمن، وبناء الجيوش، والتحالفات، وإنشاء العلاقات الجيدة مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية، كل هذا يحتاج مؤسسات ومشاريع، وكوادر تخطِّط لذلك وتنفِّذه وتطوِّره.. وكل مفردة من هذه المفردات تحتاج إلى وَزارة أو أكثر..
 
وهذا ما ينوء بحَمْلِه حزبٌ أو تيار واحد!! وإنما بحشد كوادر ونخب المجتمع كلّه بكلّ تياراته وانتماءاته!! فيأتي بعض الإسلاميين للحكم وفي مخيلتهم ملف واحد فقط وهو تطبيق قانون العقوبات بقطع يد السارق وجلد الزاني والإلزام بالحجاب واللحية!! يجب علينا قبل أن نفكّر بقطع يد السارق أن نوفِّر المشاريع والوظائف وفرص العمل حتى يستغني الناس!

وقبل جَلْد الزاني علينا تسهيل سبل الزواج والاستعفاف.. فكثير من الجرائم والانحرافات الخُلقية سببها الرئيس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة.. فبدلاً من التركيز على أعراض المرض علينا التركيز على علاج الأسباب.. فالإسلام جاء لإسعاد الناس في الدارين: في الدنيا والآخرة.. أما فرض الدين ومظاهر التديّن على الناس فليس من اختصاص الدولة المعاصرة، قال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة: 256) وقال سبحانه: “فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ” (الزمر: 2) والإسلامُ يكرَه النفاق.

فالدولة تحمي الدين وترعاه بتوجّهاتها العامة عبر التعليم والإعلام والثقافة ولا تفرضه فرضاً، حتى لا ينفِر الناس.. يعني ترعى الدولة الدعاة والعلماء والخطباء والمربين بتأمين حرية الدعوة لهم كما تخدم الدين عبر المؤسسات التربوية والتعليمية والدعوية والإعلامية.. والمطلوب من الدولة رعاية الدِّين بشكل عام وعدم السماح بمعاداته، دون تدخّل بحياة الناس الخاصة.. وتتفرَّغ الدولة للقيام بمصالح البلاد والعباد. وأما السلوك الديني الشخصي الذي ليس فيه إضرار بالغير، فيُترك للدعاة يدعون له بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

أما قضية التشريعات الإسلامية والقوانين، فتكون بالتدرّج حسب قابلية الشعب واستطاعته، وقياس ذلك يكون عبر مجلس التشريع، حيث يمرّر (النوّاب المسلمون المنتخَبون) قراراتِ تحكيم الشريعة (بعد أن يُقنعوا بها الشعب).. فيكون الشعب هو من يختار شريعة ربه فيخضع لها مختاراً طائعاً.. فالشعب المؤمِن هو من يُحَكِّم الشريعة، قال تعالى: “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء: 65)

وعند التصويت لتحكيم الشريعة: مَنْ يصوّت لها من النُّوّابِ رفع الإثم عن نفسه وعمن انتخبه، ومن رفض وقع في الإثم هو ومن انتخبه (إن كان يعرف توجّهه هذا) ولو كانت غالبية مجلس النوَّاب الذين يمثّلون الشعب تمثيلا حقيقياً ضدَّ الشريعة فهذا يعني أننا مقصّرون في دعوة شعوبنا وإقناعهم.. وأنهم غير مهيئين بعد لشريعة الله تعالى.

ولنفرض فرضاً أن شيئاً من المخاوف قد وقع وظهر بديمقراطيةٍ حقيقيةٍ أن غالبية المسلمين في قطر من الأقطار قد اختاروا ما يتنافى مع الإسلام وما يعدّ خروجاً عن الإسلام، فهل العيب في الديمقراطية أم العيب في الواقع القائم؟ فليست الديمقراطية هي التي أتتنا بهذا العيب، وإنما الديمقراطية كشفت لنا هذا العيب، فهذا سبب لشكر الديمقراطية والتمسّك بها وليس سبباً لرفضها والقدح فيها واتهامها” (ينظر: الشورى في معركة البناء، د.أحمد الريسوني، 170).
والله من وراء القصد




مدرسة المسيري وأسئلة الواقع!

ما زال كثير من نخبنا العربية من الإسلاميين المنحدرين من خلفية يسارية أو من التوجه الإسلامي الصرف، مولعون بنقد الحداثة أو الرأسمالية أو (الحضارة الغربية) بين قوسين، وهو ترف فكري لم يعد له كبير فائدة في أيامنا، لأن هذا الخطاب استفرغ أغراضَه وأدّى دورَه، فلم تعد الأكثرية مبهورة بالغرب كما كانت في بداية القرن الماضي، فالكتابات الإسلامية في بداية القرن الماضي كانت دواء لتخفيف حالة الانبهار بالغرب أمام تخلّف دولنا، لكن هل من الصواب الاستمرار بهذه الاستراتيجية (التركيز على نقد الحداثة) إلى ما لا نهاية؟ أما آن لنا أن ننتقل إلى خطوة ثانية؟

لأن الحداثة ليست منتجاً غربياً خالصاً، فالإنسانية كلها ساهمت بصناعتها، وإن كان للغربيين نصيب الأسد! إلا أن ذلك لا يلغي مساهمات بقية العقول (التي لطالما بكينا هجرتها)، هاجرت وساهمت في نهضة الدول المتقدمة وما تزال تساهم، فالدول المتقدمة هيّأت بيئة حاضنة للتطور.

 والنقد للحداثة كان أعمقه وأقواه من كتّاب غربيين أصلاً، إما ينقدون بدافع النقد الذاتي بهدف تطوير وتصحيح ما يرونه من أخطاء، وإما انطلاقاً من مخالفة إيديولوجية للفكر السائد كيساريي الغرب مثل: نعوم تشومسكي وغيره، ومثل عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- عندنا. 

 وما نخبنا أو أكثرهم إلا مترجمون لهذه الانتقادات، ونقد الحضارة الغربية في كثير منه نوعٌ من التعويض عن مركّب النقص عندنا! وبين قوسين: فإن أفضل من نقد الرأسمالية هو ماركس في كتابه: (رأس المال) لذلك يطرب الإسلاميون لنقد اليساريين للرأسمالية الغربية، وبالمقابل يرفضون الشيوعية والاشتراكية، ويقولون: عندنا نظرية ونظام اقتصادي خاص.. يجب أن نستخرجه.. ونحن ننتظر إخراج هذا النظام الفريد! 

فتجد كتابات جاءت بالنظرية الرأسمالية أو الاقتصاد الحر ووضعت له طربوشاً إسلامياً. وكتابات أخرى جاءت بالنظرية الاشتراكية ووضعت لها طربوشاً إسلامياً أيام ازدهارها، وكتابات أخرى تلفق بينها.. ولعلّ الصواب مع الفريق الثالث، فالحل مركّب بين النظريتين، فالأصل اقتصاد حر مع مراعاة حقوق الضعفاء وضمانها بتدخّل الدولة الذي يقيّد طمع وجشع الأقوياء ويحمي الضعفاء.                                                                                                           

الاعتراف بدلاً من الهجاء: المطلوب الاعتراف بجوانب القصور والتخلّف في بلادنا وجوانب الإشراق والإحسان في ديارنا، وبالمقابل الاعتراف بتطورهم عنا في كثير من المجالات وافتقارهم وانحرافهم في جوانب أخرى. بدلاً من أن ننهال عليهم نقداً وذماً دون إنصاف،

فلا نحن استفدنا من تجاربهم فيما أجادوا فيه، ولا طوّرنا أنفسَنا فيما قصّرنا فيه، كقول ذلك الأعرابي: (أوسعتهم شتماً ومضوا بالإبل)، فالهجاء لا يغيّر من الواقع شيئاً. حالنا كالمدير الذي تراجعت شركته الكبيرة، فجمع تقاريراً عن أخطاء وعثرات الشركات الناجحة المنافسة التي تفوّقت على أرض الواقع وحققت النجاحات، واجتمع مع موظّفيه وبدأ يذكر لهم عيوب وسلبيات الشركات المنافسة، ليستعيدوا الثقة بشركتهم ويحتقروا المنافسين!

هل هذا المدير يحسن لشركته وموظفيه؟ أم أنه يخدع نفسَه وأتباعَه؟ إنّ الرائدَ ينبغي ألا يكذبَ أهلَه، فعلى المدير أن يعترف بتراجعهم أولاً ثم يبحث عن أسباب الفشل ويعالجها، ويبحث عن عوامل نجاح الآخرين فيستفيد منها، ويخطط للنهوض مرة أخرى، ويشجّع موظفيه ويثير فيهم الحماسة، ويقنعهم بإمكانية استئناف النجاح والعودة، إنْ استفادوا من خطط المنافسين، فأخذوا المناسب منها وطوّروا أساليب ووسائل أخرى، حتى تنهض الشركة مرة أخرى وتحقّق نجاحات جديدة، وتصل لدرجة المنافسة لغيرها بإذن الله تعالى. وهذا يحتاج جهداً ووقتاً واهتماماً كبيراً، لكننا نستسهل الأمور، ونكتفي بهجاء الآخرين، وكأنّ الهجاء سيعيد لنا الماضي الجميل! هيهات هيهات! 

 إنّ إدمان ذمّ الحداثة ومنتجاتها له أثرٌ سلبي على الأمم المتخلّفة، وهو أنه يمنعها من مصدر هام من مصادر المعرفة ألا وهو الاستفادة من التجارب والخبرات البشرية المتطوّرة.                                                                           

الاستفادة من الآخرين: قديماً قال إمبراطور صيني: “النجاح يبدأ بالتقليد الأعمى، ثم بالتقليد المبصِر، ثم يأتي الإبداع”. ونحن بما توفّر في عصرنا من علوم ووعي ووسائل نقل للمعلومات لا ننادي بالتقليد الأعمى، بل (بالتقليد المبصِر) بداية، التقليد الذي يفهم ويميّز ويختار من وسائل وأدوات وعلوم وأفكار الأمم المتقدمة (التجارب البشرية) ما يناسبنا، التقليد الذي يعدّل ويطوّر ما لا يناسبنا. وحتى نطمئن فإنّ التعديل سيحصل -لا محالة- فعندما نكتفي باستيراد الأشياء الجاهزة فقط، سنقع (بالتقليد الأعمى)، لكننا ننادي (بالتقليد المبصِر) ولا يحصل ذلك إلا إنْ بدأنا ننتج ما نحتاجه بما يناسبنا.     

الاختلافات بين الشعوب: ومما يجدر التأكيد عليه أنّ المواصفات الخاصة بنا ليست فروقات جذرية بكلّ شيء، بل الإنسانية تشترك بأكثر من 80 % من الحاجات والقيم والعادات والأفكار، وتختلف ببعض الأشياء التي تتأثّر بثقافتهم وبيئتهم. وهذه الاختلافات ليست كلها بسبب الدين، بل كثير منها يرجع للعرف ولتأثير البيئة والتجارب التاريخية للأمم، وهذه الأشياء المحلية ليست ملزمة لنا كما لا يخفى، ولتوضيح الأمر أكثر أقول: الإسلام جاء بقيم عامة وأحكام ثابتة لكل زمان ومكان، ولم يأت ليعمّم عادات وتقاليد بيئة على بقية البيئات، فالذي تأثّر به المسلمون في كل الكرة الأرضية (من تعاليم الإسلام)، والقاسم المشترك (من تعاليم الإسلام) بينهم في كل الأرض هو الذي يمثّل جوهر الدين، وما يختلف به المسلمون من عادات وتقاليد وغيرها، فهذا ليس من الدين في شيء، فمشروعنا الإسلامي ليس تعميم العادات والتقاليد العربية على البشرية! ولنضرب مثالاً يزيد توضيح الفكرة: اللباس له أشكال وألوان في العالم الإسلامي، والقاسم المشترك بينها هو ستر العورة وهذا هو أهم الواجبات إسلامياً (ستر العورة)، أما ما اختلفت فيه البيئات من أشكال وألوان الألبسة فكلّها مباحة، وهي راجعة لتأثير بيئة تلك المناطق وأعرافهم وأعراقهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهو أمر متسامح فيه ما لم يكن فيه محرم (كلباس الحرير للرجال) فأهم شيء في اللباس هو ستر العورة. ومثلها البيوت، فبيوت المسلمين في كل العالم مختلفة اختلافاً عظيماً، وذلك حسب بيئة تلك البلاد ومناخهم والموادّ المتوفّرة عندهم وأذواقهم، فلم يُلزمهم الإسلام بنمط معين أو شكل خاص؟!!

فلم يأتِ الإسلام بأشكال خاصة لبناء البيوت، وإنما جاء بتعاليم عامة كأن تحفظ حقّ جارك، ولا تعتدي عليه ببناء بيتك، ولا تبني على أرض ليست ملكك، أما ستر العورة فليس شرطاً أن يحققّ البيتُ ذلك، فستر العورة يتحقق باللباس، فلا يشترط في البيت أن يستر العورة! فلو افترضنا أنّ إنساناً سكن بيتاً له سقفٌ وليس له جدران، لجاز له ذلك، ويجب عليه ستر عورته باللباس أو الغطاء.. حتى المساجد ليس لها مواصفات خاصّة، فالمهم أن يكون هناك مكان يجتمع فيه المسلمون لأداء صلواتهم واجتماعاتهم ودروسهم وخطبهم، ورحم الله الخليفة الزاهد عمر رضي الله عنه، قال يوصي من يريد بناء مسجد: (أكنّ الناس ولا تحمّر أو تصفّر فتفتن الناس) أي أظلّ الناس ولا تزيّن المسجد بالألوان الصفراء والحمراء وغيرها فتشغل الناس وتفتنهم، والفاروق عمر رضي الله عنه هو نفسه عندما زار بلاد الشام وهمّ بالإنكار على المسؤولين للتفاخر بأبنية المساجد، أقنعه المسؤول هناك أنّ الناس في بلاد الشام يرون عظمة الكنائس فيريد ألا يظهر الإسلامُ ضعيفاً، فسكتَ الفاروق! 

 يمكن أن نقول إنّ تعاليم الإسلام تظهر على أبنية المسلمين بتجنّب الصليب والتماثيل لذات الأرواح، وتعتمد بدلاً عنها الزخرفة النباتية والهندسية.. متأثرين بتعاليم الإسلام التي تحرّم ذلك، وهذا أمر طبيعي، لكن لو جاء قوم كالفُرس وتفننوا بالفسيفساء في مساجدهم هل نقول لهم: عليكم التزام نمط آخر في أبنيتكم وزخرفتكم؟!! فكلّ بيئة تبني كما هي أنماط أبنية بلادهم مراعين ظروفهم البيئية، ومواد بنائهم الأساسية، وذوقهم العام، وقد فعلها المسلمون تلقائياً دون وجود لأحكام فقهية متنطّعة أو مبالغة تتدخّل بشكل البيت وصفاته! والذي يهمنا هنا البيوت الحديثة هل هي منافية للإسلام؟!! أو هل هناك مدينة إسلامية وبيوت إسلامية وبنايات إسلامية كما يروّج بعض المثقفين؟ أعتقد أن الإسلام لا يتدخّل بهذه التفاصيل، بل يقول لك: اجتهد واختر البيت والنمط الذي يحلو لك فهذا داخل تحت المباحات. والمسلم الحريص سيضع وحده السواتر والستائر التي تحفظ عليه ستر العورات، كما أنه سيراعي ذلك بالتصميم والتخطيط، حتى يرتاح من ستر العورة باللباس والأغطية، ولأن فطرة الإنسان أنه يحب أن يأوي إلى بيت يحميه من الحر والبرد ويحجبه عن أعين الناس، ويحقّق له الخصوصية.                                                                                                                                                             

بعض الأطروحات المتشنّجة من منتجات الحداثة ومفرزاتها توهمك أنّ: الإسلام معادلة كيميائية صعبة التطبيق، بل مستحيلة، لأنّ قيم الحداثة مغروسة في كيمياء منتجاتها، وتحتاج أن تعيد تذويب المنتجات وأن تشكّلها من جديد كما تملي عليك الفلسفة الإسلامية –بزعمهم-، وعليك أن تكون حذراً فلعلّ (جُزَيْئاً) هرب منك من قيم الغرب -المتسربة في منتجاته- ولم تستطع تفكيكه وإبعاده؟!! بينما الأمر أسهل من ذلك وأهون، وقد استفاد الصحابة الكرام من كلّ الحضارات دون شعور بالدونية أو الانبهار. كما أنّ المسلمين الجدد لم يهدموا بيوتهم ليبنوا بيوتاً إسلامية! الدوّامة: هذه الأطروحات تدخلنا في دوامةً لا مخرج منها، و(تضع العِصِيَّ في العجلات) كما يقال، فندخل في مأزق لا مخرج منه، فلا نستطيع التقدّم ولا التأخّر. المشكلة في هذه الأطروحات أنك تطالبهم بحلّ، فيقولون لك: تعايش مع الواقع فلا بدّ أن نجد حلاً.. وما زلنا ننتظر الحل، وتمضي الحياة قدماً وتتلبّس بمنتجات الحداثة أكثر وأكثر، وهم ينقدون دون حلول واقعية عملية! 

