لماذا يخافون الجهرَ بآرائهم التجديدية؟

 

(جراحةٌ في الأعماق)

المقدمة

جمعنا من عدة أيام مجلسٌ مع أحد رموز الحركة والفكر الإسلامي، ودار الحديث بمواضيع متعددة، وكان يُصرّح بآراء جريئةٍ ومفيدةٍ للساحة، لكنها تخالف السائد المعهود، فقلتُ له: سيدي لماذا لا تُعلن ذلك؟ قال: أنا أقولها هنا، وأنا خائف!

حتى عبارة: (عنده أفكارٌ خاصة) تُعدّ في كثيرٍ من الأوساط، كلمةَ جَرْحٍ، لا وصفَ مدحٍ، في حقّ العلماء وطلاب العلم، وكأنّ الواجب أن نكونَ نسخاً كربونية عن بعضنا بعضاً!!

مع أنَّ العقلاء يبحثون عن الأفكار الجديدة، أي: المختلفة عما يعرفونه، لأنّ وجهة النظر الجديدة ربما كانت أفضلُ وأعمقُ وأصحُّ من الأفكار التي نشؤوا عليها!

حتى مصطلح (طالب علم)، هل هو طالب لنفس المعلومات التي نشأ عليها؟ أم يطلب المعلومات الجديدة؟!

ظاهرة كتم الآراء قديمة معروفة:

ظاهرةُ كتمِ الآراء المخالفة ظاهرةٌ مكرّرة في كل زمان ومكان، وعلى أعلى المستويات، فالفلاسفة القدماء، وكبار المفكرين في أوربا لطالما تعرّضوا للنقد المؤلم، والاعتقال، وإحراق الكتب، والطرد، وحتى الإعدام في عصورهم المظلمة.

وفي تاريخنا حرقُ الكتب والمؤلفاتِ كان حاضراً، وإنْ كان بنسبةٍ أقل.

ها هو الإمام ابن تيمية رحمه الله يموت في السجن؛ بسبب آرائه التي خالف فيها الرأي السائد، بِوشايةٍ من علماء زمانه!!

فحرية التفكير والتعبير تَحدٍ كبير يقف في وجه كتم الآراء، وسيستمر التدافع بين الانفتاح والانغلاق مادامت السماوات والأرض.

وهنا يأتي سؤالٌ: إذا كان الأمر قديماً وسيبقى، فما الداعي لإثارة الموضوع إذن؟

الجواب: نحن الآن في عصر السرعة والمعلومات، والحياةُ تتطور بسرعة شديدة فكل يوم اختراعاتٌ وتطوراتٌ، والواقعُ تغيّر كثيراً؛ فينبغي أنْ نتسلّح بآليات مرنة في التعامل مع المعلومات، وديناميكية سريعة في تطوير الأفكار والتمحيص فيها، وهذا يتطلب جوّاً منفتحاً لطرح الأفكار ومناقشتها، أما التحفّظ والانغلاق سيجعلنا خارجَ المعادلة تماماً.

فعصرنا تغيّر عن العصور السابقة، ولم تَعُدْ تنفعُ كثير من الأقوال القديمة، ولو بقينا نتهيّب الاجتهاد، فسينحسرُ الإسلام عن حياة الناس رويداً رويداً، وسيبقى كعقائد وتصوّرات ذهنية، وعبادات فردية طقوسية!

ولو نوينا التفاعل والانفتاح فنحتاج إلى سرعة مذهلة للمواكبة في هذا المضمار، فكيف ونحن ما زلنا مُعْرِضِين وخائفين ومنكرين على من يقتحم المضمار؟!

فتطوّر الوسائل والآليات والمخترعات المادية والمعنوية تحتاج جوّاً علمياً منفتحاً على كلّ رأي جديد نافع.

وأسارع فأقول: مقالي هذا للصادقين المتخصّصين الراغبين بالإصلاح، وليس للمبتدئين، ولا لمن يريدون الإفساد باسم التجديد، وعلى كل حال فالمفسدون لا ينتظرون تشجيعاً من أحد ففسادهم يملأ الآفاق، كلامي هنا للراسخين من المتخصّصين فلولا تقصيرُهم لما تجرأ غيرُهم على الإقدام.

لذلك سأذكر في هذا المقال أسبابَ الخوف من الجهر بالآراء، وأناقشها حتى نكون واعين بهذه البواعث، فليست كلُّها مخاوفُ مشروعةً..

فما هي أسباب عدم الجهر بالآراء الخاصة؟!

