أهميّة التفسير

من الضروريّ الاعتناء بتفسير القرآن الكريم،
فمن المعيب حفظ القرآن الكريم، أو تكرار قراءته وتلاوته وعدم معرفة معناه،
فمقصود نزول الكتب المقدّسة هو هداية البشر وتوجيههم في التصوّرات (العقائد) والأحكام السلوكيّة (الفقه) والأحكام الخُلقيّة،
فطلب تلاوة القرآن والأجر المترتّب على تلاوته هو طلب وسيلة للوصول للمقصود، وهو فهم أوامر الله تعالى وتوجيهاته وهداياته وتطبيقها،
وكيف نصل للمقصود دون فهم كلامه سبحانه وتعالى.

قال تعالى:

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً (82)} [النساء: 82]

وقال سبحانه:

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29]

ومن مقتضيات تدبّر كتاب الله معرفة تفسيره
وإلا كيف سأتدبّر كلاماً لا أعرف معناه؟!

وهنا ينبغي التمييز بين المختصّ بتفسير القرآن الكريم، وبين المثقّف العاديّ،

أمّا غير المختصّ:
فمن المفيد التركيز على تفسير من التفاسير المعاصرة؛
لأنّ المفسِّر ابن ثقافة عصره، يكتب بلغة عصره، ووفق ثقافتهم،
وينشغل بالإجابة عن تساؤلات إنسان عصره.

أمّا المخّتص:
فلا يجوز أن يكتفي بالاطلاع على كتاب واحد من كتب التفسير،
بل سيجد في كلّ كتاب فوائد لا يجدها في غيره،
فمن المعروف أنّ كلّ مفسّر تنعكس ثقافته على تفسيره،

• فمنهم من يهتمّ باللّغة والبلاغة،
• ومنهم من يهتمّ بجمع الروايات الحديثيّة، والتفاسير السلفيّة للصحابة والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين،
• ومنهم من يهتمّ بالتحليل الاجتماعيّ،
• ومنهم من يعنى بالمسائل الكلاميّة الفلسفيّة،
• ومنهم من يركّز على الأحكام الفقهيّة،
• وهكذا…

فثقافة المفسّر وتخصّصه العلميّ ينعكس على تفسيره،
فهو ينظر للآيات، وهو مشبع بمعلومات في تخصّص ما،
فكأنّه يضع نظّارة بلون ذلك العلم، يرى الآيات الكريمة من خلال تلك الثقافة.

والمطلوب أن يحوز المفسِّر ملكة تفسير كتاب الله تعالى،
وفق ثقافة عصره،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من الجزء (2)

من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة




علوم القرآن الكريم:

أمّا علوم القرآن الكريم وتفسيره،
فمن المفيد أن يلمّ التلميذ بعلوم القرآن، ككيفيّة جمعه وتدوينه، وكيف تمّ نقله إلينا، وبخاصّة ردّ الشبهات المعاصرة حول القرآن الكريم، كالطعن بالوحيّ، وجمع القرآن الكريم وحفظه، ويكفي فيه كتاب واحد معاصر، لغير المختصّين:

نقترح من الكتب:

• المقدّمات الأساسيّة في علوم القرآن: عبد الله الجديع.
• النبأ العظيم: عبد الله دراز.
• كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟ للقرضاوي.
• علوم القرآن: للدكتور نور الدين عتر.
• أو أيّ كتاب آخر يجمع مباحثه.




تعلّم النغم

من المهمّ تعلّم قراءة القرآن بنغمة من النغمات السبعة الشهيرة المجموعة بقولهم:
(صُنِعَ بِسَحَر)

  • (الصبا)
  • (النهاوند)
  • (العجم)
  • (البيات)
  • (السيكا)
  • (الحجاز)
  • (الرصد)

أو فروعها، ولا يقال: “إنّ هذا بدعة، ولا يليق بالقرآن الكريم”، لأنّ هذا علم كبقيّة العلوم، وله قواعد كبقيّة العلوم، فكما أنّ النحو يضبط حركات نهاية الكلمات، والمنطق يضبط التفكير، فقواعد النغم تضبط اللحن، وهذه العلوم كلّها حادثة، ما كانت زمن الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

لكن لا يجوز الخروج عن قواعد التجويد لأجل النغم، كما يجب الانتباه للخشوع والتدبّر وعدم الانشغال بالألحان، وعدم الميوعة والخروج بالتلاوة عن الوقار والهيبة.