الحقيقة أنّ إسلامنا جاء بقيم وأحكام تفصيلية ثابتة فيما شأنه الثبات كالأحكام التي تتعلق بالأفراد كالعقائد والتصورات والعبادات وأحكام الأسرة والمواريث، وجاء بتعاليم وأحكام عامة مرنة فيما شأنه التطوّر والتغيّر كقضايا الشأن العام كالنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والسياسي، وترك للبشر أن يطوّروا أنظمة اقتصادية واجتماعية وسياسية لأنفسهم مراعين تعاليم وأحكام دينهم العامة في ذلك الشأن.

أما في مجال الوسائل والأدوات والأنظمة فالباب مفتوح على المصراعين للاقتباس والاستفادة من تجارب البشر وعلومهم واختراعاهم بما هو مباح، لأن الأصل في كل ذلك الإباحة حتى يأتي (أمر أو نهي) فيتحوّل المأمور به إلى مندوب أو واجب، ويتحوّل المنهي عنه إلى مكروه أو حرام، حسب درجة الأمر أو النهي وضرورتهما. وهذه الأوامر والنواهي هي التي تعطينا هويتنا و(بصمتنا الخاصة)، فنجري التعديلات على منتجات الحداثة، بأن نطالب بمواصفات خاصّة بنا، قبل استيراد شيء من منتجات الحداثة أو بعد استيراده (إنْ لم ننتبه لما لا يناسبنا) لو ظهرت لنا سلبياته فيما بعد! وهذا حاصل بطبيعة الحال فحتى لو استوردنا شيئاً يخالف هويتنا وذوقنا فقانون السوق الطبيعي في (العرض والطلب) سيجعل غالبية المستهلكين الذين يراعون هوية مجتمعاتهم يُقْبِلون على نوع يراعي هويتهم، وتكسد سُوْقُ النوع الذي لا يراعي هويتهم، وبالتالي سيضطر التجار والصنّاع لترك ما لا يراعي بيئتنا والإتيان بما يراعيها.. فالموضوع ليس (مفاصلة) مع منتجات الآخرين بل إصلاح طبيعي متدرّج لمنتجات الحداثة، وتأقلم مع بعضها أيضاً، فالحضارات تتفاعل وتتناقح.       

الحداثة والفطرة: حتى تكون دعوةُ الإخوة -الذين يحذّرون من منتجات الحداثة الغربية المتلوثة بالقيم المخالفة للإسلام- واقعيةً عملية مفيدة ندعوهم لذكر المحذورات وتحديدها وليقدّموا حلولاً واقعية، حتى نراعيها في إنتاجنا واستيرادنا (في الحسيّات والمعنويات والأنظمة) ولا يطلقوا الكلام إطلاقاً. كما نطالبهم بأن يكونوا واقعيين موضوعيين منصِفين في تقييم سلبيات الحداثة فكثير مما يذكرونه من عيوب موجود في مجتمعاتنا الشرقية وفي منتجاتنا القديمة والحديثة، فكثير من عيوبنا الاجتماعية والخلقية والسلوكية كانت موجوداً قبل هذه المنتجات الغربية، فلا ننظر لسلبياتها فقط بل لإيجابياتها أيضاً. فعندما ينقدون حبّ المال وتكديسه وتحقيق الأرباح ومحاولة تقليل أجور العمال ورفع الأسعار، ومثل هذه المعاني هذا ليس خاصاً (بالرأسمالية الغربية) بل هذا في فطرة الإنسان منذ فجر التاريخ.     

الواقع غلّاب: وأهم نقطة هنا هي أن أسئلةَ الواقع ملحّةٌ، ولا تحتمل التأجيل أكثر، يا نخبنا العزيزة: أعطونا حلولاً عملية تفصيلية! لكن كثيراً منهم مشغولون بنقد الحداثة ومنتجاتها المادية الغربية كنظام الديمقراطي السياسي، والتوحّش الرأسمالي الاقتصادي، والقيم الليبرالية الثقافية.. ونحن نقول: ربما كان نقدكم صحيحاً في بعض جوانبه، لكن ما الحل الذي نطبّقه في واقعنا وبيوتنا ومؤسساتنا؟ بل ما الحل لبلداننا التي قمنا فيها بثورات، ما الحل غير (الديمقراطية السياسية)، و(الحرية الاقتصادية) الذي تتدخل فيه الدولة لحفظ حقوق المستضعفين، و(الحرية الاجتماعية) المسؤولة بما لا يؤذي الآخرين؟! ما الحل العملي بغير ذلك؟ وهنا يقول بعضهم: لسنا نحن من ينقد الحضارة الغربية بل الغربيون أنفسهم ينقدونها، ونقول لهم: الغربيون حينما ينقدون منتجات حضارتهم كالذي سكن بيتاً فارهاً في مجمع سكني راقٍ ثم طلبتْ منه الشركة العقارية التي نفّذت بناء المجمع السكني ملأ (استمارة للشكاوى) بقصد التطوير، فجلس يتأمل أشهراً ويجمع الملاحظات والعيوب التي يراها ثم -بعد أشهر- قدّمها لإدارة المجمّع. فجاء رجل مقاول غشّاش يبني البيوت بمواصفات رديئة سيئة في أحياء عشوائية، وصوّر ورقة الشكوى بما حوته من الملاحظات السلبية لذلك المجمع الراقي، وجمع السكان من الفقراء والمساكين في العشوائيات التي بناها، وبدأ يقرأ عليهم الملاحظات، ويقول لهم: هذه المجمعات التي أنتم مفتونون بها اقرؤوا بماذا يصفها أصحابُها؟!! أشعر أننا في بلادنا العربية المتخلّفة مثل أولئك الفقراء والمساكين.. وبعض نخبنا يذكرون لنا عيوب الحضارة الغربية وسلبياتها!

المشكلة أن كلّ الأمم عرفت الطريق وهو التنافس الحضاري والعلمي والتقني وعرفوا مضمار السباق ودخلوه وهم يتنافسون في التحديث والتطوير والاختراعات، ونحن مازلنا نتناقش هل هذا هو الطريق أم لا؟ الطريق واضح وسنن التطور واحدة فالنهضة العمرانية المادية واحدة عند كل الشعوب وهذه لا هوية لها فهي وسائل حيادية، أما الهويات (ديناً ولغةً وتاريخاً وعادات وتقاليد) فلكل أمة هوية.

انظر إلى اليابان أتت بمناهج الحضارة الغربية، وحافظت على هويتها الحضارية، وقامت بنهضتها ونجحت، وانظر إلى ماليزيا وكلمة زعيم نهضتها مهاتير محمد التي لخّص فيها منهجهم: (عندما أردنا الصلاة اتجهنا صوب مكة وعندما أردنا بناء البلاد اتجهنا صوب اليابان” وانظر إلى تركيا وكيف وضع حزب العدالة والتنمية الحاكم هدفاً وهو دخول الاتحاد الأوربي ليستوردوا المعايير الأوربية الدنيوية وينهضوا بها مادياً وعمرانياً، وبالمقابل كيف دعموا التوجّه الإسلامي في تركيا كهوية ودين وتاريخ، وحققوا نهضتهم. وعلى كل حال نحن لو حسمنا أمرنا وقرّرنا الدخول في هذا السباق فلن نجد الطريق معبّداً بل المضمار مزدحم والتنافس شديد. 

ستزول الفروق: وبما أنّ البشرية تشترك بالفطرة الإنسانية الواحدة، وغالبهم عندهم إرث من النبوات التي ما خلا منها بشر: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]، والبشر يشتركون بأكثر من 80 % من القيم والأخلاق، فأظنّ أنّ الزمان قد تقارب وبخاصة في زمن وسائل التواصل والمواصلات، وتفجّر المعلومات، وأنّ إمكانية حوار الحضارات وتفاعلها الإيجابي واقتباس البشرية تجارب بعضها أصبح أسهل مما نعتقد، وبخاصة في ثورات الترجمة الفورية التي نشهدها، وهذا سيسهّل عملية الاقتباس والاستفادة وسيجعل الحدود المادية بين الدول لا أثر لها تقريباً، فالعلوم والمعلومات ستسيل بين الناس ولن يحجزَها شيءٌ، وهذا سيُسرّع عملية التصفية والاقتباس من الأفكار والاختراعات وأن النتيجة أن البشرية ستشترك بـ80 % (أو أقل أو أكثر) من العادات والتقاليد والأفكار والمخترعات، وسيبقى لكل قوم بصمتهم الخاصة التي لن تتجاوز 20 % (تقريباً) من حياتهم وتلك 20% ستكون انعكاساً لثقافتهم وبيئتهم. وهذا التفاعل والاقتباس نلاحظه عند الأشخاص دائمي السفر تجد حياتهم خليطاً من العادات والآلات المختلفة لأنه يقتبس من كل قوم ما راقه. والآن في عصر التواصل أصبح الجميع يسافر، فبدلاً من أن تسافر لتشاهد وتجرّب أصبحت منتجات الأرض وشعوبها وعاداتهم تأتي إليك عبر المعلومات وبالصوت والصورة. والجدير بالتذكير هنا أنّ التقوقع على النفس والخوف على الهوية الذاتية ليس هماً ننفرد به نحن المسلمين، بل كل الأمم عندها هذا الهاجس، لكن وسائل التواصل والإعلام وثورة المواصلات والاتصالات بما تهدمه من أسوار العزلة بين الأمم، ستجعل البشر يتبعون الأصلح لهم والأكثر فائدة والأجدى وسيجعلهم يتجاوزون كثيراً من هذه المخاوف والهواجس وسيكون ضغط الحياة العملية الواقعية أقوى من الجميع، وسينحاز الناس إلى مصالحهم وإلى الأنفع لهم، وإن كان البعض سيجامل الداعين للتقوقع على الذات، فذلك بقلوبهم فقط وواقعهم مع الحداثة، وسيبقى المنادون بمقاطعة الحداثة كالـ(الفلكلور الشعبي) القديم، هم في وادٍ، والناس في واد آخر. وهذا ينبغي ألا يخيفنا فديننا فيه مؤهّلات قابلة للبقاء والانتشار إذا أحسنّا فهمه وتطبيقه والاستفادة منه لأنفسنا أولاً، فعندما يصلحنا لن يتوانى الكثيرون عن اعتناقه، لكن لو بقينا لا نحسن التعامل مع ديننا فسنكون أكبر الصادّين عنه (ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا). 




هل في القرآن كلّ العلوم؟


كثيراً ما نسمع من بعض الفضلاء أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، فهو نظام شامل، وهذا حقّ لا ريب فيه، ونسمع أنّ كلّ شيء مذكورٌ في القرآن الكريم، ففيه علم الأوّلين والآخرين، وفيه علوم الدنيا والدين كلّها، الأنظمة والأفكار والحلول كلّها، وقد ورد عن بعض السلف مثل هذا الكلام، ويستشهدون بمثل قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ}، (وَنزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) )أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) (وتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ ((فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا) (اليوم أكملت لكم دينكم)، رغم أن الآية الأولى -والتي يستشهدون بها أكثر من غيرها- فسّرها كثير من المحقّقين بأمّ الكتاب، واللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل ما سيحصل في الدنيا(1)، وعلى القول بأنّها القرآن الكريم فإنّ هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى: ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ(2)، وهذا المعنى هو الذي يجب المصير إليه في تفسير هذا المبدأ العامّ، وهو أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، التي تدلّ عليه الأدلّة السابقة وغيرها، أي جاء بآيات وأحاديث تفي بحاجة توجيه الناس، ومن هذه الأحكام مبادئُ عامّة تصلح قواعد وأصولاً نستقي منها الفروع والتطبيقات المتجدّدة عبر تطوّر الحياة واتّساعها، وإلّا لما اضطررنا لمصادر تشريعيّة غير الكتاب والسنّة، لذلك قال علماء الأصول: “لمّا كانت النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، كان لا بدّ من القياس وغيره من الأدلّة التي نحتاجها للحكم على المستجدّات غير المنصوصة”، فالمصدر الأصليّ في التشريع الإسلاميّ هو القرآن الكريم، وهو أرشدنا للرجوع للسنّة، (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، والكتاب والسنّة أرشدانا للعقل السليم، والعقل مسترشداً بالكتاب والسنّة دلّنا على كون القياس الصحيح طريقةً سليمةً لاستنباط الأحكام والإرشادات الشرعيّة، وكذلك اعتبار المصلحة التي لم يُنْهَ عنها، واستصحاب البراءة الأصليّة، ومنع وسائل ومداخل المنهيّات بسدّ ذرائعها، واعتماد الأعراف الصالحة..

وهكذا اكتشفنا أنّ القرآن الكريم دلّنا على منابع وقواعد للمعرفة الصالحة من خارجه، تعتمد اجتهاد الإنسان، أي الجانب البشريّ من التشريع، ومن حكمة الله تعالى أنّه جاء بتعاليم مفصّلة لما كان ثابتاً كالعقيدة والعبادات وأحكام الأسرة والمواريث.. وجاء بمبادئ وقواعد عامّة للمتغّيرات كالمعاملات الماليّة وأحكام الحرب والسلم، والعلاقات الدوليّة وأحكام الإدارة السياسيّة والإرشادات الاجتماعيّة.

فالجانب البشريّ في تقدير التشريعات والأحكام الإسلاميّة المتغيّرة كبير، طبعاً مع مراعاة القواعد والمبادئ العامّة التي شرعها الشارع الحكيم، وبلزوم مراعاة هذه المبادئ الربّانيّة من قِبَل المشرّع من البشر يختلف التشريع الوضعيّ عن التشريع الإسلاميّ.

لكنّ بعض الخطابات الإسلاميّة توهم الناس أنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فيهما تفاصيل كلّ شيء، وبخاصّة في سياق الوعظ ومدحِ الشرع الإسلاميّ!
وهذا من العبث المنهجيّ، فقد أنتج هذا الخطاب عندنا أناساً يشترطون النصّ من الكتاب والسنّة على كلّ جزئيّة في حياتنا.