نستطيع تقسيم الأسباب التي تجعل الناس لا يجهرون بآرائهم الخاصة إلى سبعة أسباب رئيسة، يندرج غيرها تحتها. وحتى نكون منصفين ليست كلُّ الأسباب سيئة، لذلك سنبدأ بالبواعث والأسباب الخيّرة ثم أتبعها بغيرها:

أولاً: أسباب دينية:

الخوف من الخطأ والضلال:

فالكثيرون يخافون الخطأ وتبعاته؛ كاتباع الناس لهم في تلك الآراء، فيحملون أوزارهم، لذلك لا يتكلمون بآرائهم الخاصة خشية أن تكون خاطئة، وبالتالي الخوف من شقّ الصفّ والفتنة.

الخوف من تبعات بعض الرخص الشرعية:

المقصود بالرخصة هنا: الرأي الفقهي الذي فيه تيسير على الناس، وليس المقصودُ الرخصةَ الخاصة بحالات السفر أو المرض أو الضرورة أو غيرها فقط!

هناك طلاب علم وعلماء يتبنون آراء (غيرَ مشهورة) فيها ترخيص وتخفيف في مسائل فقهية، وهم أنفسهم يفعلون تلك الرّخَص، ولا يفتون بها غيرَهم، وربما كانت تلك الرخص فيها فسحة وسهولة بأمر عمّت به البلوى، بل عامة الناس يتجنّبونها ويعتقدون أنّ فعلَهم لتلك الرخصة أمرٌ محرّم، ولو اضطُر العاميُّ وارتكب ذلك المحظور (برأيه) يعذّبه ضميره، ويشعر بالذنب الذي قد يؤدّي لأنْ يعتقد في نفسه أنه مرتكب لمحرم، وبعيدٌ عن الله تعالى! وربما أدّى به ذلك أن يترك واجباتٍ ويرتكب محرماتٍ أخرى، على مبدأ: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟!.

ورغم ذلك، لا ينشر طلاب العلم تلك الرخص، بين عامة الناس لحجج وأعذار متعددة، كأن يقول طالب العلم في نفسه: أنا أتحمّل مسؤولية نفسي أمام الله تعالى لكن لن أتحمّل مسؤولية غيري!

أنا لن أتوسّع بالترخّص، وربما توسّع هذا العاميّ!

أنا أعرف ضوابطَ ومحدداتِ هذه الرخصة، بينما العاميّ ربما لا يعرفها أو يهملها ولا يراعيها أو ينساها!!

ويُقال لهؤلاء: كثيرةٌ هي أحكام الدين التي لها ضوابط، فلماذا نعلمهم تلك الأحكام المفصّلة، ولا نرشدهم لهذه الرخص مع ضوابطها؟! ثم لماذا نظنّ أننا نراعي الضوابط ولا نتوسع، ونظن بالناس السوء وأنهم سيتوسّعوا؟!

اعتقاد أفضلية أقوال السابقين:

لأنهم الأفهم والأعلم والأتقى والأورع، ولأنهم الأقرب من عصر التشريع، وبالتالي لا يجوز أن نخالف أقوال السلف، فأين نحن وأين هم؟! ويمكن تسمية ذلك الخضوع لسلطة القديم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)

وهنا ينبغي الانتباه إلى أنّ أفضلية أقوال السابقين ليست على إطلاقها، فاجتهادهم أَوْلى لزمانهم، واجتهاد علماء العصور التي تليها أقوى لزمانهم، فعلماءُ كلِّ عصر أدرى بظروف وملابسات زمانهم.

ولو جاء هؤلاء العلماء إلى زماننا لغيّروا آراءَهم!!
ثم بناء على قاعدتهم بأن الاقدمين أقوالهم أصوب كان ينبغي أن ينقطع التأليف بعد القرون الثلاثة الأولى.. فلماذا استمر التأليف بعدهم؟

الخوف من الخضوع للواقع المنحرِف:

فمع اعترافهم بتَغيّر الواقع، إلا أنهم يرون أنّ الحل ليس بالخضوع للواقع بل بتغييره، فواجب الدعاة والعلماء والجماعات الإسلامية تغيير الواقع حتى يتوافق مع أقوال العلماء القدماء، وعدم البحث عن اجتهادات جديدة تناسب الواقع وترقّعه.

وهذا الكلام ابتداءً صحيح، لكن ليست كلُّ التغيّرات كانت للأسوأ، بل كثير منها كان للأفضل، كانتشار الوعي والعلم والنظافة والمساواة وحقوق الإنسان وغيرها من القيم ومظاهر التحضّر، ثم إنّ كثيراً من التغيرات كان باتجاه التعقيد كالعقود والمعاملات، وأحياناً باتجاه التبسيط، وكل ذلك لا علاقة له بالخير أو الشر، فهنا ينبغي إيجاد أقوال تُراعي هذه التطورات، ولا نقصد التسامح مع الفساد والانحرافات، والخضوع لها.