وممّا يؤيد أهميّة نداوة الصوت وتجويده وتحسينه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
(ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن)( )،

وقوله:
(زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأصواتكم)( )،

وحديث أبي موسى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم استمع إلى قراءته، فقال:
(لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود)،

فقال:
(لو علمتُ أنّك تستمع لحبّرتُه لك تحبيراً)( )

أي: حسنّتُ قراءتي وزيّنتها، فأقرّه صلّى الله عليه وسلّم ولم ينكر عليه التزيين والتحسين، كما أنّ ميل القلوب إلى حُسْنِ التلاوة والصوت والنغم مشاهَد ملاحَظ، صلّى الله على معلّمنا الخير، حيث إنّ تعاليمه تتوافق مع الفِطَر السَّليمة، والأذواق الراقية.

فكم كنّا نقصد الصلاة خلف بعض أئمّة المساجد أصحاب الصوت النديّ والمعرفة بالنغم، وكم يزيد الصوت الجميل والنغم الشجيّ من تأثير التلاوة في المستمعين، ويعينهم على التدبّر وطول السماع.

فمن المفيد جدّاً تعليم الطلاب قراءة القرآن الكريم على نغمة ما، تناسب أصواتهم وطريقة أدائهم، في حصص مخصّصة لذلك، بعد تعليمهم التجويد.

بدلاً من قراءة بعضهم بالتجويد والتركيز على مخارج الحروف وصفاتها، دون أدنى نغم أو تلحين أو تغنّ بالتلاوة، حيث يقرؤون بطريقة جافّة كأنها تكسير الحجارة، فيتأذّى المستمع بهم، ولا يستسيغ مواصلة السماع، بعكس القرّاء الذين يزيّنون التلاوةَ بأصواتهم ونغماتهم!

أذكر أنّني تعلّمتُ شيئاً من ذلك متأخّراً من أحد حفظة القرآن الكريم، ممّن حباهم الله بصوتٍ جميلٍ ومعرفةٍ بالنغم، فجعلني أقرأ على سجيّتي بداية.. ثمّ قال لي:

  • “صوتك وطريقة أدائك يناسبها الحجاز”.

وبدأ يعلّمني إتقان هذه النغمة، وأذكر أنّه قال لي:

  • ركّز على هذه الأناشيد.

وكانت من المشهورات المعروفات الشائعات، وهي تُؤدّى عادة بنغمة الحجاز، حتّى أتمكّن من هذه النغمة.

قد يقول قائل: لكنّ ذلك لا يليق بالقرآن الكريم، فهو يصرف عن التدبّر والخشوع بالتلاوة.

فنقول له: نعم صحيح، ينبغي التزام الأداء الوقور، ومراعاة المعاني وعدم القراءة بطريقة تُذهب الخشوع وتُلهي عن التدبّر.

ثم إنّ النغم مثل التجويد، بدايته تكلّف وتدريب، ثمّ يصبح سجيّة ومهارة، دون تكلّف في الأداء، بل على العكس تعلّم النغم والأداء الجميل ينشّط القارئ للإكثار من التلاوة والتدبّر، كما أنّه يريح المستمع ويستزيد منه( )، والله الهادي وعليه قصد السبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من الجزء (2)

من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة




تجويد القرآن الكريم:

تجويد القرآن الكريم:

من المهمّ أيضاً لطالب العلم أن يداوم على تلاوة القرآن الكريم بخشوع وتأمّل وتدبّر، وقبل ذلك أن يحسن ترتيله.