وليت الأمر اقتصر على الجوانب التشريعيّة، لكنّ الأمر انتقل للعلوم التطبيقيّة والعلوم الإنسانيّة، وحتّى للآليات والأدوات والوسائل والنظم والإداريّات، وتفاصيل النظام السياسيّ والنظام الاقتصاديّ والأنظمة الاجتماعيّة، وتفاصيل القوانين والأنظمة الإداريّة، والعلوم الطبيعيّة والكونيّة التجريبيّة، فوجدنا علماء يبحثون عن تفاصيل هذه الأمور كلّها في نصوص الكتاب والسنّة!
طبعاً لا يعني هذا تجاوز تعاليم الكتاب والسنّة، بل الذي ننكره تقاعس عقل المسلم عن الاجتهاد البشريّ في إيجاد تفاصيل وحلول لكيفيّة تسخير الكون، واختراع نظم إداريّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وتقنيّة واكتشاف العلوم التجريبيّة وتطويرها لحياتهم الدنيويّة والمعاشيّة، امتثالاً لقوله  (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).
طبعاً هذه العقليّة أدّت بهم إلى عدم العثور على تفاصيل تلك النظم والآليات في الكتاب والسنّة، فرجعوا للحلول الإسلاميّة المحليّة -رغم قدمها- حيث رجعوا للجهد البشريّ للمسلمين في العصور السابقة، الذين عاشوا في ظلال تعاليم الإسلام -بحسب اعتقاد من أخذوا عنهم- وتبنوا آراءهم وحلولهم وتطبيقاتهم وآلياتهم التي وصلوا إليها.

وهنا لا نقول: إنّ كلّ تراث أمّتنا العلميّ والعمرانيّ والثقافيّ متخلّف ولا يناسب عصرنا!
بل نقول: فيها ما يناسب عصرنا، وفيها ما تجاوزه العصر، ولم يعد صالحاً، فحياتهم كانت أبسط، وواقعنا الجديد معقّد يحتاج حلولاً جديدة تناسبه.
فكان اتجاههم ماضَويّاً ينظر في تراثنا العلميّ والحضاريّ يريد تكراره، بما أنّه منضبط بالكتاب والسنّة (بحسب تصوّرهم)!

وبالمقابل ظهر سلوك آخر رافض للحلول المستوردة (الغربيّة) ولو كانت عصريّة متقدّمة، وصالحة للاقتباس!

والحقيقة أنّ حلولنا الإسلاميّة –تاريخيّاً- كان كثير منها اقتباساً من الحضارات المعاصرة للدولة الإسلاميّة فاقتبسنا في العصور الإسلاميّة الأولى من فارس والروم كثيراً من الأنظمة والحلول، فما المانع أن نقتبس من الغرب والشرق ما توصلّوا إليه من علوم إنسانيّة وتطبيقيّة وأدوات ووسائل ونظم وحلول ناجحة؟! فهي تجارب بشريّة نأخذ ما يناسبنا منها، ونترك ما لا يتلاءم مع واقعنا واحتياجاتنا ومع مبادئنا وديننا.
بل سأذهب لأبعد من ذلك وأقول: حتّى ما نخافه من القيم والمبادئ العليا، نحن نتشارك معهم في كثير من مبادئهم وقيمهم، (كالصدق والأمانة واحترام الوعد والوفاء بالعهد والمواثيق، وكرامة الإنسان والمحافظة على حقوقه..) فقد اهتمّوا وسلّطوا الضوء على كثير من القيم والمبادئ التيّ كانت ضامرة –نسبيّاً- في عموم البشريّة في العصور السابقة، كالحرّيّات والعدل والمساواة والكرامة الإنسانيّة وتفاصيل حقوق الإنسان وقيم التسامح والتعايش والسلم الأهليّ..

فالحلّ ليس بتكرار التجربة الإسلاميّة التاريخيّة بحذافيرها، ولا باستنساخ التجربة الغربيّة بكلّ تفاصيلها، بل بأخذ الصالح من التجربة الإسلاميّة التاريخيّة والتجربة الغربيّة المعاصرة، بما لا يتعارض مع قيمنا وتعاليم ديننا.

نحن بتكاسلنا عن النظر والبحث والتفكير والاعتماد على الجهد البشريّ، والنظر في الآفاق والأنفس، واستبدال ذلك بطلب تفاصيل ذلك من نصوص الكتاب والسنّة اللذين يرشداننا للنظر خارجهما عبر الأمر بالتفكّر والتدبّر والبحث والاجتهاد والتجربة والمشاهدة والاعتبار.
نحن نمشي بعكس المطلوب، فالمطلوب البحث خارج الكتاب والسنّة لتدبير شؤون حياتنا والنظر في الكتاب والسنّة للتوجيه والإرشاد والالتزام في شؤون حياتنا.
فعمارة الأرض مهمّة بشريّة بحتة، وعملها كله خارج الكتاب والسنَّة، ووضع القيم العليا  والأخلاق الفاضلة والأحكام الملزمة موجود في الكتاب والسنَّة.
فالأمور الدنيويّة الأصل فيها الإبداع البشريّ، مع الاتباع للتوجيه الربّانيّ.
فعمارة الدنيا تحتاج بحثاً (خارجيّاً) خارج الكتاب والسنّة، أما تعاليم الإسلام وأحكامه وإرشاداته فتحتاج بحثاً (داخليّاً) للكتاب والسنّة.
وعندها سنكتشف أنّ الكتاب والسنّة يأمراننا بالاتجاه خارجهما لعمارة الأرض، والالتزام بهما في السلوك والأخلاق والعقيدة.
يروي الشيخ الشعراويّ في تفسيره أنّه “سُئل الإمامُ محمّد عبده، وهو في باريس: أنتم تقولون: {مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شَيْءٍ} فكم رغيفاً في إرْدَبّ الدقيق( )؟.
 فقال: انتظروا.
واستدعى خبّازاً وسأله: كم رغيفاً في إردبّ القمح؟
فقال له: كذا رغيفاً. فقالوا له: أنت تقول إنّه في الكتاب. فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]”
ها هو القرآن الكريم يرشدنا للمتخصّصين في كلّ علم.
لكنّ حال بعض المنتكسين كالطالب الكسول الذي يعلّمه أستاذه تفاصيل علم ما في كتاب جامع لمسائل وقواعد ذلك العلم، في الكتاب القواعد التي يحتاجها كلّها في هذا التخصّص العلميّ، ثم يكلّفه ببحث التخرّج، وهو بحث تطبيقيّ يقوم به التلميذ وحده، فيأتي التلميذ ولم ينجز بحث التخرّج، متعلّلاً بأنّه نظر في الكتاب الذي أعطاه إيّاه أستاذه لعلّه يجد فيه بحثه المطلوب وحلول مشاكل البحث،  فلم يجدها، فيوبّخه أستاذه ويقول له: لن تتمكن من هذا العلم هذا حتّى تستطيع بنفسك تطبيق قواعده ومبادئه في تطبيقات جديدة ليست موجودة في الكتاب.
وبعضنا كهذا التلميذ الكسول، يريد علوم الكون كلّه في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة!
كالقاعد عن الجهاد ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ)) ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)) 

فالكتاب والسنّة للهداية وليس موسوعة علميّة تجد فيها الاكتشافات والاختراعات العلميّة.
فلإنسان دور أساس في فهم تعاليم القرآن، واكتشاف علوم الأكوان.

ورد في بعض الآثار “ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه” قال العلماء في بعض تأويلاته أي: عندما يخالف القارئ تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته!
فالقرآن الكريم يدفع بنا للانطلاق خارجه، والنظر في الآفاق والأنفس، ونحن نعود وننكفئ عليه مخالفين أمرَه!!




كلمة سواء في مفهوم أهل السنة؟!

أضحى من الضرورة تجديدُ كتب العقيدة، فالزمان تغيّر، وجدّت فيه شبهات لم تكن معروفة سابقاً، فما كان يشغل العقول في عصور سابقة لم يعد يسترعي اهتمام إنسان عصرِنا.
فلا يجوز إحياء ما كان من مسائل في الأزمنة السابقة لمجرّد أنّ الأقدمين ناقشوها في مصنّفاتهم، بل يجب إهمال ما لا يشغل عقل الإنسان المعاصر، والتركيز على الإجابة عن تساؤلاته الجديدة -وما أكثرها!-
فكتب علم الكلام كانت تلبية لحاجة عصورها فعلم الكلام هو علم المحاجّة والدفاع عن العقائد، وينبغي أن يكون علماً متجدّداً يخالط كلّ عصر بلغته وأمثلته وعقليته، فهو تفاعلٌ واستجابةٌ لحاجة كل عصر.
لكنّ كُتُب العقائد الكلاميّة ركّزت على المناقشات العقليّة التي تولّد المعلومة كما ينتجها علم الجبر الرياضيّ، صحيح أنّه يقنع العقل لكنّه يجفّف الروح، فلا يثمر عاطفة جيّاشة ولا روحاً دافقة، تَرغَب بعطاء الله، وترهَب سخَطَه.
وهذا ما دفع الثقافة الإسلاميّة إلى الاعتماد على كُتب التصوّف والوعظ -على ما فيها (1)- لتعوّض ما فاتها في كُتب العقائد الكلاميّة.
وكثير من هذه المصنّفات كُتِبَت بطريقة الحِجاج والجدال، وفي هذه الأجواء كثيراً ما يضيع الإنصاف والموضوعيّة، ويكون الهدف هو الغلبة والانتصار للرأي (2). 
ولا ضير من الحوار والجدل في الأوساط العلميّة، لكن نقلَ هذه الخلافات إلى ميدانِ الأمّة، وتحديدَ من هم داخل دائرة أهل السُّنَّة والجماعة ومن هم خارجها، بناء على خلافٍ في بعض المسائل، وامتحانُ الناس في ذلك، فهنا تكمن المعضلة!
وهذا لا يعني تمييع موضوع العقيدة، والقبول بكلّ الأفكار والأديان.. مهما شطّت وابتعدت، لكن المطلوب توسيعُ سَمّ الخِياط الذي يضعه بعض المصنّفين، والتسامحُ بالخلافات التي يسعها الاجتهاد، فإذا كانت المسألة اجتهاديّة فهذا يعني أنّها تحتمل الخلاف بطبيعة الحال، وكلُّ اجتهاد معتبَر ينبغي احتواؤه ضمن دائرة أهل السّنّة والجماعة، فلو كانت الأدلّة قطعيّة لما وسع العلماء الاختلاف فيها، فكون المسألة عقديّة لا يعني عدم الاختلاف فيها، وكون المسألة فقهيّة لا يعني عدم الإجماع فيها، فالاختلاف والاتّفاق ليس بناءً على تصنيف المسألة أكاديميّاً (هل هي فقهيّة أو عقديّة)، بل بناءً على قطعيّة الأدلّة وظنّيّتها، ثبوتاً ودلالةً، فظنيّة الأدلّة تؤدّي للاجتهاد، وإذا وُجِدَ الاجتهاد وُجِدَ الخلاف بطبيعة الحال، وقد اختلف العلماء سلفاً وخلفاً في مسائل عقديّة متعدّدة، فكلما اتجهنا نحو الأصول والكليات والمبادئ ندر الخلاف وكلما اتجهنا نحو الفروع والجزئيات ندر الاتفاق.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: “الأحكام الشرعية عندي متساوية الأقدام، منتسبة إلى الشرع نسبة واحدة، وكون بعضها راجعاً إلى الاعتقاد، وبعضها راجعاً إلى العمل، لا يستلزم تفاوتها على وجه يكون الاختلاف في بعضها موجباً لعدم نجاة بعض المختلفين، وفي بعضها لا يوجب ذلك، فاعرف هذا وافهمه.
وأعلم أن ما صح عنه صى الله عليه وسلم من أنّ المصيب في اجتهاده له أجران، وللمخطئ أجر، لا يختص بمسائل العمل، ولا يخرج عن مسائل الاعتقاد، فما يقوله كثير من الناس من الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية، وتصويب المجتهدين في الفروع دون الأصول، ليس على ما ينبغي، بل الشريعة واحدة، وأحكامها متحدة، وإن تفاوتت باعتبار قطعية بعضها، وظنية الآخر” (3).
وقد استطاعت الأمّة -بفضل الله تعالى- ثمّ بجهود العلماء المصلحين من تجاوز خلافات عقديّة لطالما شقّت الصفّ وفتنت النّاس، كمسألة القَدَر وخلق القرآن وحُكْم مرتكب الكبيرة.. لكن بقيت مسألةٌ تشقّ الصفّ وتصنّف الناس وهي ما يُسَمّى (آيات الصفات)، قلت: (ما يسمّى) لأنّني أعتقد أنّ آيات الصفات حقّاً هي الآيات التي تصف الله تعالى صراحة، مثل: (هو الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم..) و(قل هو الله أحد..) (وهو على كلّ شيء قدير..)..
أمّا الآيات التي توهم الجسميّة والجهة ومشابهة الله تعالى للمخلوقات.. فهذه قضيّة ينبغي تجاوزها تماماً، فالكلّ يريد تنزيهَ الله تعالى، فالمثبتون لا يريدون تعطيل الصفات، والمؤوّلون لا يريدون تشبيه الله تعالى، والأدلّة محتملة وغير قطعيّة، ولو كان الأمر قطعيّاً ما اختلفوا أصلاً، فأصول العقائد متّفَق عليها عند أهل السُّنّة، والخلاف بين المذاهب السنيّة في الفروع، وقضيّة الصفات المختلَف فيها من فروع العقيدة.
فمذاهب أهل السُّنّة المقبولة بهذه المسألة هي: (الإثبات والتفويض والتأويل)، أمّا المرفوض: (فالتجسيم والتعطيل).
وعليه فالمذاهب الثلاثة (أشعريّة وماتريديّة وسلفيّة) كلّهم من أهل السُّنّة والجماعة، لأنّ أهل السُّنّة واقعيّاً يشملون هؤلاء كلّهم.
يقول الإمام محمد بن أحمد السفاريني الحنبليؒ: “أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْأَثَرِيّة وَإِمَامُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؓ، وَالْأَشْعَرِيّة وَإِمَامُهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ؒ، وَالْمَاتُرِيدِيّة وَإِمَامُهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ” (4). 
طبعاً كثيرون لن يقبلوا هذا الكلام، فكم تمّ الضخّ من الجانبَيْنِ بعكسِ هذا الكلام!
ولعل بعضهم يقول: كيف نتجاوز الخلاف في العقيدة؟!
الجواب: هذا خلاف بفروع العقيدة وليس في أصولها، وكما أنّ الأمّة مرّت بفترات تعصّب فقهيّ مذهبيّ حتّى إن بعضهم مضى به التعصّب إلى عدم جواز التزوّج من أتباع مذهب آخر، وبنوا عدّة محاريب في المسجد الواحد! ثم شاع التسامح الفقهيّ وتجاوزت الأمّة هذا التعصّب الذميم، وعليه ينبغي على الأمّة أن تسير بوعيها لتجاوز هذه الخلافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالمهم هو العقيدة التي تزرع الخوفَ من الله والحبَّ له والتعظيمَ له، العقيدة التي تثمر طاعة لله تعالى.

وهذا ما أعتقد أنّه سيحصل في قابل الأيّام، لكنّني هنا أطالب بالسرعة لاعتماد هذا الرأي، حتى نوفّر على أمّتنا المرهقة مزيداً من الجروح والآلام.

أمّا في الآخرة فالذي أعتقده وأرجوه -دون تألٍ على الله تعالى- أنّ الله ﷻ لن يسألنا -بفضله وكرمه- عمّا يُسَمّى بآيات الصفات ولن يختبرنا اختبار عقيدة (كما تفعل اللجان الفاحصة) بجزئياتٍ تصنّف الناس وتقسِّمهم، لكن الله ﷻ سيحاسبنا على أركان الإيمان الستّة، وأركان الإسلام الخمسة، وعن سلوكنا ومعاملاتنا وأخلاقنا، فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره.