ثانياً: الأسباب المنهجية المعرفية:

التربية العلمية على التقليد في البيئات المتخلّفة:

فمهمة طالب العلم حفظ الكتب المقرّرة، والتفنن بنشرها والدفاع عنها، في مثل هذه البيئة ينعدم الشك المنهجي، ونفقد التشجيع على البحث عن السؤال المعرفي الذي يعيش طالب العلم ليحلّ هذا السؤال، ويبلور إجابات علمية عليه، وكلما أنهى الجواب عن سؤال بحث عن غيره من الأسئلة.

في مثل تلك الأجواء تنشأ العقول البسيطة التي تكتفي بما تتشرّبه من أفكار سائدة في المجتمع، فيعتقدون أنّ هذا هو الحقَّ، وكل ما خالفه خطأ وضلال، فلا يخطر ببالهم أن يبحثوا عن أفكار أخرى أصلاً!

فالمنهجية العلمية التي تُنتجها بيئةُ التقليد تعتمد الاعتكاف والانكفاء على علوم السابقين تحقيقاً وجمعاً وتلخيصاً وحفظاً ونشراً، والقياسِ على أقوالهم (في أحسن الأحوال)، فأكبرُ همّ طالب العلم الحفظ والتكرار لعلوم السابقين، وهي كتب لا تنتهي، فهم في دوّامة (كثرة المصنّفات) كيف سيخرجون منها!! هي أشبه بالسجن المؤبّد مع الأشغال الشاقّة (في الدول المتخلّفة) فلا ينتهي السجين من حَفْر حفرة، حتى يردموها ويشغلوه بغيرها وهكذا..

بدلاً من أن يُوجّه الطالب للنقد والتطوير والبناء العلمي المتطوّر، فاللاحق يبني على السابق، وهكذا يتكامل الصّرح المعرفي ويتطوّر بشكل مستمر، حتى يرث الله الأرض ومن عليها! (وحتى عندها أُمِرْنا أن نستمر بعمارة الأرض ولو لم نشاهد الثمار).

الفكر الأيديولوجي:

الفكر الأيديولوجي وأقصد به: منظومة الأفكار والمعتقدات والفلسفات التي يعتنقها فرد أو جماعة تُفسّر بها الواقع، وأحياناً تُقدّم طريقة لتغيير الواقع المنحرِف للحالة المثالية التي تتخيلها.

المشكلة بهذه النظرة أنها تُقدّم تصورات غير قابل للنقد أو التطوير، وتعتبر كل فكرةٍ مخالفةٍ شُبهةً ينبغي الردّ عليها، وضلالاً ينبغي محاربته، أما عندما تكون الأيديولوجية مفتوحة ومرنة، أي: تُقدّم معلوماتٍ مبدئيةً وقابلةً للنقد والتطوير فعندها لا تُشكّل مشكلةً؛ لأنها تبقى مفتوحةً وقابلةً للتطوير عبر الاجتهاد البشري.

فمن يتبنى إحدى الإيديولوجيات يحصر فكره في نشرها والدفاع عنها، لا في نقدها وتطويرها.

الخوف من الحيرة العلمية:

كثيراً ما يبتعد الشخص بنفسه عن النقد والتفكير بالجديد، خوفاً من التفكير والقلق الفكري، والشكّ المعرفي، والركون إلى راحة البال والسكون والطمأنينة المزيّفة.

فالانتماءُ لمدرسةٍ فكريةٍ، وتبنّي كلَّ آرائها يُعطي المنتسِب لها طمأنينة مباشرة، وراحةً من عناء التفكير والمقارنة والترجيح، لكنها طمأنينةُ العاميّ الذي تبنّى الفكر الذي نشأ عليه وركن إليه، وليست طمأنينةُ العالم الذي وصل للحقيقة بعد رحلة علمية شاقة، فالبون بينهما شاسع، وصدق الله العظيم القائل: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).

ثالثاً: أسباب علمية:

عدم معرفة أدوات الاجتهاد والتجديد:

وعدمُ التمييز بين الثوابت والمتغيّرات بين المبادئ والوسائل، وبين الأهداف والأدوات، وعدمُ معرفة ما فيه مرونةٌ ويمكن تغييره، وما فيه صلابةٌ ولا يجوز العبث به، فيظن أنّ كلّ شيء ثوابتُ لا يجوز تغييرها، أو التفكير في ذلك أصلاً.