لكن عليه الحذر من الوقوف عند مرحلة التجويد والحفظ، بل عليه الانتقال إلى مرحلة التدبّر والفهم، ليتنوّر القلب بهدايات القرآن الكريم، فيطبّق ما فيه من وصايا وأحكام، إذ غاية التلاوةِ التطبيقُ.

ويكفي لتعلّم تجويد القرآن الكريم كتيّب في علم التجويد في 20 صفحة، ولا داعي للتشديد بمخارج الحروف وصفاتها، لدرجة أن تُوقع الناسَ في الوسوسة والتكلّف، يقول الإمام ابن الجزريّ:

مُكَمِّلاً مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُـّفِ * بِاللُطْفِ فِي النُّطْقِ بِلاَ تَعَسُّف

قال الإمام الذهبيّ رحمه الله في نقد بعض أصناف القرّاء والمقرئين:

“فالقرّاء المجوِّدَة: فيهم تنطّع وتحرير زائد، يؤدّي إلى أنّ المجوّد القارىء يبقى مصروفَ الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطّع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك عن تدبّر معاني كتاب الله تعالى، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله، ويخلّيه قويّ النفس مزدرياً بحفّاظ كتاب الله تعالى، فينظر إليهم بعين المقت، وأنّ المسلمين يَلْحَنُون..
وبأنّ القرّاء لا يحفظون إلّا شواذّ القراءة، فليت شعري أنت ماذا عرفت؟! وما علمك، وأمّا عملك فغير صالح، وأمّا تلاوتك فثقيلة عارية عن الخشية والحزن والخوف، فالله يوفّقك، ويبصّرك رشدك، ويوقظك من رقدة الجهل والرياء.
وضدّهم قرّاء النَّغم والتمطيط، وهؤلاء في الجملة من قرأ منهم بقلب وخوف قد يُنتفع به في الجملة، فقد رأيت من يقرأ صحيحاً ويُطرب ويُبكي.. نعم.. ورأيت من إذا قرأ قسّى القلوب وأبرم النفوسَ، وبدّل كلام الله تعالى، وأسوؤهم حالاً الجنائزيّة، والقرّاء بالروايات، وبالجُمَع فأبعد شيء عن الخشوع”( ).

اشتهر قول الإمام الجزريّ:

وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْـمٌ لاَزِم * مَنْ لَمْ يُجَوْدِ الْقُـرَآنَ آثِــمُ
لأَنَّهُ بِهِ الإِلَــهُ أَنْــزَلاَ * وَهَكَـذَا مِنْـهُ إِلَيْنَا وَصَـلاَ
وَهُوَ أَيْضاً حِلْـَية الـتِّلاَوَةِ * وَزِينَـةُ الأَدَاءِ وَالْقِــرَاءَةِ

وظاهر قوله:
(وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْـمٌ لاَزِم * مَنْ لَمْ يُجَوْدِ الْقُـرَآنَ آثِــمُ)
مشكِل، لذلك اضطر الشرّاح إلى تأويل كلامه بأنّ هذا الوجوب للقارئ، أي لمن أراد قراءة القرآن الكريم، فيجب على من يقرأ القرآن الكريم أن يقرأه قراءة صحيحة، بحيث ينطق الحروف ولا يخطئ بالحركات التي تغيّر المعنى، هذا هو القدْرُ الواجب، أي مراعاة قواعد النطق السليم في اللغة العربيّة، وإن كان أصل التلاوة سنّة، أي أنّ أصل تلاوة القرآن الكريم سنّة وليس واجباً، لكن من قام بهذه السنّة فواجب عليه قراءة القرآن قراءةً سليمة.

فيلزم من يريد قراءة القرآن أن يقرأه قراءة عربيّة سليمة فلا يغيّر المعانيّ، وهو ما يسمّيه علماء التجويد (اللحن الجليّ) أي الخطأ الواضح الذي يغيّر المعاني.

أمّا حكم التجويد بمعنى:
(الإظهار والإدغام والمدود والغنّات والترقيق والتفخيم وغيرها من الزيادة على القراءة العربيّة الفصيحة العاديّة)
فحكمه مثل اسمه: تجويد وتحسين للقراءة وليس شرطاً لها ولا فرضاً، فالتجويد كمال للقراءة فهو مستحَب، وليس فرضاً ولا شرطاً والله تعالى أعلم.