وفي مجال التعليم: علينا دراسة العقيدة المقارنة كما ندرس الفقه المقارن، فنقول: في هذه المسألة لأهل السّنّة ثلاثة مذاهب: من أهل العلم من أوّل فقال: كذا وكذا، وبعضهم قال: نفوّض المعنى لله تعالى، وبعضهم قال: نثبت صفة كذا وكذا.. ولا بأس بترجيح مذهب على آخر، بحسب ما يترجح لطالب العلم ويطمئن له قلبه، ويرتاح له عقله.
والراجح أنّ هذه النصوص لا يصحّ معاملتها معاملة واحدة، فمنها ما سِيق النصُّ لأجله، ومنها ما سيق النصّ لغيره، ومنها ما اتُفق على تأويله، ومنها ما اختُلف فيه، فينبغي معاملة كلّ نصٍ على حِدة.
ويسع المسلم اعتقاد ما يطمئن له قلبه، ويرتاح له عقله، دون تثريب أو لوم، فتفاصيل كُتُب العقائد من البدع التي لم تكن زمن الصَّحْبِ الكرام، وقضيّة الصفات لم يهتمّ بها الصحابة الكرام ولا درّسوها لأحد، ولا امتحنوا بها عقيدة أحد، بل لم يرد عنهم كلامٌ واضح يمكن أن نُكوّن من خلاله تصوّراً يمكن أن يشكّل (مذهب السلف)، فقد سكتوا عنها، إلا بعضَ التفسيرات هنا وهناك، أما سبب سكوتهم فتختلف المذاهب في تعليله، وكل مذهب يقول: إن الصحابة فهموا الآيات على مذهبهم.

فالمفوّضة قالوا: الصحابة قرؤوها ولم يثبتوا تلك الصفات لأنها توهم مشابهة المخلوقين لله تعالى وتنزّه، ولم يؤوّلوها وفوّضوا معناها لله تعالى.
والمثبتة قالوا: إن الصحابة أثبتوا الصفات كما هو منطوق الآيات، لذلك لم يفسّروها تفسيراً آخر.
والمؤولة قالوا: الصحابة عربٌ أقحاح، ويعرفون أساليب العربية ففهموا تلك الآيات حسب سياقها على مبادئ العربية واشتمالها على المجاز.
أضف إلى ذلك انشغالهم بالجهاد والدعوة، وبُعْدهم عن الفلسفة والجدل، الذي جاء في زمن لاحق (5)  حتّى قيل: كتب العقيدة تفرّق، والإيمان يجمع، فالإيمان إجمال والعقيدة تفصيل، الإيمان بساطة والعقيدة تعقيدٌ، الإيمان فطرة والعقيدة تكلُّف، الإيمان باب مفتوح والعقيدة سور منيع (6). 
طبعاً هذا الكلام لن يرضي أحداً من متعصّبي المذاهب المنتشرة، فكّل مقلّدٍ لمذهب سيقول: (مذهبي صواب ومذهب غيري خطأ)، وسينتصر لمذهبه وسيسوق أدلّته وحُججه، لأنّه يعتقد أنّ رأيَه أقوى، وتوافقه الأدلّة العقليّة والنقليّة واللغويّة، وهذا طبيعي جدّاً، لكنّه لن ينهي مأساةً استمرّت مئات السنين، وستستمر إلى أن نقتنع بهذا الرأي.
وهنا لا نطالب أحداً بترك عقيدته، ولا نمنع الحوار العلميّ بين المذاهب، لكن ينبغي أن يبقى هذا ضمن حوارات البيت الداخليّ، كما نناقش رجحان قولٍ فقهيّ دون تشنّج، ونُبقي على مخالفنا ضمن مذهب أهل السُّنَّة.
فالذي نطالب به -وبشدّة- عدمُ إخراج إخوانكم من دائرة أهل السُّنَّة، فإن كنتم تتَّهمونهم بالتجسيم، فإنّهم يتهمونكم بالتعطيل!
مع الأسف نحن نختلف حول بعض الصفات الإلهيّة والناس أنكروا الذات والأديان، ونختلف حول التوسّل بالنبيّ والناس أنكروا النبوّة والوحي!
فهذا زمان إنقاذ الإيمان، وليس زمن الانتصار لمذهب عَقديّ إسلاميّ على مذهب إسلاميٍّ آخر!
كلُّ أمم الأرض تتسامى فوق خلافاتها عند النكبات، إلا نحن، فعندنا شغف بشقّ الصفّ!! وليت الأمر كان لأسباب مقنعة، بل بسبب آراء عقديّة لا تقدّم -عمليّاً- شيئاً ولا تؤخّره! فالمسلم يعظّم الله ويصفه بصفات الكمال، وينزّهه عن صفات النقص، ولو رجعتَ للقرآن الكريم لوجدته يُجمِل في العقيدة ولا يفصّل، ويركّز على ثمرات وآثار العقيدة من إيمان وعمل صالح وتعظيم لله ومحبّة له ورهبة منه.. أمّا التشقيق في العقيدة والتفصيل والتشريح فهو من آثار مناهج اليونان وفلسفاتهم.
يقول الدكتور محمد عمارة: “وفي علم العقيدة الإسلامية -علم الكلام الإسلامي- سنجد الكثير من الجدل الذي دار بين علماء الكلام في الإلهيات والغيبيات، التي اقتصد الإسلام في الحديث عنها، لعجز العقل البشري، وهو نسبي الإدراك عن فقه حقائقها ومكنوناتها، بل ولعجز اللغة عن التعبير عن كنه هذه الحقائق، وهو جدل تضخّمت به كثير من كتب الفرق والمذاهب الكلامية، تسرّب إليها من المجادلات والمناظرات التي دارت بين علماء الكلام وبين أصحاب المذاهب والديانات غير الإسلامية، وخاصة مذاهب الفرس والهنود وفلاسفة الغنوصية والباطنية، ثم حدث أن انتقلت هذه المجادلات من ميدان الصراع الفكري الخارجي إلى ميدان الجدل بين المذاهب الإسلامية، فوظفت في غير ميدانها، وفرقت الصف الإسلامي، وأورثته الكثير من ألوان التعصّب المذهبي المقيت، حتى ليشهد على هذه الحقيقة أحد أساطين هذا العلم، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450-505هــ) فيقول: إنك قد تعرض المسألة على الأشعري فيوافقك عليها، فإذا قلتَ له: إنها رأي المعتزلة، عاد فرفضها، بعد أن كان قد قبلها، والعكس صحيح!” (7).
كما ينبغي تجاوز المسائل القديمة مثل التمييز بين (صفات المعاني والمعنوية) عند الأشاعرة هذا التمييز كان رداً على مسألة تاريخية أثارها المعتزلة حيث نفوا صفات المعاني وهي (القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والكلام) حتى لا يتعدد القدماء!!
فهذه مسألة تاريخية نتركها في المراجع القديمة للمتخصّصين، ولا نُدخل كلّ مسلم يريد دراسة العقيدة بهذا الخلاف الذي لا يخطر بباله لولا إثارة الكتاب لهذه المسألة.

لذلك ألّف الإمام الغزالي رحمه الله رسالةً سمّاها: (إلجام العوام عن عِلْم الكلام) فعلم الكلام وتناول العقائد فلسفيّاً وبالأدلّة العقليّة، دواءٌ لحالات فرديّة ممن عنده شبهات، وقد يُعطى للعموم إذا انتشرت شبهات فكريّة، كوباء عام مثل بعض الأفكار اللادينية في أيّامنا.
أمّا الكتاب والسّنّة فهما غذاء، ولا يجوز اللجوء للدواء في حال الشفاء، ويجب تناول الدواء عند المرض، فالأَوْلى عرض العقيدة كتقرير أوليّ، من غير ذِكْر الشبهات والردود عليها، فـ(ذِكْر الشبهة يحييها)، ومنهج القرآن الكريم غرس الإيمان العقليّ والعاطفيّ الذي يزرع الخوف من الله والحبّ له،  فيثمر عملاً صالحاً وخُلقاً حسناً.

ومما يُؤسف له أن يبني بعض المنتسبين لهذه المذاهب العقديّة (أشاعرة وسلفيّة) الولاء والبراء على ذلك، ويَظهر ذلك في الردود العلميّة القاسية، وامتحان كلّ متقدّم لوظيفة أو منصب دينيّ، فإن أثبت الصفات أو أوّلها (بحسب اتجاه اللجنة الفاحصة) فهو كفءٌ عقديّاً، وإلّا فهو غير كفء، وينبغي منعه مِنْ أيّ نشاط علميّ أو دعويّ، وإن كان علّامة الدنيا! وبهذا المعيار المجحِف نفسه يُعامل المتأخّرون أئمّةَ السلف، فمَنْ خالف في شيء من جزئيّات العقيدة (التي يتبنّونها) فهو منحرِف عقديّاً، وينبغي التنبيه على ذلك والتحذير منه، حتّى وصل الأمر بأن أحرق بعضُهم كتباً مرجعيّة لكبار الأئمة لمجرّد مخالفتهم في مسألة الصفات!
فضيّقوا دائرة الإسلام العظيم، وحصروا أمّة المليار ونصف المليار-التي لطالما تغنّينا بها- في أضيق نطاق، نطاقٍ يكاد لا يتّسع إلا للشيخ الذي وضع المعايير (متن العقيدة) وتلاميذه الذين اتّبعوه فيما قال.
وكلّ جماعة تخالف جزءاً من اختيارات هذا العالم العقديّة، تصبح تتقاطع مع أهل السُّنَّة بمقدار ما توافق اجتهاداته! فاختيارات العالم هي الميزان والمعيار الذي أنزله الله ليكون حُجّة على خلقه (بزعمهم)!

وكثير من هذه الآراء العقديّة لم تنتشر بقوّتها الذاتيّة، بل بالاستعانة بالمال والسلطة والإعلام، كما أنّ كثيراً من هذه الخلافات يُزكي أُوارَها السياسيّون ممّن يقتاتُ على تفرّقنا!
وبعد أن يصبح الأمر انتماء لمذهب، تنشأ العصبيّات التي تنتقي من النصوص والأقوال ما يوافقها!! وتختفي الموضوعيّة والإنصاف.
وقد أصبحت هذه اللوثةُ منهجيّة علميّة، فكلّ عالم (من القدماء أو المعاصرين) يُسأل عن تفاصيل عقيدته، فإن خالف بشيء، يأتي مَنْ يقول: (هو مِنْ أهل السُّنّة والجماعة إلا في كذا) ممّا خالفهم فيه!
فتصبح آراؤنا العقديّة هي المعيار والمقياس الذي تُقاس به عقائد الناس، فنحن حُجة الله على خلقه!!
وهنا لطيفة مهمة وهي أن أكثر كتب العقيدة لم تُنسب للإسلام وإنما نسبت إلى أسماء مؤلفيها مثل: العقائد النسفية والواسطية والطحاوية والتدمرية وعقيدة الأشعري والماتوريدي، وليست العقيدة الإسلامية، فنُسبَت لأصحابها وهي بحق كذلك، فقد كان كل عالم يكتب تصوّره وفهمه لفروع وتفاصيل العقيدة الإسلامية أي تصوراته واجتهاداته في المسائل النظرية  مما يتعلق عالم الغيب، حسب فهمه لكتاب الله وسنة رسول الله  وترجيحه بين آراء الفلاسفة والمتكلمين واجتهاده ورأيه في المسائل التي أثارت العقل.
وحتى ما يسمى العقيدة من الكتاب والسنة، فهذان المصدران (الكتاب والسنة) هما مصدر كل المسلمين، وما في تلك الكتب (السلفية) ما هي إلا فهوم وانتقاءات المؤلفين، كما لا يخفى.
لهذا فلا يجوز أن يُزعم أن هذا مراد الله تعالى وأن هذه هي الحقيقة المطلقة التي ينبغي اعتقادها ومن أنكرها فهو كافر، فهو تقوّل وافتئات على الله ، طبعاً المقصود هنا فروع العقيدة وتفاصيلها، أما أصول العقيدة المجمَع عليها، فيمكننا القول هذه هي العقيدة الإسلامية التي يجب الجزم والإيمان بها.

فالمطلوب أن يكون انتماؤنا لما جاء به نبيّنا محمد صلي الله عليه وسلم وهو الإسلام، ومفهوم أهل السُّنَّة والجماعة يجب أن يمثّل المسلمين بأوسع نطاق.. ولا نُخرِج عن هذا المصطلح إلا من انحرف انحرافاً يبعده عن الأمّة..

والغريب أنّ مَرَضَ اضطهاد العالم الذي لا يوافق غيرَه الرأيَ بمثل هذه المسائل الخلافيّة، سلوكٌ قديم فهذا ابن حِبّان (صاحب الصحيح) يطرده أناسٌ من سجستان ويتّهمونه برِقّة الدين، لأنّه أنكر (الحدّ) عن الله تعالى! ويعلّق الإمام الذهبي ؒ على هذه الحادثة تعليقاً نفيساً فيقول: “إنكاركم عليه بدعة أيضاً، والخوض في ذلك ممّا لم يأذَن به الله، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بنفيه، ومن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركه ما لا يعنيه، وتعالى الله أن يُحَدّ أو يُوصَف إلا بما وَصَفَ به نفسَه أو علَّمه رُسُلَه، بالمعنى الذي أراد، بلا مِثْلٍ ولا كَيْف، (ليسَ كَمثله شيءٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى:11] وقال في موضع آخر: إنكاره الحدَّ وإثباتكم للحدّ نوعٌ من فُضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أَوْلَى (8). 
صدق الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى، فالذي يبقى في عقل المسلم ووجدانه هو تعظيم الله ومحبّته، وتغيب عن ذهنه هذه التفصيلات والتنطّعات التي ما أنزل الله بها من سلطان!
لذلك أرى أن يقتصر تعريف أهل السُّنَّة والجماعة على من اعترف بحجيّة القرآن الكريم والسُّنَّة النبويّة مصدراً للتشريع والاعتقاد، أمّا ما عدا ذلك فيغتفر الخلاف فيه، وقد ذكرتُ سابقاً أنّ ذلك يشمل الأشاعرة والماتريديّة والسلفيّة في مجال الاعتقاد، ويشمل أتباع المذاهب الأربعة وغير المتمذهبين من السلفية، ويشمل الصوفية السُنيّة من العلماء المنضبطين بالشريعة البعيدين عن البدع والخرافات.
وهذا لا يلغي التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بين الجميع.
لأنّ أهل السُّنَّة اليوم هم جسد الأمّة، وهذا الجسد يتشكل من دوائر متداخلة، نفصّل فيها في معرض التدارس، ونُجْمِل فيها في زمن المواجهة الشاملة، والتحدّي الخارجي الذي يهدّد باجتياح الأمّة قاطبة (9).
إذن لا بدّ من اصطفاف جديد لأهل السُّنّة، يفوّت الفرصة على أعداء الأمّة ممن يستثمرون هذه الثغرات، وبخاصّة في زمن التكتّلات المصلحيّة العالميّة، وتهديد الأمّة بالاستباحة والإبادة.
بصراحة: إذا لم نتجاوز هذا الخلاف فكلّ حديث عن التعايش ووحدة المسلمين وتساويهم وتعاونهم، حديثٌ ليس له فائدة.
وستنفجر هذه المسألة بين الفينة والأخرى لتمزّق الصفّ، وتشتّت الجهود.
وأختم بهذه الآيات الكريمة التي تغني عن كلّ الكلام السابق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)} [آل عمران: 102 – 108]

_____________________________________________________________________

(1) توسعتُ في الملاحظات التي ينبغي الحذر منها في التصوف في كتاب مستقل بعنوان: التصوف رؤية جديدة.

(2) ينظر: مقدمة كتاب عقيدة المسلم، محمد الغزالي.

(3) ينظر: الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، 1/210

(4) ينظر: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، 1/73.

(5) ينظر البحث القيّم: الصفات الخبريّة عند أهل السّنّة والجماعة، د.محمد عياش الكبيسي.

(6) ينظر: مقال الإيمان المفتوح والعقيدة المغلقة، د.محمد مختار الشنقيطي.

(7) تهذيب التراث الإسلامي، د.محمد عمارة.