تهيّب مخالفة المألوف العلميّ:

عدم الثقة بالنفس وما يمكن تسميته: (الجبن العلمي) وعدم الجرأة على اقتحام المشكلات العلمية أو الإشكالات المعرفية، أو مخالفة السائد المحفوظ.

الخوف من مخالفة غالبية العلماء:

واعتقاد أنَّ الحقّ دائماً مع الجماعة الأكثر عدداً من العلماء، مع أنّ الحقّ بجانب الأقوى حجة ودليلاً وليس مع الأكثر عدداً وأعزّ نفراً، فكم خالف عالم محقق من علمائنا الغالبية، وكان الراجح مع الفرد.

الخوف من عدم نضوج الرأي علمياً:

فالإتيان برأي علمي جديد، أو يُخالف المألوف يَشعر معه صاحبه بأنه يحتاج تريّثاً وتأكّداً ومراجعة، وهذا حقّ لا ريب فيه، فالحقُّ غالباً مع غالبية المتخصّصين، لكن هذا ليس قاعدةً مطّردة، فإذا ظهر للمتخصّص رأيٌ فيه إشراق علمي جديد، عليه أن يتأكّد بمزيد بحث واستشارة للمتخصّصين، فمخالفة الجمهور ليست ممنوعة، لكنها ليست سهلة بنفس الوقت.

لكنَّ المبالغةَ والإحجامَ عن الصدع بالرأي العلمي الجديد، الذي استفرغ به الباحث وُسْعه، ولم يألُ فيه جهداً، والامتناعَ عن نشره خوفاً من الخطأ، أو تبكيت الآخرين وإنكارهم، هنا ينقلب التريّث والحذر العلمي المحمود إلى جبنٍ مذموم، فكما أنّ الإقدام المفرِط -قبل إنضاج البحث- تهوّر، فإنّ كتم الرأي -بعد إنضاج البحث- جبنٌ، والشجاعة العلمية وسط بينهما.

رابعاً: أسباب اجتماعية:

الخوف من تشويه السمعة والتسقيط الاجتماعي:

والخوف من طعن الزملاء والأساتذة والأقران، الذين كثيراً ما يُظهرون الغيرة الدينية والحرص العلميّ، ويكتمون داء الحسد ومشاعر الغَيرة الشخصية، بل ربما يلتبس على الحاسدين أنفسِهم ذلك فلا ينتبهون أنهم شامتون متشفّون بمن كانوا يحسدونه دون شعور منهم!

وهذا الطعن يستتبع انفضاض الطلاب والأتباع والمحِبون، وبالتالي انقطاع العطايا والهدايا.

الخوف من الطرد من الجماعة:

أو الفصلِ أو العزل من الجماعة أو الحزب أو المؤسسة التعليمية أو انفضاضِ الأتباع عنه، أو التحذيرِ منه ومن القراءة أو الاستماع له.

بل بعضهم ينتسب لجماعة وينافح عن أفكارها ومواقفها بحقّ وبباطل كالمحامي؛ لِما تعطيه تلك الجماعة له من مكانة ومكاسِب وأتباع، وأسوأ شيء ألا يكون المرء واعياً بذلك، فيظن نفسَه المناضل، ولو فتّش في أعماق نفسِه لوجد النوايا المدخولة.

الخوف من الإعلام:

وجمع الآراء الخاصة التي كثيراً ما تُسمى الشذوذات والأخطاء والضلالات، ونشرها.

الخوف من إنكار العوام:

فلربما يتقبّل العلماء الراسخون بعض الأقوال الجديدة، فيأتي بعض السفهاء من الغوغاء فيظنون أنفسَهم أنهم رعاة الأصالة وحماة الحقيقة، فينكرون ما لا ينكره العلماء الراسخون، ويُزكي نارَ الفتنة بعضُ أنصاف العلماء!

بل كثيراً ما ينتهي الخلاف الفكري إلى تحريش العامة على المخالِف فيؤول الأمر إلى الاعتداء الجسدي، أو القتل الذي يتقرّب به القاتل إلى الله بذلك!

خامساً: أسباب نفسية وتربوية:

إيثار الهدوء وعدم إثارة الإشكالات:

فمن يتصف بنقص الشجاعة، وضعف الشخصية، وعدم الثقة بالنفس، والجبن العلمي لن يملك الجرأة على مخالفة الآخرين، فالكثيرون يخافون من إثارة غضب الآخرين والجدل والنقاش والاعتراضات والتساؤلات، ويحبون أن يعيشوا مسالمين للجميع، سواء كان هذا طبعاً شخصياً أو صفة مكتسبة عبر التربية والتلقين فالنتيجة واحدة، وهذا في الميدان العلمي مضرٌ بالعلم ونموه وتطوّره.