كما قال ابن الجزريّ:

وَهُوَ أَيْضاً حِلْـَية الـتِّلاَوَةِ * وَزِينَـةُ الأَدَاءِ وَالْقِــرَاءَةِ

يقول الإمام الملا عليّ القاري شارح المقدّمة الجزريّة:

“وينبغي أن تُراعى جميع قواعدهم وجوباً فيما يتغيّر به المبنى، ويفسد به المعنى، واستحباباً فيما يحسن به اللفظ أو يستحسن به النطق حال الأداء.
وأمّا اللحن الخفيّ وهو الأخطاء التجويديّة فقال: لا يُتَصَوَّر أن يكون فرض عين يترتب العقاب على قارئه، لما فيه من حرج عظيم”.

أصل قراءة القرآن الكريم سنّة،
أمّا الإيمان به والعمل بمقتضاه من القيام بالواجبات واعتقاد عقائده فهذا واجب لازم،
للثنائيّة المتكرّرة في القرآن الكريم عشرات المرّات، الآمرة:

  • {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
  • {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}

وأمّا هجر القرآن الكريم المذموم في قوله تعالى:

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30)} [الفرقان: 30]

فالمقصود هجر الإيمان به، وعدم العمل بمقتضاه، كما هو واضح من سياق الآيات:

{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ … وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ …} [الفرقان: 25 – 34]

يقول ابن كثير:

“يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِراً عَنْ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ محمّد … فَنَسْأَلُ اللَّهَ الكريمَ المنّانَ القادرَ عَلَى مَا يَشَاءُ، أَنْ يُخَلِّصَنَا مِمَّا يُسْخطه، وَيَسْتَعْمِلَنَا فِيمَا يُرْضِيهِ” [تفسير ابن كثير (6/ 108)]

طبعاً هنا لا نقصد ترغيب الناس بالزهد بقراءة القرآن الكريم،
ففضل تلاوة القرآن الكريم عظيم،
فإذا لم نقرأ القرآن الكريم فماذا سنقرأ؟
وكيف سنستفيد منه لو لم ندم على تلاوته وتدبّره والاستضاءة بتوجيهاته؟

قال تعالى:

  • {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} [العنكبوت: 45]
  • {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27]
  • {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 91- 92]
  • {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً (82)} [النساء: 82]
  • {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمّد: 24]

وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«اقرؤوا القرآن، فإنّه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة»

أخرجه مسلم، وغيره الكثير من الأحاديث الواردة في فضل تلاوة القرآن الكريم.

ـــــــــــ




حفظ القرآن الكريم وحكم نسيانه:

حفظ القرآن الكريم وحكم نسيانه:

يحسن بطالب العلم أن يحفظ القرآن كلّه ويستظهره، أو على الأقلّ يحفظ منه قدر ما يستطيع، ويستعين على ذلك بأن يحفظ على شخص مُجاز متقِن، ويستعين بقواعد الحفظ، ومن أفضلها بحسب اطلاعي كتاب يحيى الغوثاني (كيف أحفظ القرآن الكريم؟).

فالحفظ يضطر المرء أن يديم مراجعة القرآن الكريم، واستحضار نصوصه، وهذا يساعده على تدبّره واستحضار معانيه، ويبقي قلبَه متّصلاً بكتاب الله، فينهل من أنواره وإشراقاته، فكتاب الله تعالى ليس مقتصراً على المعلومات؛
بل فيه:

  • وعظ
  • وتذكير
  • وذِكر يحيي الإيمان في القلب وينوّره

فيدفعه للتطبيق وعمل الصالحات.

أمّا الذين يقولون: إن نسيان أي آية من آيات القرآن الكريم التي حفظها الإنسان من الذنوب العظيمة، فهم يعتمدون على حديث رواه الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(عُرِضَتْ عليَّ أجورُ أمّتيّ، حتّى القذاةُ يُخرجها الرجلُ من المسجد، وعُرِضَت عليّ ذنوبُ أمّتيّ، فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتِيَها رجلٌ ثمّ نَسِيها).