(8) ينظر: سير أعلام النبلاء، 16/97، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 6/99

(9) ينظر مقال: من غروزني إلى الكويت، عباس شريفة.​




داء المشيخة

قد يقول قائل: وهل المشيخة داء؟

نعم عندما يتحول طالب العلم إلى شيخ بزِيٍ معيّن، ينتظر من الناس الاحترام والتبجيل، والدعوات للولائم والعطايا، والتصدُّر بالمجالس والمدح والذِّكْر الحسن.. ويشكو انتشار قلة الأدب، ويتباكى على زمان الأدب.

بينما الدعوة مِنْ أُسُسِها: الصبرُ على الأذى، والمحن والابتلاءات، وغِلظة العوام، وتهجّم الحكّام والظلّام.

فلسنا أفضلَ حالاً من أنبياء الله!! والقرآن حاشد بقصص الأنبياء، وذِكْرِ إيذاء أقوامهم لهم، تصبيراً وتثبيتاً لمن تبع سبيلَهم.

فيروى أن أحد الدعاة الكبار المشاهير زار بلدةً فوجد الناس ينتظرونه محتفين  به، محتشدين مرحّبين.

فرجع إلى نفسه متّهماً قائلاً: يجب أن نعيد حساباتنا، فالأنبياء الصادقون كانوا يلقون الأذى!! 

طبعا هذا من صدقه ومراقبته لنفسه، وإلا فالهجرة إلى المدينة كان هذا شأنُها.

لكن الهجرة نقطة في بحر الأذى الذي لقيَه صلّى الله عليه وسلم.

مرةً قال أحدُ الكتّاب المثقفين: لا ينقضي عجبي من اتباع العوام لبعض المشايخ! فو الله خطاب هؤلاء المشايخ لا يقنع عاقلاً!! لكنه الرصيد الموجود في وُجدان الناس لعلماء الدِّين عامة، الذي زرعه العلماء الصادقون، وورثه هؤلاء الدراويشُ المتكسِّبون!!

فبعض المشايخ يقتاتون على ما بذله العلماء الصادقون المضحُّون.

هناك فرق بين مَنْ يحملون الإسلامَ، وبين مَنْ يحملهم الإسلام!!

هناك فرق كبير بين الداعية الذي يريد هداية الناس.. وبين المُدَّعي الذي يريد المكاسب والجاه، والاحترام والتقدير من الناس..

هناك فرق بين مَنْ يعتبر العمل للإسلام مكاسب.. وبين مَنْ يعتبره واجباً عليه أن يتحمّل في سبيلها المصائب..

هناك فرق بين من يعتبر العمل للإسلام مغنَماً، وبين من يعتبره مغرَماً!! وليس مقالي هذا رخصةً وذريعةً للناس لإساءة الأدب مع علمائهم!! 

فالمقال موجّه لإخواني طلاب العلم الصادقين، ولكلِّ مقام مقال، وما يقال لطرف، لا يُقال للطرف الثاني، فالأمم الراقية تحترم علماءَها، لأنهم يساهمون في تنمية العقول والأرواح والأنْفُس..

وقد كتب الطنطاوي قديماً مقالاً نعى فيه على بعض المشايخ ما سماه: (صناعة المشيخة) ويقصد أنها: “صارت علامة على طبقةٍ تأخذ من الناس ولا تعطيهم، وتستجيب لدعواتهم ولا تدعوهم، وتقول لهم ولا تسمع منهم، وسمةً لمن هو غريب عن عاداتهم ومواضِعِهم، صارمٌ في وعظهم، شديدٌ في نصحهم، لا يقبل رداً على كلام، ولا جدالاً في رأي، يتكلم (النحْويَّ)..”

وفي النهاية هذا تذكير لي وإخواني، أن يحملوا همّ الدعوة، ويتحمّلوا في سبيلها ما يلاقون، ولا ينتظروا من الناس جزاءً ولا شكوراً.




دكتوراه ببضع صفحات!!

دور الدراسات العليا الأكاديمية في التجديد

ما زلتُ أذكر أستاذي الذي أشرف عليّ في مرحلة الماجستير، جزاه الله عني كل خير، عندما أمسك بإحدى خطط البحث المقترحة للماجستير: (الخطة: عبارة عن فهرس مبدئيٍ للبحث الذي ينوي الباحث كتابته)، وكانت وقتها حوالي سبع صفحات A4، قرأ الخطة ثم أشار إلى جزء صغير فيها (عدة أسطر) وقال: “هنا عملك!” يقصد: هنا العمل الحقيقي، والباقي تكرار لمن سبقك. تأمّلت تلك الخطة فوجدتُ كلامه صحيح ودقيق، ففي ذلك الجزء الصغير الذي أشار إليه من الخطة، كانت النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى اجتهاد جديد.

لقد انتشرت في ديار المسلمين -بفضل الله تعالى- الدراسات العليا التي ينال بها الباحثون الألقاب العلمية (الماجستير والدكتوراه) ثم يترقّون بعدها عبر البحوث المحكّمة والتدريس الجامعي إلى درجة (الأستاذية)، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى: (وقل رب زدني علماً) وهي ظاهرة تستحقّ الإشادة والفرح والترشيد، فبحوثُ الدراسات العليا من المجالات المعوّل عليها في الاجتهاد المعاصر والنهوض ببلداننا.

لذلك سأذكر أربع ملاحظات لتساهم الدراسات العليا والبحوث العلمية بنهضة بلداننا

الملاحظة الأولىعلينا أن نشجّع الباحثين على الإبداع والاجتهاد الجديد:

رغم انتشار الدراسات العليا في ديارنا إلا أنها خالية في كثير من الأحيان من أهم مقاصدها وهو: تعلّم مناهج البحث العلمي، في التخصّص الذي اختاره الباحث، وتقديم نتائج وتوصيات نظرية وعملية تسدّ النقص العلمي، وتحلّ الإشكال المعرفي، وتطوّر الواقع الفعليّ، الذي لأجله قام الباحث ببحثه، وينعكس ذلك على الحياة العلمية والعملية، فتتطوّر الأنظمة والأفكار والمنتجات، فتنهض البلاد.

لكن بعض الجامدين حتى ممن يحملون الألقاب العلمية، ويشرفون على الباحثين ويشاركون في مناقشة البحوث -مع الأسف- يُخرجون هذه البحوث عن مقصودها وهدفها ولبّها وفائدتها الحقيقية، وذلك بطريقة مناقشتهم وملاحظاتهم، فيمنعون الباحث من الترجيح أو إبداء الرأي، ويوبّخونه لو ظهرت شخصيته في البحث، بدلاً من تشجيعه على الاجتهاد والإبداع والإتيان بالجديد!! (طبعا هم يزعمون أنهم يريدون أن يربّوا الباحث ويعلموه التواضع واحترام جهود السابقين، لكنهم مثل الذي يريد أن يقوم بعملية للعين ليصلحها فبدلاً من إصلاحها يُعميها!! وهم هكذا يفعلون، فبدل أن يجعلونه يترك التكبر ويتواضع، يجعلونه يترك الاجتهاد والإبداع، ويجمد على أقوال السابقين. لكنّ فِعْلَهم هذا في حقّ الباحث يعتبر جريمة!! لأنهم يقتلون إبداعه.

حتى إنّ أحد (الدكاترة الجامدين) كان يقول: “الترجيح بين أقوال العلماء قلة أدب!!” طبعاً بمعيار هذا الدكتور كلُّ علمائنا -حاشاهم- من قليلي الأدب، فكتبهم طافحةٌ بترجيح مذاهبهم، والردِّ على المخالف لهم من بقية المدارس، أو من يخالفهم ضمن المذهب الواحد. وبهذا المنهج الجامد يفقد البحثُ العلمي فائدته وهدفه، فالأصل في البحث العلمي أن يعالج مشكلة علمية، ويسدّ ثغراً مفتوحاً يحتاج لاجتهاد واختراعٍ وحلّ جديد.

الملاحظة الثانية: ألا ينشغل الباحثون بالبحوث والدراسات التي لا يحتاجها واقعنا:

ولا فائدة علمية ولا عملية منها، ولا نحتاجها في دنيانا ولا تنفعنا في آخرتنا! بل يركّز على المسائل والقضايا التي تحتاجها بلادنا.

لذلك علينا أن نوفّر عناوين للبحوث التي نحتاجها في كل مرافق حياتنا وتخصّصاتنا، بدلاً من تشتّت الطلاب وحيرتهم في اختيار مواضيع لدراساتهم وبحوثهم، فنترك للطلاب الأغرار هذه المهمة الشاقّة، ولا نستثمر جهودَهم بما ينفع بلداننا.

الذي نقترحه: أنّ كلّ قطاع من وزارات الدولة ومؤسساتها، ومؤسّسات المجتمع المدني وحتى القطاع الخاص، أن يكتب ما يحتاجه من موضوعات تحلّ مشاكله وتساعده على التطوير، ويرسل بهذه العناوين أو المشكلات إلى مؤسسة متخصّصة بجمع هذه المسائل، ولتكن -مثلاً- وزارة التعليم العالي، أو (أي مؤسسة حتى لو كانت ربحية تقوم على الإشراف على هذا الأمرفيرجع لها طلبة الدراسات العليا لأخذ العناوين المطلوبة، فنحقّق خدمة متبادلة: للطالب الذي يبحث عن موضوعٍ لبحثه من جهة، وللمؤسسة أو الجهة التي تبحث عن بحوث لتطوير نفسها وحلّ مشاكلها من جهة ثانية، كما يمكن أن ترعى (الجهةُ التي تحتاج البحث) الطالبَ مادياً لينجز لها بحثاً وحلولاً لمشاكلها، التي قد تكلّفه ثلاث أو أربع سنوات من العمل البحثيّ الشاق.

وقبل هذا علينا أن ننشر هذه الثقافة في مجتمعاتنا، فإلى الآن أكثر الناس لا يعرف عن الدراسات العليا شيئاً، ولا عن البحوث النظريّة والعمليّة والإحصائيّة والتجريبيّة، فيظنون الدراسات العليا كتباً تُحفظ كالدراسة المدرسية، لذلك لا يوجد ارتباط بين الجهات التي تحتاج الأبحاث من جهة، وبين طلاب الدراسات العليا من جهة مقابلة!

ولطالما كنّا نتباكى على عدم وجود مراكز بحث في ديارنا، وننشر –متحسّرين- الإحصاءات عن المبالغ الطائلة التي تنفقها الدول الراقية على البحث العلمي، وننسى الجهود المضنية التي يبذلها طلاب الدراسات العليا في بلداننا، مع ما يبذلونه من (وقت وجهد ومال) حتى يُنجزوا أبحاثهم، وهي موارد للأمة مضيّعة، أو غير مستثمَرة -بشكل لائق- على أقل تقدير.

الملاحظة الثالثةالاختصار والتركيز في البحوث والدراسات على موضع الإبداع وحلّ الإشكال:

بدلاً من المباحث الطويلة التي تمهّد وتلخّص كثيراً مما ليس ضرورياً للبحث؟

فكثير من البحوث الأكاديمية ليس فيها إلا الجمعُ، وإعادةُ الترتيب، وفي أحيان قليلة إعادةُ الصياغة والإتيان بأمثلة معاصرة.

يجب أن نعمل على أن تصبح بحوثنا دائماً (مركّزة) بدلاً من رُكام الأوراق التي تخلو من العطاء الجديد؟! فكثير من الكتب الإبداعية التي أحدثتْ ضجةً ونقلة نوعية في الوسط العلمي العالميّ؛ عبارةٌ عن مقالة أو كُتيّب صغير!!

لكننا قومٌ مفتونين (بالكمية على حساب النوعية) كما يقول أستاذنا د. عبد الكريم بكار، فالتفاخر -مع الأسف- بعدد الصفحات لا بنوعية الكتابة والجديد فيها! ولطالما سمعنا أنّ الجامعات العالمية المرموقة تعطي درجة الدكتوراه على بحث صغير الحجم، (عدة ورقات) وأصارحكم أنني كنتُ لا أعرف سببَ ذلك وأستغربُه، (كيف يعطون شهادة أكاديمية عالية لبحث صغير الحجم؟!).

وهنا يأتي سؤال: كيف سنتأكّد أن الطالب تملّك المنهج العلميّ، إذا لم يكتب بحثاً طويلاً؟ الجواب: بما أنّ الباحثَ وصل لنتائج صحيحة، وناقشتْه اللجنةُ العلمية (المتخصّصة) واطمأنوا أنه استخدم منهجاً علمياً سليماً، ووصل به للنتائج التي انتهى إليها، فقد حقّق المقصود، وأضحى باحثاً مؤهّلاً لتطبيق ذلك المنهج العلميّ في بحوث جديدة، واستخراج النتائج التي تثري الحقل المعرفي. فلا نحتاج لتكرار المعلومات التي سبقتْ دراستُها، وليس لنا فيها رأيٌ جديد، وذلك لعدة أسباب أهمها:

1-هدر الموارد:

 كإضاعة وقت وجهد الباحث والقارئ، بغير فائدة تناسب ذلك الوقتَ والجهد المبذول، والورقَ والحبر الذي ينتج عن تكبير (ونَفْخِ) المؤلّفات، حتى إنّ الرفوف تأنّ، والأماكن تضيق، بالمجلدات الكثيرة، وأغلبها نسخٌ وتكرار!

2-ضياع الإبداع وسط التكرار:

البحوث الطويلة تُلزم القارئَ لها أن يقرأ شيئاً مكرّراً معروفاً ومذكوراً ببقية الكتب، إذا لم يتنبّه القارئ ويتجاوز ذلك المكرّر، وبخاصة إذا كان ممن يُؤثر قراءة الكتاب كاملاً!، بل ربما أصابه الملل أو الانشغال فيترك البحث قبل أن يصل إلى (الزبدة) أي: المقصود وهو الاجتهادات الخاصة بالمؤلّف، فتضيع جواهر البحث وآراء الباحث الخاصة بين ركام المعلومات المكرّرة. بينما لو اقتصر الكاتب على الزبدة فقط، وأتى بحججها وأدلتها وناقشها جيداً، لقرأها -لا محالة- كل من يطّلع على البحث.

حتى المتخصّص يعجز عن الاطلاع والإحاطة بالمؤلّفات في تخصّصه، لكثرتها وطولها وتكرارها للمعلومات، فلا يقف المتخصص بسهولة على الفروق بين وجهات نظر المؤلِّفين، فـ”كثرة المصنّفات تعيق عن التحصيل” كما ذكر العبقري ابن خلدون رحمه الله في مقدمته.

3-نفاد جهد الباحث قبل الوصول للمقصود:

 في البحوث المطوّلة عندما يصل الباحث للجزء (الذي يحتاج اجتهاداً جديداً) ربما يكون قد أصابعه الإعياء والملل، فلا يعطي هذا الجزء حقّه، وهو المقصود من بحثه أصلاً!! وقد سمعت أستاذنا د. أحمد الريسوني يقول: مشكلة (مبحث المقاصد) أنه يأتي في نهايات الكتب -غالباً- فيصل له المؤلف وقد تعب، فلا يعطيه حقّه من البحث والتمحيص والتوسّع والإنضاج، وهذا من أسباب تأخّر نضوجِ هذا العلم الجليل أي (المقاصد). فالتركيز على المشكلة البحثية وحلّها، يساهم في تفرّغ الباحث أو المؤلّف لحلّ مشكلة علمية أخرى، ولا ينشغل ولا يستفرغ جهده ووقته وطاقته بتكرار وإعادة صياغة المعلومات القديمة المعروفة.

4-رفع سوية الكتابات العلمية:

 نريد الاختصار في الأبحاث حتى نعتاد التركيز على الإبداع والتجديد، ونتخلّص من تكرار المعلومات في المؤلفات كالآلة الناسخة! نريد الاختصار حتى نخفف من ظاهرة: (الاهتمام والافتتان بالكمية على حساب الكيفية والنوعية الجيدة)، فلطالما سمعنا من يقول مفتخراً: “ألّفتُ كتاباً بلغ كذا وكذا من الصفحات”، ولا يذكر قيمتها العلمية! مع أنّ المنطق يقضي بأنّ (الكمية الكبيرة غالباً ما تكون على حساب النوعية الممتازة)، فالجمع بين الكمية الكبيرة، والجَودة العالية نَدَر أن يجتمعا وبخاصّة في مجال التأليف العلميّ.