الخوف من حظوظ النفس:

وهو سبب ديني نفسي، ونقصد به الخوف من شهوة النفس بطلب الشهرة والتميّز عبر الشذوذ والمخالفة للفتِ الانتباه والأنظار، (فالنقد يُعطي صاحبه تميّزاً وتفوّقاً مباشراً على المنقود)، وهذا التخوّف حقّ، ينبغي أن يَنتبه له كلُّ إنسان، فحظوظ النفس كثيرة ومتنوعة، وقد يخالط الحقّ حظٌ للنفس، حتى بالأعمال الصالحة كالصدقة والتعليم والجهاد في سبيل الله، كما ورد في الحديث أنّ أول ما تُسعَّر النار بهم لسوء نياتهم (نسأل الله السلامة)، وحتى مجابهة الحكّام الظلمة وقول كلمة الحقّ، قد يكون فيها حظّ نفس مثل المجاهد، ليُقال: (شجاع) وقد قِيل فيحبط ثوابُ عمله يوم القيامة.

لكن هنا ينبغي أنْ ننتبه إلى أنّ هذا الأمر قلبيّ لا يعلمه -على وجه اليقين – إلا الله تعالى، وعلى كل امرئ أن ينتبه لنفسه، (بل الإنسانُ على نفسِه بصيرة)، ولا نرمي به غيرَنا، فليس كلُّ مخالف للسائد مُحِبٌ للتميّز والظهور. فكثيراً ما تكون ضريبة الجهر بهذه الآراء تفوق حظوظ النفس، فالإنسان يحتاج مخالفة لنفسه التي تُؤثر السلامة حتى يصدع بآرائه، التي قد تُلحق به أذىً طول عمره، كما أنّ خوف هذا الحظّ النفسي (حبّ الظهور) ينبغي ألا يمنعنا من قول ما ترجّح عندنا من آراء.

سادساً: أسباب اقتصادية:

الخوف من الحصار الاقتصادي والتضييق في الوظائف:

فيُعزَل الخطيب والمدرّس والكاتب والمحاضِر، ويُمنع من نشر فكره المضلّل برأي مخالفيه، وهذا شائع مُشاهَد، ولعله من أخطر الأسباب وأقواها في كبت الآراءفكم فُصِل عالم من وظيفته بسبب أفكاره.

عدم وجود منصة يصرّحون فيها بآرائهم:

وذلك قبل انتشار الناس في أرض الله الواسعة، وفي بلادٍ هامشُ الحرية فيها واسع، وقبل ظهور (وسائل الإعلام الاجتماعي)، وهذه ترجمة أدقّ من (وسائل التواصل الاجتماعي)، لمصطلح: (سوشيال ميديا)، كان أصحاب الآراء الخاصة، يكادون لا يجدون من ينشر فكرهم من إعلام مقروء أو مسموع أو مرئي.

أما الآن فميدان النشر واسع ولله الحمد، لذلك بدأنا نرى ونسمع ونقرأ آراء جديدةً ـ وبكثافة ـ فريدةً، وهذا لا يخيفنا، بل يدعو للتفاؤل على المدى البعيد فالعاقبة للتقوى، فمن هذه الكمية سينتج نوعية مرضية إن شاء الله، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).

سابعاً: أسباب سياسية:

الخوف من السلطة السياسية، فلو خالف العالِمُ توجّهات السلطة السياسية ربما تعرّض للتضييق والاعتداء، وأحياناً كانت الدولة تتبنى آراء دينية أو سياسية أو اقتصادية وتُلزم الناس بها، وتعتبر من يخالف ذلك مخالفاً للدولة، وتُنزل بهم أشدّ أنواع العذاب، بل كثيراً ما كان السياسيون لا يتدخَّلون بآراء العلماء، لكن العلماء أنفسهم يشون ببعضهم، ويَسْتَعْدون السياسيين على مَنْ يخالفهم في الآراء الدينية، كالآراء العقدية أو الفقهية، ناهيك عن مخالفة سياسات الدولة ونقد تصرفات الحكّام وكبار المسؤولين!!

وقد أخّرت الأسباب السياسية، لأنه السبب الأول المتبادَر للأذهان حينما نناقش موضوع كتم الآراء، مع أنّ الواقع أنّ أسباباً كثيرة غيره ينبغي معالجتها والانتباه لها، ولا علاقة لها بالسياسية.