لكن المحقّقين من العلماء، وأئمة الحديث العارفين بصحيح الحديث وضعيفه قالوا:

  • إنّ هذا الحديث ضعيف
  • والحديث الضعيف لا يُؤخذ منه حكم شرعيّ

وهذا مقرّر عند أهل العلم، وإن رَخَّص بعضهم في العمل بالأحاديث الضعيفة في:

  • الترغيب
  • والترهيب
  • وفضائل الأعمال

فيما ثبت أصله بالكتاب والسنّة الصحيحة، واشترطوا لذلك:

  • ألّا يكون الحديث شديد الضعف
  • بل ضعفه ضعف يسير

أمّا هنا ففي الحديث حكم بأنّ نسيان القرآن من أكبر الذنوب، وهذا لا يكفي فيه حديث ضعيف.

ولو أنّنا أخذنا بهذا القول، لامتنع الناس عن الحفظ؛
فحفظ القرآن ليس فرضاً،
الفرض أن يحفظ الفاتحة وبعض آيات أو سور ليقرأها في صلاته،
وما عدا ذلك ليس فرضاً،
فإذا كان نسيان شيء ممّا حُفِظ كبيرة من الكبائر، أو ذنب من الذنوب العظيمة،
فسيقول كثير من الناس الأَولى ألّا أحفظ القرآن!

وعلى تقدير صحّة الحديث فهو ليس في النسيان الذي يطرأ على الإنسان ويعرض له،
ولكنّه النسيان بمعنى:

  • الإعراض عنه
  • وترك العمل

فيكون معنى الحديث على معنى قوله تعالى:

{كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:126].

قال ابن عيينة:
النسيان المذموم هو ترك العمل به، وليس من انتهى حفظه وتفلّت منه بناسٍ له إذا عمل به، ولو كان كذلك ما نسي صلّى الله عليه وسلّم شيئاً منه، قال تعالى:

{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} الأعلى:6-7.

وروى البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها قالت:
سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلاً يقرأ في المسجد، فقال:

(رحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، أسقطتهن من سورة كذا وكذا).

ومع ذلك، فمن الجيّد أن يحفظ المسلمُ وبخاصة طالب العلم الشرعيّ القرآنَ الكريم لحديث عثمان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

“خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه”.

والحفظ مُعينٌ على:

  • التعلّم
  • والتعليم

وبعد الحفظ عليه أن يحرص على:

  • ألّا ينساه
  • وأن يتعاهده

كما يتعاهد أيّ علم تعلّمه، كما قال بعضهم:

وأَدِمْ للعلم مذاكرةً *** فحياةُ العلم مذاكرتُه.

قال الإمام السخاويّ في حقّ تكرار المحفوظ من الحديث وهو ينطبق على القرآن الكريم:

“وكرّره على قلبك، فالمذاكرة تعينك على ثبوت المحفوظ، وهي من أقوى أسباب الانتفاع به، والأصل فيها معارضة جبريل مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم القرآن في كلّ رمضان”.

جاء في الحديث المتّفق عليه:

(تعاهدوا القرآن، فوالذى نفسي بيده؛ لهو أشدّ تفصِّياً (أي تَفَلُّتاً) من الإبل في عُقُلها).

وقوله صلّى الله عليه وسلّم:

(إنّما مَثَل صاحب القرآن كمَثَل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت).

فالقرآن يحتاج إلى:

  • تعهُّد
  • ومراجعة مستمرّة

ولذلك حفّاظ القرآن يقولون:
(القرآن غلَّاب)، أي: مهما حفظته قد يغلبك وتنسى منه شيئاً، وتشتبه عليك الآيات.