الملاحظة الرابعةضرورة نشر الدراسات والأبحاث حتى يستفيد منها الناس:

 فبعد الانتهاء من البحث، ومناقشة اللجنة العلمية للباحث، ونيله الدرجة العلمية (ماجستير أو دكتوراه) لا يجد الباحث داراً للطباعة تنشر بحثَه، فيُرمى البحثُ في المخازن أو يبقى حبيس الأدراج، أو في ملفٍ إلكتروني في حاسوب، لا يستفيد منه أحد! على الأقل انشروه إلكترونياً فالنشر الإلكتروني لا يكلّف شيئاً، وإلا فما فائدة هذا البحث إذا لم يأخذ طريقه للنشر والتطبيق في الواقع.

علينا أن نعيدَ النظر بتفعيل الدراسات العليا، حتى تساهم بنهضة بلادنا، فالدراسات الأكاديمية ذات النوعية الراقية، نكسب منها أمرين اثنين: أولاً: باحثون أكاديميون يحملون مناهج علمية في عقولهم، ويطبّقونها في حياتهم. والأمر الثاني الذي نكسبه: بحوث نوعية راقية تساهم في تطوير واقعنا، حتى نستعيد حضارة أمتنا، والله الموفّق.




التجديد بين المقاصديين والنصوصيين

 إنّ تقدّم وانتشار الفكر الذي ينزع نحو توسيع الحريّات والمساواة ومراعاة حقوق الإنسان وثقافة التعايش والتسامح مع الآخر، والسلم الأهليّ، وتقديم العلم التجريبيّ ونزعة العقلنة.. 

ذلك كلّه أدّى لنفور الإنسان الفطريّ، ممّا يعاكس ذلك أو يخالفه، ممّا تجد بعضه في اختيارات المدرسة السلفيّة المعاصرة، وفي كتب (المدرسة التقليدية) التراثيّة القديمة التي كانت في وقتها في القمّة، مقارنة بثقافة وسلوك الشعوب الأخرى حينها، لكن الزمان تحوّل، وأصبحنا على أعتاب عصر جديد، وما زالت الاجتهادات كما هي! 

ونقول: النفور (الفطري) وليس الانبهار بالغرب لأن الفطرة الإنسانية تنفر مما يخالف العدل والرحمة وحفظ حقوق المستضعفين من النساء والأطفال والعبيد والعناية بالطبيعة والرحمة بالحيوان.. وغيرها من القيم التي ينادي بها إعلان حقوق الإنسان العالمي، بعكس ما يروجه الكثيرون أن المعجبين بثقافة حقوق الإنسان وتلك القيم الإنسانية الراقية مبهورون بثقافة الغالب (الثقافة الغربية). 

ونقول: الإسلام جاء مراعياً حقوق الإنسان بل سباقاً لكثير منها، لكن مراعاتنا لها في بعض الاختيارات والتفسيرات البشرية التاريخية كان متفاوتاً، والوعي البشري تطور جداً وأضحى حساساً جداً تجاه ما يخالف ذلك، وهنا ننادي بمراجعة ما يخالف ذلك في بعض الفروع الاجتهادية، وعدم التمسك بتلك الاجتهادات البشرية التاريخية، وبخاصة أنه يتوفر لدينا اجتهادات أخرى (تراثية) وبعضها معاصر تراعي تلك القيم بشكل أوضح، كما أن القيم الكبرى التي نادى بها إعلان حقوق الإنسان، مشترك إنساني ومحل اتفاق بين الأمم بنسبة أكثر من 80%، وليست حكراً على الثقافة الغربية!! 

وهنا نسارع ونقول: لا داعي لإثارة (الأسطوانة المحفوظة) وهي إن الغرب منافق لا يلتزم بهذه المبادئ مع غيره، فعدم التزامهم لا يسوّغ لنا ألا نراعيها نحن كذلك!! وعدم التزام الآخرين بالعدل لا يبيح لنا الظلم، وعدم التزام الآخرين بالأمانة لا يسوّغ لنا الخيانة والسرقة!!    

 مؤخّراً بدأت تظهر دعوات لتجديد الخطاب الدينيّ، كما ظهرت أصوات تنادي بتجديد أصول الفقه نفسه، وهو (قواعد استنباط الأحكام من الأدلّة الشرعيّة)، لأنّ المدرسة السلفيّة يغلب عليها الأخذ بظاهر الكتاب والسنّة مباشرة، وعدم الخضوع للعقليّة الأصوليّة التعليلية المقاصدية العميقة.

الحل بقواعد المقاصديين في التعامل مع النصوص:

لذلك نرى من معالم التجديد الأساسيّة التي ننادي بها: إحياء فقه وقواعد استنباط المدرسة المقاصديّة التعليليّة، فالفقه هو الفهم، و(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) البخاريّ، أي: يفهّمه الدين، ولو كان فهمه ظاهريّاً ميسّراً لكلّ عاميّ لما كان هناك ميزة لمن أراد الله به خيراً، وفقُه الدين. 

وعلى رأس المدرسة المقاصدية المدرسة الحنفية والمالكية، فليس كل حديث صحيح يُعمل به، بل ينبغي أن نعود لكتب أصول الفقه للمذهبين المقاصديين (الحنفي والمالكي) وننشر طريقتهم في التعامل مع الحديث النبوي الشريف، حتى نغلق باب الطعن بكل السنة النبوية المطهرة الذي كان من أهم أسباب ظهوره (برأيي) ردة فعل على المدرسة الأثرية التي جعلت كل حديث – صحيح الإسناد – سنة. 

 من أسباب ازدهار الفكر السلفي:

كان وراء انتشار السلفيّة في العقود الأخيرة الماضية في العالم بسبب تبنّيها من قِبَل الدولة السعوديّة، المدعومة بالثروة النفطيّة، ولبساطة الدعوة السلفيّة، وارتباطها الواضح بظاهر الكتاب والسّنّة، وانغلاق وتكلس ما عداها من الفكر التقليديّ (أشعرية – مذهبية – صوفية) مؤخراً، ذلك كلّه ساهم في انتشار فكر المدرسة النصوصيّة الأثريّة (السلفيّة).

 لكنّ ذلك رافق تشنّجاً وتعصّباً لآراء واختيارات معينة لهذه المدرسة (السلفية)، وجفولاً من المدرسة العقليّة التعليليّة المقاصديّة للأحكام، مع نزعة تشدّد وميل نحو الاختيارات الأصعب أو الأشدّ، أو الأحوط في الغالب، وإلا فللسلفيّة اختيارات فقهيّة ميسّرة، تخالف فيها المدرسة التقليديّة. 

الاتهام بمخالفة الأحاديث:

لكن بعض الجامدين من ذوي النزعة الظاهرية من الذين لم ترسخ قدمهم في علم أصول الفقه (وهو علم آلة الاجتهاد) يقولون: المقاصديون وأهل الرأي يخالفون الحديث، أنترك حديث رسول الله لرأيهم؟!!

 لكن المقاصديين يجيبون: أنتم تخالفون (جيشاً) من الأحاديث والآيات الكريمة، وتتركونها لتُعْمِلوا حديثاً واحداً جاء في حال خاصّة، وهو ما يسمّيه علماؤنا (واقعة عين)، أي: حال خاصّة لها ظروف خاصّة، لا يجوز تعميمها، فلا نعمّم ذلك الحكم الخاصّ الذي جاء في الحديث، ونترك المبدأ العامّ الذي رسّخته مجموعة من الأحاديث والآيات. 

وهذا ما سمّاه الحنفيّة: (مخالفة القياس) أي: مخالفة النصّ الجزئيّ للمبدأ العامّ الذي رسّخته النصوص المتواترة معنويّاً من كتاب وسُنّة، فعندما يأتي حديث آحاد -مثلاً- ويخالف مبدأ عامّاً تدعمه مجموعة نصوص، فيعتبرون حديث الآحاد حديثاً شاذّاً لا يجب العمل به، فليست القضيّة مخالفةً للحديث ومعارضةً له، وهجراً له، لكنّها اجتهادٌ في تأويل ذلك الحديث الذي خالف مجموعة من الأحاديث والآيات الأخرى.

تيارات ضمن التيار الواحد:

وهذا الخلاف قديم يرجع للخلاف بين المدرسة العقليّة التعليلية المقاصديّة، وهم الحنفيّة والمالكيّة والمدرسة النصوصيّة الأثريّة الظاهرية النزعة، وهم الشافعيّة والحنابلة، طبعاً هنا الكلام بالوجهة العامّة والنزعة الغالبة على المدارس الفقهيّة، وإلا فداخل كلّ تيار عريض تيّارات صغيرة، فبين المقاصديّين بعض النصوصيّين، وبين النصّيّين بعض المقاصديّين، وهؤلاء قد يشكّلون اتجاهاً خاصّاً داخل المدرسة الفقهيّة العامّة، كما أنّهم يتفاوتون بالنزعة التعليلية العقلية المقاصدية التي تدل على الفقه وهو الفهم، فالجمود على الظاهر ليس شأن الفقيه بل العوام يفهمون الظاهر، والفقيه الخبير يأخذ بالمقصِد والعلة. 

 وترتيبهم في هذا حسب ترتيبهم الزماني فأعلاهم كعباً الإمام أبو حنيفة صاحب الاستحسان ثم يليه مؤسس المصالح الإمام مالك تلميذ ربيعة الرأي، ثم الإمام الشافعي صاحب الاستصحاب (البراءة الأصلية) وهي أقل تلك المصادر (المفتوحة) عقليةً وحاجة للنظر والاجتهاد، وهو الذي حاول الوقوف في الوسط، لكنه كان أميل للأثريين، ثم الأثري بامتياز الإمام أحمد الذي لم يعده بعض الفقهاء في زمرة الفقهاء! كابن عبد البر في الانتقاء وابن رشد في بداية المجتهد وغيرهم، وأشدّهم نصوصية وظاهرية ابن حزم الذي وقع بأقوال –بسبب ظاهريته- شنّعوا عليه بها، ولم يعتبروا خلافه عند انعقاد الإجماع، وقال قائلهم: (ليس من الحزم الأخذ بقول ابن حزم).

 وهذا لا يعني أنّ النصوصيين أقلّ ذكاء من المقاصديين، بل إنك تجد بين النصوصيين والظاهريين عباقرة أصّلوا ونظّروا لهذه المدرسة كابن تيمية وابن حزم، وإن كانت عقليتهم مقاصدية مصلحية تبعاً للطوفي الحنبلي!

هل نقاطع النصوصيين؟

وهذا لا يدعونا للميل إلى بعض المذاهب وهجر غيرها، فلا يوجد مذهب جمع الصواب كلّه، كما لا يوجد مذهب غلب عليه الخطأ، بل كل مذهب كان عنده إشراقات في بعض الاجتهادات ورؤى عميقة وموفّقة، وفيها توسعة على عباد الله. 

كما أنّ هذه النزعة أقصد: (المقاصديّة والنصوصيّة) هي طريقة تفكير موجودة في كلّ الأديان والمذاهب الفكريّة، في كلّ زمان ومكان، ففيهم من يجمد على نصوص القانون، ومنهم من ينظر لمقاصد القانون وروحه. 

وما حادثة بني قريظة منّا ببعيد حينما (طلب النبيّ ﷺ عدم صلاة العصر إلا في بني قريظة)(1) فبعضهم نظر للهدف والمقصِد؛ وهو الإسراع، فصلّى في الطريق، وبعضهم تمسّك بظاهر الكلام، فلم يصلِّ إلا في بني قريظة، وأقرّ النبيّ ﷺ الفريقين، لمعرفته بأنّ أذهان الناس هكذا منذ القدم وسيبقون إلى قيام الساعة، منهم من ييبحث عن المقصد، ومنهم الذي يكتفي بظاهر الكلام، ومن الطريف أنّ ابن حزم قال: (لو كنت معهم ما صليت إلا في بني قريظة)، وأنّ ابن تيمية قال: (الصواب مع من صلى في بني قريظة)، وبذلك يتصالحان مع نزعتهما النصوصية. 




المنقِذ من الجمود الديني

الجمود الفكري والعلمي والاجتهادي أحد أسباب تخلفنا وحتى تنهض أمتنا من جديد لا بد من كسر قيد الجمودولكي نتخلّص من الجمود وندخل في التجديد والاجتهاد المطلوب أقترح أن نقوم بالخطوات الأربعة الآتيّة

الخطوة الأولى: ترك مهاجمة من يترك التقليد:

 ليت الجمود يقتصر على نفسه، بل –مع الأسف- يتناول كلّ من تجرّأ واقتحم غمار الاجتهاد، فلا يتلقّى تشجيعاً كما هو المفروض أنه الطبيعيّ والمنطقيّ، بل يُواجه بالاستهزاء والسخريّة والهجوم والاتهام. لا بدّ أن نترك عقليّة الهجوم على كلّ من يخالفنا ونتّهمه في دينه وعقله وانتمائه وولائه، فهذا: (مبهور بالغرب)، وذاك (يحبّ الظهور) لذلك يخالف الرأي السائد (المقرّرات)، والآخر (مشبوه)، وفلان (لم يأخذ عن الراسخين)، وعلّان (غير متخصّص)، و(دع عنك إرضاء اليهود والنصارى)، ودع عنك (الأقوال الشاذّة)، و(مَنْ قال بهذا قبلك؟!)، وهذا (مخالف للجمهور)، وهذا (خَرْقٌ للإجماع)، وذاك (عميل)، وهذا (دَرَس أو درّس أو عاش في الغرب).. مع أنّ كثيراً من رموزهم تنطبق عليه بعض الصفات الماضية، لكنّه لم يخالفهم، فلا مشكلة، أمّا لو خالفتهم فسيرمونك بكلّ تهمة، وسيلبسونك أيّ تهمة تناسبُك.. خالفْهم فقط وسترى العجب.. من قائمةِ التُهَمِ المجهّزة مسبَقاً. صحيح أنّ الصواب من الجماعة أقرب، لكن هذا ليس بإطلاق، فكم رجّح علماؤنا قولَ عالم بخلاف الجمهور، وكان قوله هو المخلّص والموئِل في كثير من النوازل، فميزان الحقّ ليس بالإحصاء والأغلبيّة، فذاك مجاله بالانتخابات السياسيّة وليس طريقة للترجيح العلميّ! وإلا لكان الترجيح بحسب الأغلبيّة دائماً، وهذا ليس سبيل المحقّقين، نعم يمكن اللجوء للأغلبيّة عند تكافؤ الأدلّة، أمّا عند رجحان الدليل والحجّة على غيره، فندور مع الدليل أينما دار. أمّا عن إرضاء الآخَر من اليهود والنصارى والغرب والآخرين كلّهم، فهؤلاء (الآخرون) متقدّمون وسعداء ومشغولون بأنفسهم، راضون بواقعهم، وهم ليسوا متآمرين علينا يريدون فَرْضَ حلولهم التي نجحت في مجتمعاتهم، فهم ليسوا حقول تجارب ثم يصدّرون لنا ما نجح عندهم، وهم لا يهتمّون بنا ولا بأفكارنا، إلا بمقدار ما يمسّ مصالحهم، ويؤثّر عليهم، بينما نحن من يذوق ويلات أفكارنا، وجمودنا، ونحن مَنْ تخلّفنا عن فقهائنا وعلمائنا العظام، الذين كانوا يجتهدون ويجدّدون، ويغيّرون أقوالَهم، ويخالفون شيوخَهم، ويتّبعون الحجّة والبرهان من أيّ إناء خرج، فنحن بحاجة للحكمة من أي إناء خرجت. يجب التعويل على الحجّة والبرهان في نقاش من يجتهد، ولا نترك القول والاجتهاد الذي قدّمه، ونهاجم القائل: هل جمعتَ شروط المجتهد؟ هل حفظتَ كذا؟ هل فعلتَ كذا؟ بدلاً من مهاجمة القائل واتهامه بكلّ نقيصة ناقشْ فكرتَهُ وأدلّتَهُ، اعتبره لم يملك شروط الاجتهاد التي تشترطها، لكنّه استطاع أن يتعب ويأتي بقولٍ ويستدلّ عليه، ويأتي بالحجج والأدلّة، وقدّم وجهة نظره في اجتهاده ذاك، فلنناقش الفكرة ولنترك المتكلّم.