الحل: الشجاعة بإبداء الرأي مع الضوابط التالية:

1-ينبغي أن يتصدّرَ للاجتهاد المتخصّصون، وننزل آراء غير المتخصّصين منزلةَ فكرة تحتاج عرضاً على المتخصصين وتأكّداً من صوابها، فلا نردُّها مباشرة؛ لأنها صدرت عن غير متخصّص، فغير المتخصّصين يفكرون خارج الصندوق، كما يقال.

2-عدم التسرّع بنشر الآراء قبل استفراغ الجهد إلى حد الوصول إلى رأي يغلب على الظنّ رجحانه، ويطمئن له الباحث إلى حدٍ ما، أقول (إلى حد ما) لأنّ الآراء الجديدة يصعب الاطمئنان لها قبل عرضها على المتخصّصين وإقرارها.

3-عدم تجاوز الثوابت، وبالمقابل عدم توسيع الثوابت، فكما هناك من يتجاوز الثوابت والقطعيات فهناك أيضاً من يتوسّع بالثوابت والقطعيات ويُدخل فيها متغيراتٍ وظنيات.

4-الحذر من اتباع الهوى والكِبر عند ظهور الحقّ مع من يخالفكم، فعلى من يخوض بالعلوم أن يكون رائده الحقّ يدور معه أينما دار.

بعد ما مضى:

واقعنا يحتاج علماء فدائيون يخاطرون بكلّ ما سبق من المخاوف، ويجهرون بآرائهم دون وَجَل أو خَوْف إلا من الله تعالى.

علينا أن نُعلّم الناس أنّ هذه العلوم والأفكار ما هي إلا رأي واجتهاد بشريّ، وليست وحياً معصوماً!

وديننا يشجّع على الاجتهاد ووعدَ نبينا ﷺ من اجتهد فأخطأ فله أجر، فإنْ أصاب فله أجران! -فاجهر برأيك فلن تَضِل الأمةُ لو قلتَ شيئاً خاطئاً، فالأمة معصومة من التلبّس بخطأ يعمّها، ولا تبالغ بمكانتك، ولا تظننّ أنّ الأمة كلّها ستتبع رأيك بمجرد نشرك له، فلا تخشوا الخطأ فلن يستمر في الأمة، وستنبذه بتوفيق الله تعالى، ولن يبقى إلا ما كان صواباً إن شاء الله، ولو كان رأيك (صواباً أو خطأ)، كيف ستتأكّد من ذلك دون نشره وتعريضه لنار النقد والتمحيص؟

بما أنّ الاجتهاد بشري فسيعتريه القصور والضعف والخطأ و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، لذلك سيثيب الله تعالى من يأخذ بتلك الأقوال الخاطئة، لأنّ نية المقلّد أنه يريد اتباع الحقّ والرأي الأقرب لرضا الله تعالى. الذي ننادي به هو الانفتاح المنضبط، وعدم ردّ كل فكرة تخالف ما ألفناه. ورائدنا قوله تعالى: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)).




قولبة العقول في المدارس الدينية

إنّ التخلّف الحضاري الذي تعيشه الأمّة منذ قرون، قد أثّر في كلّ مجالات الحياة، فسادت َرُوحُ التقليد واستنساخ الآراء وتكرارها، دون أدنى تقييم لها، وتلك من سمات المتخلّفين، لأنّهم يخافون المخالفة، فوظيفة العقل عندهم الحفظ والنقل، دون أدنى نقد، فضلاً عن الإبداع! وذلك في مجالات وتخصّصات الحياة كلّها. 

وفي المجال الديني، عندما نسمع أو نقرأ للمحقّقين والمجدّدين من العلماء عبر التاريخ، حتّى من المنتمين للمذاهب، نجد القاسم المشترك بينهم الانعتاقَ من التقليد، واعتقاد أنّ جهودَ القدماء غير كافية وغير ناضجة، وينقصها الكثير من التحقيق العلميّ، فينطلق العالم يدقّق ويحقّق ويختار وينتقي بين أقوال القدماء، وربما زاد عليها أقوالاً جديدة، نتيجة النظر والاجتهاد في النصوص. 

وكثيراً ما أتساءل: لماذا كان غالب علمائنا -الذين درّسونا في المدارس الشرعيّة- يرسِّخون فينا “عصمة الأئمة المجتهدين؟” وإن لم يصرِّحوا بذلك، كانوا يفعلون ذلك بذريعة زَرْعِ احترامِ العلماء، ومَنْعِ “صغار طلبة العلم” من التطاول على “الأكابر”. 