وعلاج النسيان:

  • أن يداوم الحافظ على كتاب الله
  • على مراجعة القرآن ما استطاع

والأولى بحافظ القرآن:

  • أن يقرأ كلّ يوم بعضاً من القرآن
  • أن يقرأ من القرآن يوميّاً
  • ويقرأه في الصلوات

في كلّ صلاة يقرأ شيئاً ممّا يحفظ،
حتّى يظلّ القرآن حاضراً حيّاً في ذاكرته ولا ينسى منه شيئاً.

أمّا إذا حفظ الإنسان الآية من القرآن، ثمّ نسيها بغير تقصير منه، فلا شيء عليه،
ولم يصحّ ما ورد في ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما ذكرنا،
وهذا رأي شيخنا القرضاويّ رحمه الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال اقتباس من الجزء (2) من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة




هل في القرآن الكريم العلوم كلّها؟

كثيراً ما نسمع من بعض الفضلاء أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، فهو نظام شامل، وهذا حقّ لا ريب فيه، ونسمع أنّ كلّ شيء مذكورٌ في القرآن الكريم، ففيه علم الأوّلين والآخرين، وفيه علوم الدنيا والدين كلّها، الأنظمة والأفكار والحلول كلّها، وقد ورد عن بعض السلف مثل هذا الكلام.

ويستشهدون بمثل قوله تعالى:
{مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شَيْءٍ}،
{وَنزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}،
{أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}،
{وتِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}،
{قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ (فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا}،
{اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

رغم أنّ الآية الأولى –والتي يستشهدون بها أكثر من غيرها– فسّرها كثير من المحقّقين بأمّ الكتاب، واللوح المحفوظ الذي كتب فيه كلّ ما سيحصل في الدنيا، وعلى القول بأنّها القرآن الكريم فإنّ هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى: ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ.

وهذا المعنى هو الذي يجب المصير إليه في تفسير هذا المبدأ العامّ، وهو أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، التي تدلّ عليه الأدلّة السابقة وغيرها، أي جاء بآيات وأحاديث تفي بحاجة توجيه الناس، ومن هذه الأحكام مبادئُ عامّة تصلح قواعد وأصولاً نستقي منها الفروع والتطبيقات المتجدّدة عبر تطوّر الحياة واتّساعها.

وإلّا لما اضطررنا لمصادر تشريعيّة غير الكتاب والسنّة، لذلك قال علماء الأصول:

“لمّا كانت النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، كان لا بدّ من القياس وغيره من الأدلّة التي نحتاجها للحكم على المستجدّات غير المنصوصة”.

فالمصدر الأصليّ في التشريع الإسلاميّ هو القرآن الكريم، وهو أرشدنا للرجوع إلى السنّة:
{وأطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ}.

والكتاب والسنّة أرشدانا للعقل السليم، والعقل –مسترشِداً بالكتاب والسنّة– دلّنا على كون القياس الصحيح طريقةً سليمةً لاستنباط الأحكام والإرشادات الشرعيّة، وكذلك:

  • اعتبار المصلحة التي لم يُنْهَ عنها
  • استصحاب البراءة الأصليّة
  • اعتبار الأعراف الصالحة
  • منع وسائل ومداخل المنهيّات بسدّ ذرائعها

وهكذا اتّضح لنا أنّ القرآن الكريم دلّنا على منابع وقواعد المعرفة الصالحة من خارجه، التي تعتمد اجتهادَ الإنسان، أيّ الجانب البشريّ من التشريع.

ومن حكمة الله تعالى أنّه جاء بتعاليم مفصّلة لما كان ثابتاً، كالعقيدة والعبادات وأحكام الأسرة والمواريث.

وجاء بمبادئ وقواعد عامّة للمتغّيرات، مثل:

  • المعاملات الماليّة
  • أحكام الحرب والسلم
  • العلاقات الدوليّة
  • أحكام الإدارة السياسيّة
  • الإرشادات الاجتماعيّة

فالجانب البشريّ في تقدير التشريعات والأحكام الإسلاميّة المتغيّرة كبير، طبعاً مع مراعاة القواعد والمبادئ العامّة التي شرعها الشارع الحكيم، وبلزوم مراعاة هذه المبادئ الربّانيّة من قِبَل المشرّع من البشر يختلف التشريع الوضعيّ عن التشريع الإسلاميّ.