الخطوة الثانية: نشر ثقافة الاجتهاد والتجديد: 

لن نستطيع الإبداع العلميّ، وأن يكون لنا شهود حضاريّ في عصرنا، حتّى نحطّم الأصنام الفكريّة المزيّفة التي نعكفُ عليها، وننشر بدلاً عنها أفكاراً صحيحة، قابلة للتطبيق، ونناضل في نشرها حتّى تضحي مألوفة معروفة، وتأخذ حقّها من التطبيق والانتشار. فالفكرة تأخذ قوّتها من صحّتها وحجّتها وأدلّتها: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:١١١] أوّلاً، ثمَّ من صلاحيّتها للتطبيق في الواقع ثانياً، ومن مدى انتشارها ثالثاً، فما فائدة فكرة ممتازة غير معروفة؟!! ومن تطبيقها عمليّاً رابعاً، وإلا فستبقى فكرة لا أثر لها في أرض الواقع. وآفة العلم الجمود والتحجّر والانغلاق، وكثيراً ما نبني أسواراً عالية ونسجن أنفسنا داخلها، فمن أين يأتي التجديد؟ فإذا كنّا التزمنا بالمدرسة الفكريّة التي نشأنا فيها بحكم الظروف، ولم نخترها بعد دراسة مقارنة، وإذا كنّا لا نقرأ إلا لنفس المدرسة، ولا نسمع إلا لها، ولا نزور إلا رموزَها، ولا نصاحب إلا منها، من أين سنسمع الرأي المخالف أو الحجّة المُغايرة؟!! بينما علينا أن نربي (طلّاب علم) باحثين، يتعشّقون الأسئلة الجديدة، ويجِدّون بالبحث والتفكير في حلّها، يتقنون فنّ البحث، وحلّ المشكلات، والحفر المعرفيّ، والإتيان بحلول (من خارج الصندوق) كما يُقال، أي: من خارج المقررات التي يحفظونها، أو من داخل الصندوق، إذا كان ما في الصندوق صالحاً لزماننا، فالمشكلة لا تبرز أصلاً لو كان القول القديم المعروف المنتشر يُنجِد ويُسعِف ويَصلُح، المشكلة تبرز عندما يصبح ما حفظناه يلائم زماناً سابقاً، والواقع قد تغيّر مائة وثمانين درجة! ويلزمنا أن نضع منهاجاً ينتج بنهايته طالبَ علمٍ مؤهّلاً للاجتهاد بدرجاته المختلفة، وتقف درجة الطالب الاجتهاديّة مكان وقوفه، بحسب قدرته وإرادته وهمّته، بمعايير دقيقة وواضحة، وللإنصاف فقد سبقنا الشيعة الإمامية في هذا الأمر. أمّا أن نربيّ ببغاوات يكرّرون ما حفظوه، فالببغاوات لا يصلحون إلا للعَرْض والتندّر. وقد قدّم الفاروق عمر رضي الله عنه أعظم نموذج لفقيه يراعي الواقع ويتفاعل معه، ويقدّم المصلحة المعتبَرة شرعاً بما لا يُعارض مقاصد الشرع، فأوقف العمل بعدّة نصوص قرآنيّة، مراعاة للواقع، الذي تبدّل برأيه رضي الله عنه، والحقيقة أنّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يوقف العمل بالنصّ بالتشهّي بل إنّ شروط العمل بالنصّ لم تعد تتحقّق، والواقع الذي جاء النصّ له قد تبدّل. ولو كان بعض الجامدين في زمنه لأنكروا عليه ترك العمل بالنصوص! وكثير من فقهائنا رووا أحاديث وخالفوها في اجتهاداتهم، لأنّهم قدّموا نصوصاً أخرى عليها، مراعين مقصد الشارع الحكيم، والمبادئ العامّة التي رسّختها النصوص، فعلوا ذلك كلّه باجتهادهم ورأيهم. كما فعل الإمام مالك رحمه الله في أحاديث رواها في الموطأ ولم يعمل بها، ومثله الإمام محمد صاحب أبي حنيفة الذي روى الموطّأ، وهذا مشهور معروف في كتب الفقه التي تذكر الأدلّة ووجه الاستدلال، حيث يسوقون القول ويذكرون الأدلّة التي أخذوا بها ورجّحوها، كما يذكرون الأدلّة التي خالفوها والردود عليها

الخطوة الثالثة: الاستفادة من أطروحات المفكّرين والباحثين المعاصرين: 

من المفيد أن ينظر المتخصّصون في الفقه في الاجتهادات المعاصرة الجديدة، وبخاصّة في آراء (المفكّرين) من غير المتخصّصين في الفقه، فهؤلاء المفكّرون أقرب لروح العصر والواقع والعُرف البشريّ، وأكثر انعتاقاً من قولبة وتأطير الاجتهادات القديمة، التي يغلب عليها ثقافة تلك العصور، فليأخذوا من اجتهاداتهم المعاصرة ما يرونه صالحاً، ثمَّ يؤصِّلونه ويذكرونه كاجتهاد معاصر.. فعند المفكّرين منجَم غنيّ من الاجتهادات المعاصرة الممتازة، كثير منها مؤصّل، وبعضها ينقصها التأصيل، فكثير من المفكّرين لا يصبرون على الـتأصيل، وربما بعضُهم لا يتقنه، وقد كان الفاروق عمر رضي الله عنه يستعين بالشباب من صغار السنّ، يعجبه حِدّة ذكائهم في حلّ المشكلات، فلماذا نزهد نحن بأقوال غير المتخصّصين من الأذكياء وأصحاب الرأي؟! ومن البدهيّ هنا أن نقول: كلّ من يجتهد يخطئ، فليست كلّ أفكارهم صحيحة بطبيعة الحال. لكن المثقف المتخصّص بتخصّص ما قد يرى آراء فقهية في مجال تخصصه تكون موفقة ومناسبة لروح العصر والدين، أكثر من رأي الفقهاء القدماء، لأن الواقع تغيّر، وظهرت فيه تفاصيل لا يحيط بها عادة إلا الفقيه المعاصر، ومن التوفيق أن المجامع الفقهية تستعين بالمتخصصين في اجتهاداتهم المعاصرة

الخطوة الرابعة: نشر ثقافة الاجتهاد المقاصدي: 

هذا لا يعني فتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ، ليقول في دين الله برأيه وهواه، دون علم وبرهان، لكنْ لو قال مثقّف أو مفكّر -غير متخصّص- رأياً دينيّاً، فعلينا أن ننظر فيه بحياديّة كاملة، ولا نردّه لمجرّد كونه خرج من غير متخصّص، فالعبرة هنا بطريقة الاستدلال والحجّة والبرهان، (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ). نحن ندعو المتخصّصين إلى أن ينفتحوا على كلّ الأقوال والاجتهادات، قديمها وحديثها، ما كان ضمن المذاهب الأربعة، وما كان خارجها، المهمّ أن يكون ممّا نُقل إلينا مع دليله وحجّته، وعندها لا يهمّنا مَنْ القائل؟ بما أنّ القولَ ودليلَه أمامنا، نستطيع تأمّله ووزنه بميزان العلم والحُجّة والبرهان. فالمطلوب الانفتاح على كلّ الاجتهادات، وأن يجتهدوا بما يناسب روح العصر، مراعين مقاصد الشارع الحكيم، والقيم العامّة، والمبادئ القطعيّة، فهذا هو لبّ الدين وبه يكون صالحاً لكلّ زمان ومكان. أمّا النصوص التفصيليّة فقد راعت الظروف الخاصّة زماناً ومكاناً وحالاً، فالمهمّ الحفاظ على النسق العام والمقاصد القطعيّة والمبادئ الراسخة، وعدم تضييع المبادئ العامّة لنصّ جزئيّ جاء في حال خاصّة. هذه خطوات أربعة لعلها تساهم في طريق التخلّص من الجمود والدخول بالتجديد المنشود، ولعل بعض الباحثين يساهمون في خطوات أخرى حتى تكتمل الرؤية ويتضح المنهج. والله من وراء القصد




التجديد بين مطرقة التقليديين والسلفيين!!

أحد أهمّ أسباب تخلّفنا عن عصرنا هو تخلّفنا عن ديننا، فإسلامنا جاء مرناً متجدّداً صالحاً لمواكبة الزمان والمكان، فجمدنا عند آراء السابقين، كأنّها وحي منزَل، فأنتجنا متعصّبين جامدين كما نرى في كلّ ميدان علميّ، فالجمود في كلّ التخصّصات والصناعات، ليس مقتصراً على التخصّص الشرعيّ فقط، فثقافة إبداع حلول جديدة، ما زالت تحبو في مجتمعاتنا!
وإن كان التقليد والجمود في المجال الشرعيّ أكبر، لاستخدام القامعين- والصادّين عن الاجتهاد- لسلاح الزجر الدينيّ: أتريد تحريف دين الله؟ أتريد الابتداع في الدين؟ أأنتَ خير من الأئمة السابقين؟
فأصبح خطابنا الإسلاميّ بأطيافه: السلفيّ والتقليديّ لا يناسب واقعنا الذي تغيّر عن السابق بما لم يخطر على قلب بشر! فكيف نحتكم في زماننا لأقوالٍ دينيّة اجتهاديّة كُتبت لزمانٍ الفرقُ بينه وبين زماننا كبير؟!
كما أنّ الغالب على خطابنا الدينيّ الأقوال المتشدّدة التي تميل للانعزال عن الأمم الأخرى والانسحاب من الحياة، والجفول من كلّ جديد!
 وسأتكلم هنا عن المدرستين المسيطرتين على الساحة الإسلامية في أيامنا، المدرسة التقليدية والمدرسة السلفية:

أولاً: هيمنة الخطاب التقليديّ:

يسيطر الخطاب التقليديّ الذي يحصر الفقه بالمذاهب الأربعة، والعقيدة بمذهبَين (الأشعري والماتوريدي)، ويتفاوتون بتعلّقهم بالتصوّف بتدرّجاته ومدارسه، ويغلب عليهم التقليد، ويبتعدون عن الاجتهاد والترجيح.
   وهنا للإنصاف علينا أن نذكر أهم ميزات المدرسة التقليدية: أنهم حفظوا لنا الدين ونقلوا اجتهادات السابقين وكان منهم المفتي والواعظ والمربي والعالِم الذي ينشر العلوم الشرعية المختلفة، وعليهم درسنا ومنهم نهلنا أصول العلوم الشرعية، وهم غيورون على الدين متمسّكون به مدافعون عنه، لكن ما نأخذه عليهم أنهم يجمدون على أقوال السابقين.
ومع الأسف أغلب تربيتنا العلميّة والفكريّة تقوم على التلقين والحفظ، وتصبّ في ثلاثة مهام، كلّما أتقنها الطالب)الذي سيصبح عالماً يكون مقدَّماً وراسخاً ((عندهم:
1- كيف تحفظ المقرّرات؟ 
2- كيف تجتهد بنشرها وتتفنّن في ذلك؟
3- كيف تدافع وتنافح عن تلك المقرّرات؟
وتلك المقرّرات ما هي إلا اختياراتٌ من أقوال متعدّدة، فهناك مدارس ومذاهب أخرى، لا تُدرس تلك الأقوال أصلاً، بل إن دُرست فلا تُدرس بإنصاف، فكثيراً ما يأتون بالأقوال غير المعتمدة، ولا ينقلون أدلّتها كلّها، فيظهر قول المدرسة الأخرى ضعيفاً هزيلاً ثمَّ يردّون عليه، فيُورِث ذلك طالبَ العلم تعصّباً لمذهبه الذي درسه.
وهذا ما يسمّونه في المغالطات المنطقيّة: (مغالطة رجل القَشّ)، حيث تُصَوَّر الفكرةُ تصويراً هزيلاً كرجل القشّ، فيسهل حرقه والقضاء عليه! بينما الفكرة الحقيقية تكون أقوى من (رجل القشّ) بمرّات وكَرَّات، لكن لو صوّروها على حقيقتها لعجزوا عن إحراقها، أو الردّ عليها أو نقدها! فيلجؤون لمغالطة (رجل القشّ).
 لذلك من المتعارف عليه في المنهج العلميّ، أنّ الأقوال تُنقل من كتب أصحابها، لا ممّن نقل عنهم، لاحتمال الخطأ بالنقل، أو الوهّم بالفهم أو التحيّز وعدم التثبّت، أو غيرها من العلل والآفات.
وكان من أهم مظاهر المدرسة التقليدية حصرهم للفقه بالمذاهب الأربعة.

1-حصر الفقه بالمذاهب الأربعة:

أمّا حصر المذاهب الفقهيّة المعتبرة بالمذاهب الأربعة، فتلك أيضاً قضيّة أضرّت بالفقه الإسلاميّ عموماً، فالمذاهب الأربعة لم تستوعب كلّ الاجتهادات، كما أنّها لم تغطِ الوجوه الخلافيّة المحتمَلة للمسائل كلّها، والواقع أكبر دليل على ذلك، فهناك أوجه خلاف خارج المذاهب الأربعة، خلافاً لمن يزعم أنّ المذاهب الأربعة تقاسمت وجوه الخلاف الذي تحتمله المسائل!.
صحيح أنّ بعض المجتهدين من أتباع المذاهب حقّقوا ودقّقوا، لكن ضمن المذهب، ونادراً ما يخرجون عن أقوال الإمام، ولو خرجوا لما كان خروجهم مرحباً به عند كثيرين، فمثلاً: الإمام الوليّ العراقيّ الشافعيّ غضب من ترجيحات الإمام النوويّ الشافعيّ (التي خالف فيها أقوال الإمام الشافعي) وقال: “وَنَحْنُ شَافِعِيّة لَا نَوَوِيّة” لكن رغم ذلك أصبح الإمام النوويّ مرجّحاً ومحرّراً ومحقّقاً في المذهب الشافعيّ.
فحَصْر المذاهب المقبولة بالمذاهب الأربعة نفعها كثيراً، حيث تركّزت عقول العلماء فيها، فخُدمت هذه المذاهب الأربعة، ولكن ذلك أضرّ بغيرها (من المذاهب والأقوال) واندثر كثيرٌ منها.
كان الإمام الشافعيّ رحمه الله يقول: “الليث أفقه من مالك، إلا أنّ أصحابَه لم يقوموا به”.
 كما أنّ حَصْر مَنْ تأهّل للاجتهاد بمذهب من تلك المذاهب الأربعة، ضيّق إمكاناته كثيراً، كالحصان القويّ الذي تَربِط قدميه وترخي له الوثاق قليلاً، بحيث تسمح بفرجة قصيرة بين أقدامه، فتحرمه من الانطلاق، وتجعله يمشي ببطء شديد بسبب قيوده، وهو المؤهّل أن يجري ويسابق الريح! وكذلك بعض العلماء الذي تقيّدوا بالمذاهب، لعلّ بعضهم كان إماماً ربما يفوق إمامه مؤسّس المذهب بالاجتهاد والرأي.
لكنهم حَجرُوا عليه وقالوا: لا يحقّ لك الاجتهاد المطلق، أي مباشرة من الكتاب والسنّة بقواعدك الاستنباطيّة التي تختارها، بل لا بدّ من التقيّد بقواعد إمام المذهب، ولا يجوز لك مخالفة الإمام، بل تستنبط أقوالاً وتستخرجها من كلام الإمام!! وهو ما يُعرَف بالتخريج على قول الإمام.
والمشكلة المعاصرة التي نواجهها أنّ الواقع ضاق بأقوال المذاهب الأربعة، ولم تعد أقوالهم تسعف الواقع، واحتجنا إلى الخروج على أقوالهم إلى بعض اجتهادات غيرهم من السلف أو المعاصرين! لكن الخارج عن المذاهب الأربعة لا يسلم من الهجوم عليه، لأنّه خالف المذاهب الأربعة! الذين كثيراً ما يسمّونهم: (الجمهور)، بل بعضهم يسمّي اتفاقهم: (إجماعاً)، عملياًّ لا نظريّاً، فلا يقول: (المذاهب الأربعة) إذا اتفقوا يعدّ اتفاقهم إجماعاً لا يجوز الخروج عليه، لكنّه عمليّاً هكذا يفعل، فمن يخالف ما اتفق عليه المذاهب الأربعة، يقولون له: أنت تخالف (الجمهور) ومن يخالفهم فقوله (شاذّ مردود)!
مع أنّنا نقول: لو كان أئمة المذاهب الأربعة في زماننا لغيّروا من اجتهاداتهم، لتغيّر الواقع.
لكن الجامدين يرمون كلّ مخالف للمذاهب الأربعة بالشذوذ ويحذّرون منه، كأنّ الله تعبّدنا بهذه المذاهب فقط!
والجمود على أقوال السابقين يعطيها عصمة وقدسيّة لا تجوز لغير الوحي، كما أنّها تنافي أنّ الوحي لا تنقضي عجائبه عبر العصور!!
ناقشتُ مرّة أحد أساتذتي الراسخين في موضوع: (فتح باب الاجتهاد المغلَق)، فقال: “لا تتعب نفسَك بهذا الموضوع واجتهد، لا أحد يمنعك!”
وصدق أستاذي (إلى حدٍّ ما) فهذا ما يفعله بعض الفقهاء الراسخين، وبخاصّة في المجامع الفقهيّة، والكتابات الفقهيّة المعاصرة، والدراسات الأكاديميّة العليا، لكن عدم تعميم هذه الفكرة، أعني: (فتح باب الاجتهاد لكلّ من يمتلك المؤهّلات الممكنة والمعقولة ويبذل وُسْعه في اجتهاده) وتشجيع الجميع على ذلك، وترك الشروط التعجيزيّة، أقول: إذا لم نفعل ذلك فنحن نحرم أنفسَنا من طاقات كبيرة وجبّارة، فلو فتحنا الباب أمام المؤهّلين، وشجّعناهم لقدّموا لنا حلولاً للكثير من الإشكالات.
تجدر الإشارة هنا إلى (الشروط التعجيزيّة للمجتهد[1]) التي وضعها المصنّفون (في زمن الجمود الفقهيّ) وأدعو للعودة إلى زمن الازدهار الفقهيّ في القرون الخمسة الأولى، (وإن كان هناك طفرات مشرقة في القرون التي تلتها، لكنّها كانت كالاستثناء الذي يؤكّد القاعدة).
 

2-تكريس التقليد:  

تم تكريس ثقافة التقليد عبر قرون (من القرن السادس الهجري إلى القرن الثاني عشر الهجري تقريباً)، حيث بنوا للتقليد منظومة فكرية متكاملة يشدّ بعضها بعضاً، من وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة، وإغلاق باب الاجتهاد، واعتبار الأخذ من أكثر من مذهب تلفيقاً غير مسموح به، والطعن بمن خالف هذا؛ بل السعي به عند الحكام وسجنه، وإغراء العامة بالاعتداء عليه، وربما وصل الأمر إلى السعي في قتله. 

واعتقاد أنّ حل كل مشاكلنا والإجابة عن تساؤلاتنا موجود ومسطور في كتب التراث، لكن مشكلتنا بعدم العلم والاطلاع على كنوز التراث! فالأجوبة للتحديات المعاصرة كلها موجودة تحتاج من يستخرجها من كتب التراث.  

3-الشروط التعجيزيّة للاجتهاد: 

    يمكن أن نتفهّم سبب إغلاقهم باب الاجتهاد بعد القرن الخامس، وذلك بسبب عدم وجود نوازل جديدة تُذكَر، لم ينصّ على حكمها القدماء، فالعصور تكاد تكون عصراً واحداً مكرّراً، لا جديد فيها!! 

ففي عصر الازدهار الفقهيّ (القرون الخمسة الأولى) تفنّن فقهاؤنا بالاجتهاد والتصنيف والنصّ على حكم كلّ مسألة واقعة، بل تعدّوا واقعهم إلى افتراض مسائل لم تقع وأجابوا عنها، ومرّت عدّة عصور وهم يصنّفون، ثمَّ جاء زمن جمع هذه المادّة العلميّة وترتيبها وتصنيفها (زمن المتون)، فأغلقوا باب الاجتهاد الجديد، وهاجموا كلّ من حاول فتح ذلك الباب، وكان من وسائلهم في إغلاق ذلك الباب (الشروط التعجيزيّة) التي اشترطوها لمن يريد بلوغ (درجة الاجتهاد)، بينما كان الأصل أنّ كلّ فقيه مجتهد، فبمجرّد أن تكون فقيهاً فأنت مجتهد في استخراج الأحكام، حتّى اشترطوا الاجتهاد في المفتي والقاضي وحتّى الحاكم! ممّا يدلّ على أنّ صفة الاجتهاد ينبغي أن تكون منتشرة جدّاً.

ومما كرّس هذه الفكرة سيطرة سوء الظن بزماننا على العقل المسلم فدائما ما سبق خيرٌ مما سيأتي!

4-سوء الظنّ بزماننا: 

 مع الأسف بقيت أدبيّات ورواسب هذا الجمود إلى أيّامنا هذه، فلو سألت عن مجتهد في زماننا لضنّوا أن يشيروا إلى أحد!! فهل خلا زماننا من المجتهدين؟! 

الحقيقة لا، لم يخل من مجتهدين، ففي زماننا الكثير من المجتهدين، وهم يمارسون الاجتهاد بتفاوت، بين درجات الاجتهاد (مطلق، مقيّد، بمسألة، بترجيح، بفتوى) لكنّها الصورة النمطيّة التي رسموها في مخيّلتنا للمجتهد الذي يحوز (منصب الاجتهاد!) فلا تنطبق على أحد!! 

كما أنّ سوء الظنّ في زمان كلّ كاتب أو متكلّم سمة عامّة، والحنين للماضي المتخيّل وليس الحقيقيّ صفة عامّة في المتكلّمين والكتّاب، ولو رجعت إلى قدماء المصنّفين لوجدت ذمّ زمانهم والترحّم على السابقين، فمن هم أولئك السابقون إذا كان كلّ جيل يعيب زمانه!! وهذا من زمن الصحابة رضوان الله عليهم!! 

الحقيقة أنّ كلّ زمان فيه الخير وفيه الشرّ، لكنّ الإنسان من إنكاره للواقع وتشوّقه لعالم المثاليّة (غير الموجود أصلاً) يهرب إلى المستقبل (المأمول)، أو الماضي (الجميل)! 

وقديماً قالوا: (المعاصرة حرمان) وقالوا أيضاً: (المحروم من حُرم بركة أهل زمانه)، لكنّ العاقل يعرف قدر الرجال، فلا يحرمه القرب المكانيّ (مزمار الحيّ لا يُطرب) أو القرب الزمانيّ (المعاصرة حرمان)، فكثير من الأئمة ربّما كانوا في زمانهم لا يسمّونهم أئمة، ثمَّ أطلقوا عليهم لقب (الإمام) في العصور اللاحقة، والواقع أنّ عصرنا أفضل من العصور السابقة، من حيث انتشار العلم والوعي والقراءة والكتابة والتديّن الواعي، وتقلّص مساحة الخرافات والشعوذة والجهل والتقليد. 

المنطق يقول: كلّ عالم يأتي بعد من سبقه، من المفترض أنّه اطلع على آخر إنجازات السابقين واكتشافاتهم وتطويراتهم، وهو بدوره يضيف عليها، فينبغي أن تكون معلوماته أنضج ممّن سبقه. 

 ولو رجعتَ إلى سِيَرِ أئمّة الاجتهاد ستجد أنّهم يتناقشون ويغيّرون آراءهم بعد الاقتناع، وبعضهم يغيب عنه نصُّ حديث، وبعضهم لا يستحضر آية قرآنيّة في الموضوع الذي يتحاورون فيه، فيذكّره الآخرون بالآية، ويعترف بعضُهم بضعفه في مجال ما (من أدوات الاجتهاد الأساسيّة) مثلما روي عن الإمام الشافعيّ أنّه طلب من تلميذه الإمام أحمد أن يساعده ويصوّب له ويذكّره لو خالف حديثاً نبويّاً، ويقول له: (أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فاعلموني حتى أذهب إليه، كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً)(1) ولم يعترض أحدٌ على الإمام الشافعيّ رحمه الله ويقول له: فكيف تجتهد؟ وكيف تغيّر مذهبك؟ وكيف تخالف أستاذَك الإمام مالكاً؟ بل كيف تتجرّأ وتكتب ردّاً عليه!! إلا ما كان من بعض متعصّبي المذهب المالكيّ ممّن تعرّض للإمام الشافعيّ رحمه الله بالضرب المبرّح الذي تسبّب بموته رحمه الله! 

 فهل نحن في زماننا نقتدي بمن لم يعترض على الشافعيّ رحمه الله؟ أم نحن أشبه بذلك الأحمق الذي قتل الإمام الشافعيّ رحمه الله؟ 

كم نقتل من أئمة في زماننا، بمناهجنا التعليميّة السقيمة؟ كم نئِد من موهبة بأسلوبنا القاتل في معاملة من يجتهد ويحاول الإتيان برأي جديد؟! 

5-آفة كتب المناقب: 

وهنا يجب التنبيه إلى أنّك إذا أردت أن تنظر في سير العلماء المجتهدين وحياتهم وصفاتهم ومؤهّلاتهم العلميّة، فعليك أن تنظر في غير كتب (المناقب)، فتلك الكتب آفتها أنّها تقتصر على (المناقب)، وغالباً ما تتساهل في الروايات والمبالغات التي تجعل المترجَمين أقرب إلى الملائكة منهم إلى البشر، ممّا يخرجهم عن واقعيّة القدوة التي يمكن التأسّي بها، فالمباريات كانت حامية الوطيس بين أتباع المذاهب في جمع (مناقب أئمتهم) والحقيقة –مع الأسف- لا تُسعِف في مباريات ومزايدات (مدح الأئمة)، فإذا كان إمام المذهب المخالف يصلّي نصف الليل، فسنجعل إمامنا يصلّي الليلَ كلّه، وإذا كان إمامهم يفعل كذا، فسنأتي بروايات تجعل إمامنا يفعل أضعافَه، وإذا كان إمامهم يحفظ كذا فسنروي أنّ إمامنا يحفظ كذا وكذا أضعاف من ينافسنا. 

لكنّ الذي يقرأ شروط المجتهد عند الإمام الغزاليّ رحمه الله في المستصفى – مثلاً – يرى الشروط المقبولة والمعقولة للمجتهد. 

كما أنّ الصواب أنّ الاجتهاد يتجزّأ، فيمكن للباحث أن يجتهد في مسألة أو مجموعة مسائل، أو في باب فقهيّ ويبلغ فيه مرتبة الاجتهاد، وهذا ما يمشي عليه كلّ الباحثين في الدراسات العليا في أطروحاتهم العلميّة، أو بعبارة أصحّ: هذا ما ينبغي أن يمشي عليه كلّ الباحثين في بحوثهم. 

المشكلة أنّنا بإغلاقكم باب الاجتهاد، لا يلتفت لكلامنا إلا الصالحون، أمّا من نخشى اقتحامه لهذا الباب من غير المؤهّلين، أو من يريدون هدم الدين من داخله، فلن يلتفت إلى كلامنا أصلاً، والواقع أكبر دليل، فنحن -عمليَاً- نمنع الصالحين والمتخصّصين، وعدم وجود الاجتهادات الجديدة التي تراعي الواقع، تدعو الناس لجعل الفقه الإسلاميّ وراءهم ظهريّاً. 

كما أنّ عدم صلاحيّة بعض الاجتهادات القديمة للواقع تدفع الحكّامَ ورجال القانون لاعتماد أنظمة معاصرة غير إسلاميّة! 

فلندعُ لفتح الباب للاجتهادات الجديدة، ولا نخشَ، فدين الله محفوظ، ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)) [الرعد:١٧]. 

ثانياً: انتشار السلفيّة الأثريّة:

بداية لا بدّ من تسجيل الإعجاب بالمدرسة السلفيّة التي خفّفت كثيراً من التعصّب المذهبيّ، وفتحت باب الاجتهاد، لكنّنا نأخذ عليها أنّها اقتصرت على منهج الحنابلة والمحدّثين الذين يغلب عليهم الظاهريّة في التعامل مع النصّ، وأهملت السلفيّةُ الاجتهاد المقاصديّ الذي انتهجته مدرسةُ أهل الرأي (الحنفية والمالكية)، كما أنّها تعصّبت لما رجّحته من المسائل الخلافيّة! فوقعت فيما ذمّته في غيرها!
يقولون: (لا تقل رأياً ليس لك به سلف)، وقد سألتُ عن هذا أستاذي الدكتور محمد الزحيليّ حفظه الله، فقال: “هذا القول ليس له سلف!”.
فجاءت المدرسة الأثريّة ذات المزاج الظاهريّ، وأعملت النصوص التي اعتبرها الفقهاء مخصّصَة أو مقيَّدة أو منسوخَة أو شاذَّة، لأنّها تخالف المبادئ العامّة التي جاءت النصوص الأخرى لترسيخها ومراعاتها، ودون مراعاة للسياقات العامّة التي رسّختها النصوص الكثيرة، فأصبح فقههم -غالباً- غير منضبط بمقاصد ومبادئ عامّة، فالأحكام عندهم تعبّديّة ليست معلّلة، فلا ينظرون لعللها ومقاصدها.
فهي تجعل النصوص التفصيليّة رائدَها، و-غالباً- لا يقومون بوضعَ نسق عام يضبط النصوص، بل يتعاملون مع كلّ حديث كأصل قائم بذاته، وبالتالي ففيه قوّة على معارضة غيره من المبادئ والقواعد العامّة! التي رسختها نصوص كثيرة.

 بخلاف المدرسة التعليليّة المقاصديّة التي تجتهد في وضع أنساقٍ وقواعد، يستخرجونها من علل النصوص ومقاصدها، ثمَّ يجعلونها ضابطاً يرجعون له في فهم النصوص الجزئيّة الظنيّة الثبوت أو الدلالة، التي تخرج عن السياقات والمقاصد، فيقدّمون العمل بالقواعد العامّة على النصوص الجزئيّة التي تعارضها، وليس ذلك بالتشهي والتحكّم بل حسب اجتهادهم في فهم النصوص وعللها ومقصِد المشرّع.
طبعاً هنا لا نطالب بتجديد كلّ شيء، ففي الشرع أحكامٌ نصّ عليها الشارع الحكيم بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، أو قريبة من ذلك، وهي ما لا يتغيّر حسب الزمان والمكان، وهي من الثوابت التي لا يجوز المساس بها ولعلنا نتكلم لاحقاً عن ضوابط وقواعد إرشادية تبيّن ملامح التجديد الذي ننادي به[2].


[1] سيأتي الحديث عنها أيضاً ضمن عوائق التجديد.

[2] في بحث الإلحاد الجديد ومعالم التجديد الديني الستة.