 

وحتى يتوازن توجيههم كان الأَحْرى بهم أن يترافق ذلك الكلام مع التأكيد على عدم عصمة العلماء السابقين، وتطبيقِ ذلك عمليّاً، عبر نقدِ مسائل تمرّ في المنهاج المقرّر، (رغم أنّ كثيراً منها كانت كتباً تراثيّة قديمة كُتبت منذ قرون)، يعني: كان عليهم نقد الكثير من الاجتهادات القديمة، وإظهار عدم صلاحيّتها لعصرنا، وتقديم نظرات جديدة أكثر ملاءمة للعصر، فالواقع قد تغيّر كثيراً.

 ويستمرّ ذلك المنهج -أقصد تقديس أقوال القدماء- مهما طال عمر الطالب، واتّسع اطلاعه، ولو تجاوز طالبُ علمٍ حدَّه وقَدْرَه وتجرّأ واعترض، لَقُوبِل بوابل من التوبيخ: يقتل في الطالب أيّ بذرةٍ للنقد أو الإبداع.  صحيح أنّ بعض الطلبة ربما ينقدون دون أهليّة، وربما يتطاولون على الأئمة، ويقول بعضهم: “هم رجال ونحن رجال”، بل ربما يتجاسر على الاجتهاد مَنْ لا يصلح لفهم كلام العلماء فضلاً عن الإتيان بمثله أو باجتهادٍ جديد!!

كلّ هذه المخاوف واقعية، وعلاجها بالتنبيه عليها لكن مع الحذر الشديد، كإجراء العمليّة الجراحيّة في العين، نعالجها مع الحفاظ عليها، فعقول طلبة العلم أغلى من عيوننا، فننتبه ألا نقوّي جرعة الدواء بحيث تقتل بذرة الإبداع والنقد عندهم، بل ننمّيها ونرعاها، ونقوّمها إن تجاوزت.. ككلّ شؤون الحياة، فعندما تعلّم ولدَك قيادة السيارة تنبهه من الوقوع في الحوادث، واستخدام السيارة بما لا يرضي الله، لكن هذه المخاوف لا تمنعك من تعليمه قيادة السيارة، وكذلك تعليم الطالب النقد والإبداع له مخاوف ومحاذير، لكن ذلك لا يلغي الهدف وهو تخريج طالب عليمٍ بصيرٍ ناقدٍ مبدِع.

ونذكر هنا “النقد” لأنّه بداية “الإبداع” فلا بدَّ من “نقدِ” السابق “لتبدع” جديداً، فنحن بحاجة ماسّة إلى مجتهدين، ولو (مجتهد مسألة) ونريد ترسيخ الحريّة الفكريّة.  المشكلة أنّ مَنْ أبدع من خريجي تلك المدارس إنّما كان حالات فرديّة، سبحَتْ بعكس التيار، ولم يكن ثمرةً طبيعية لتربية تلك المدارس!!

حيث كانت جمرة العقل تُطفأ في كثير من الأحيان إلا في مجال حفظ المذهب الذي اختاره المدرّس، وينحصر جُهْدُ الطالب في حفظ الأقوال، والتدليل عليها، والدفاع عنها!! فكانت التربية تعتمد “الكمّ” على حساب “الكَيْف” فالتباهي بكثرة المحفوظات وعدد المتون والكتب، وكان الأَحرى التركيز على بناء عقلية الطالب التي تميّز بين الأقوال، فتترك الرديء وتنشر الجيّد، ولا يكون الطالب كحاطِب ليل!

 

في أكثر المدارس الشرعيّة لو خالف أحدُ الطلبة أساتذَته.. يُلام! بدلاً من أن يفرح الأستاذ بنُضْجِ عقلِ تلميذِهِ، وظهور شخصيّته واستقلاله!! لكن العجب ينقضي عندما تعلم أنّ “فاقد الشيء لا يعطيه”، فالمدرِّسون ليس عندهم نظراتٌ اجتهاديّة، حتى يورِّثوها لتلاميذهم، فتجد غاية جهد أحدِهم، أنْ ينقل لك أقوال السابقين! دون ترجيح ولا نظر ولا نقدٍ ولا تقييم!

 حتّى إنَّ أحد الطلبة النابهينَ بعد أن حضر سنوات عند أحد الأساتذة ثم ترك الحضور قائلاً: (هذه الأقوال أستطيع الاطلاع عليها في بيتي، أين المنهج العلميّ النقديّ؟ أين اختيارات العالم نفسِه؟ ما ترجيحاته؟ ما رأيه في كلّ ما يقرأ؟) وحتّى لا نظلم الجميع فقد كان بعض العلماء ينمّي فيمن يحضر عنده روحَ الاجتهاد والنقد والتحقيق.. ولكنّهم -للأسف- نادرون!