لكنّ بعض الخطابات الإسلاميّة توهم الناس أنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فيهما تفاصيل كلّ شيء، ويُقال هذا الكلام في سياق الوعظ ومدحِ الشرع الإسلاميّ!

وهذا من العبث المنهجيّ، فقد أنتج هذا الخطاب عندنا أناساً يشترطون النصّ من الكتاب والسنّة في كلّ جزئيّة من حياتنا.

وليت الأمر اقتصر على الجوانب التشريعيّة، لكنّ الأمر انتقل إلى:

  • العلوم التطبيقيّة
  • العلوم الإنسانيّة
  • الآليّات والأدوات والوسائل
  • النظم والإداريّات
  • تفاصيل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي
  • العلوم الطبيعيّة والكونيّة التجريبيّة

فوجدنا علماء يبحثون عن تفاصيل هذه الأمور كلّها في نصوص الكتاب والسنّة!


طبعاً لا يعني هذا تجاوز تعاليم الكتاب والسنّة، بل الذي ننكره تقاعس عقل المسلم عن الاجتهاد البشريّ في إيجاد تفاصيل وحلول لكيفيّة تسخير الكون، واختراع نظم إداريّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وتقنيّة، واكتشاف العلوم التجريبيّة وتطويرها لحياتهم الدنيويّة والمعاشيّة، امتثالاً لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

(أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

طبعاً هذه العقليّة أدّت بهم إلى عدم العثور على تفاصيل تلك النظم والآليّات في الكتاب والسنّة، فرجعوا إلى الحلول الإسلاميّة المحليّة رغم قدمها، حيث رجعوا للجهد البشريّ للمسلمين في العصور السابقة.

وهنا لا نقول: إنّ كلّ تراث أمّتنا العلميّ والعمرانيّ والثقافيّ متخلّف، ولا يناسب عصرنا، بل نقول: فيه ما يناسب عصرنا، وفيه ما تجاوزه العصر، ولم يعد صالحاً.

فكان اتجاههم ماضِويّاً، ينظر في تراثنا العلميّ والحضاريّ يريد تكراره.

وبمحاذاة ذلك ظهر سلوك آخر، رافض للحلول المستوردة (الغربيّة) ولو كانت عصريّة متقدّمة، وصالحة للاقتباس.

والحقيقة أنّ حلولنا الإسلاميّة تاريخيّاً، كان كثير منها اقتباساً من الحضارات المعاصرة للدولة الإسلاميّة، فاقتبسنا من فارس والروم كثيراً من الأنظمة والحلول.

فما المانع أن نقتبس من الغرب والشرق ما توصلّوا إليه من علوم إنسانيّة وتطبيقيّة وأدوات ووسائل ونظم وحلول ناجحة؟

بل نحن نتشارك معهم في كثير من القيم، كالصدق والأمانة واحترام الوعد والكرامة الإنسانيّة وحقوق الإنسان والحرّيّات والعدل والمساواة والتسامح.

فالحلّ ليس بتكرار التجربة الإسلاميّة الدنيويّة التاريخيّة بحذافيرها، ولا باستنساخ التجربة الغربيّة بكلّ تفاصيلها، بل بأخذ الصالح من التجربتين بما لا يتعارض مع قيمنا وتعاليم ديننا.

نحن نمشي بعكس المطلوب، فالمطلوب البحث خارج الكتاب والسنّة لتدبير شؤون حياتنا الدنيا، والنظر في الكتاب والسنّة للتوجيه والإرشاد.

فعمارة الأرض مهمّة دنيويّة بشريّة بحتة، أمّا الكتاب والسنّة فهما ضابطان لذلك الجهد.

وكان الإمام النورسي رحمه الله يقول:

(وسائلنا كافرة، ووسائلهم مؤمنة).