رَحِم الله الإمامَ (أبا حنيفة) الذي كان يربّي عقولَ تلاميذه على الاجتهاد المستقِل، فكانت حلقته أشبه بحلقات الفلاسفة العِظام، فورّث الأمةَ مدرسةً فقهيّة مقارِنة، وهذا سرّ ثراء المذهب الحنفيّ بالأقوال. ولو كان سلفنا الصالح يحملون الروح الانهزاميّة التي سادت قرون الجمود الفكري، لاكتفوا بكُتُب القرن الأوّل ولم يؤلِّفوا في كلّ عصر كتباً جديدة..

طبعاً “المدارس غير الشرعية” ليست أفضل حالاً، لكن المدارس الشرعية عليها المعوّل في تخريج علماء الدين، الذين هم من قادة الرأي في مجتمعاتنا الإسلامية، فمنهم المصلِحون والموجّهون والمعلّمون والأئمة والخطباء والمفتون. 

وهنا لا بدّ من ذكر عاملين ساهما في كسر الجمود وتشجيع الاجتهاد المعاصر:

العامل الأول: انتشار الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه):

 ونظام البحوث العلمية والأطروحات الأكاديمية، فلها فضلٌ كبير في التشجيع على البحث والتحقيق والاجتهاد وكسر الجمود على أقوال السابقين، وإن كان ما يزال بعض الدكاترة (المناقِشين) يضيق ذرعاً بالباحث صاحب الشخصية الشجاعة البارزة بالترجيح وإبداء الرأي، فيحاولون كسر عنفوانه، بعكس الدول المتطوّرة التي تشجع الإبداع!! حتى إنّ بعض الدكاترة قال: أستطيع معرفة المناقِش (في لجان نقاش الأطروحات الأكاديمية) هل تخرّجَ من جامعة عربية أم غربية؟ من طريقة نقاشه! 

العامل الثاني الذي ساهم في كسر الجمود وتشجيع الاجتهاد المعاصر:

 ظهور المدرسة (السلفيّة) التي حاربت التعصّب المذهبيّ، وإن كانت وقعتْ بما ذمّتْه، حيث احتكرتِ الحقَّ بما ترجّح لدى بعضِ رموزها (كشيخ الإسلام ابن تيميّة وغيره من رموز السلفيّة القدماء والمعاصرين)، وحصرتْ منهجها بمدرسة أهل الأثر، مع أنّ السلف فيه مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الأثر، فيه المقاصديّ والنصيّ، وهذان منهجان عقليّان عند كلّ البشر، وفي حديث: (لا يصليَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة) إقرارٌ للمدرستين والفهمَيْن.

لكنّ الدعوة السلفية خطوة جيّدة حرّرت العقلَ المسلمَ من كثير من الآصار التي كبّلتْه، وننتظر صَحَواتٍ تعيدُ لمدرسةِ العقل والرأي اعتبارَه، حتى يعود جناحا الدين الإسلاميّ، اللّذَانِ تميّز بهما، ولطالما طار بهما، وهما “العقل والنقل”. وأيامنا تبشّر بالخير، فنحن ننتقل من طَور التقليد والجمود إلى عصر النهضة، والعصور الانتقاليّة دائماً تشهد صراعاً بين التقليديّين المحافظين، وبين الحداثيّين والمجدّدين، وكلا المدرستين ضروريتان لكلّ “مذهب أو مبدأ أو مؤسّسة” فالمحافظون يشدّون المجدّدين للمحافظة على الثوابت، والمجدّدون يكسرون جمود المحافظين على الوسائل القديمة، فيتحقّق التوازن المطلوب.

التفاؤل يزداد وبخاصّة في ظلّ انتشار العلم والقراءة والكتابة، بعد أن كان حِكراً على فئات معيّنة في العصور السابقة، وبعد انتشار وسائل الإعلام الاجتماعيّ التي هيّأت منصاتٍ لينشر فيها المجدّدون آراءَهم، دون أن يستطيع السياسيّون كمّ أفواههم.

 فعندما نرى شاباً قد اتّقَدت عنده “شمعة إبداع” فلنحافظ عليها ونعلِّمْه كيف يداريها وينمّيها حتّى تتحوّل إلى مصباح كبير، يساهم في إنارة سبيلِ نهضةِ أمّتنا الطويل، وكلّنا أملٌ أن تصبح ثقافة النهضة والإبداع والتجديد ثقافة عامّة، تشمل المؤسّسات العلميّة كلّها وما ذلك على الله بعزيز.