ويروي الشيخ محمّد متولّي الشعراويّ قصّة الإمام محمّد عبده في تفسير قوله تعالى:
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

فالكتاب –كالسنّة– للهداية، وليس موسوعة علميّة.
فللإنسان دور أساس في فهم تعاليم القرآن، واكتشاف علوم الأكوان.

ورد في بعض الآثار:

“ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه”.

فالقرآن الكريم يدفع بنا للانطلاق خارجه، والنظر في الآفاق والأنفس، ونحن نعود وننكفئ عليه مخالفين أمرَه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من

الجزء (2) من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة




النخبة والعامّة: من أين يبدأ الإصلاح؟

من أهمّ واجبات المثقّف المنشودِ الانشغالُ بما يحتاجه مجتمعه، وعدم الانعزال عن آلام وآمال مجتمعه، والوقوف مع القضايا العادلة مع المظلومين والمقهورين والضعفاء، والمشاركة بالتوعيّة والتنوير والإصلاح، وإلا كانت الثقافة باردة غير ذات نفع.

وهذا لا يعني الانهماك بالهمّ اليوميّ، ومتابعة الأخبار والحوادث الصغيرة والكبيرة!
فقد ينشغل الباحثون والمثقّفون والمفكّرون بقضايا مجتمعاتهم، ويتّخذون برزخاً بينهم وبين استهلاك اهتمامهم وجهدهم بمتابعة الأحداث اليوميّة، وذلك لانشغالهم بما يهمّ مجتمعاتهم، والعزلة الجزئيّة لحلّ مشكلات مجتمعه، فهو مشغولٌ عنهم بهم!

وإن كان التوازن واستمرار متابعة الأحداث باعتدال بقَدْر لا يشغلهم عن مهمّاتهم الكبرى هو الأَوْلى.


أ- الإصلاح بين النخبة والعامّة

لا شكّ أنّ أشرف المهن الإصلاح، وهي مهمّة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم سادة المصلحين عبر التاريخ.
ولا يتمّ صلاح إنسان ما لم يمارس الإصلاح، ولا طعم للحياة ولا سعادة دون هدف سامٍ وكفاح والعيش لقضيّة، ولا قضيّة أشرف من الإصلاح، والمساهمة في نهضة الأمّة وسعادتها.

وهذه المهمّة منوطة بالنخبة المثقّفة، وهذا هو سبب التركيز على بناء النخب الواعية، بأن تتكوّن عندنا طبقة مثقّفة واعية تساهم في قضايا أمّتها، وتشارك شعوبها آلامها وآمالها، وتناضل في سبيل قضاياها، تحت شعار:

{إِنْ أُرِيدُ إلّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨]

فحينما تريد أمّة أن تنهض، لا بدَّ أن تبدأ بإصلاح الإنسان، وأكثر شيء يؤثّر في الإنسان ثقافته، عبر مراجعة أفكار الأمّة وطُرُق التفكير والمحاكمة العقليّة لديها، فتقوّي الأفكار الصالحة، وتقتلع الأفكار الفاسدة.


🔹 نحن نعيش ضمن العوالم التالية:

  1. عالم الأفكار:
    وهي الأفكار والتصوّرات والاعتقادات والمفاهيم والعادات والتقاليد والأعراف والنُّظُم.
  2. عالم الأشياء:
    وهي المواد الأوّليّة والآلات والمصنوعات، وكلّ ما عدا الإنسان، من الموادّ الخامّ والمصنّعة.
  3. عالم العلاقات:
    وهي الأواصر الناظمة للصِّلاتِ بين البشر.
  4. عالم المشاريع:
    وهي الأعمال والمهن والأنشطة التي يقوم بها البشر.

والإصلاح يبدأ من الأوّل (عالم الأفكار)، لأنّ الأفكار تؤثّر في الإنسان، والذي سيؤثّر بسلوكه في بقيّة العوالم ويغيّرها.

لذلك نحن بحاجة إلى المثقّفين المصلحين ومصلحي المثقّفين، فكلّما تعقّدت الحياة يتعقّد معها كلّ شيء، ومنه شروط المصلحين.

فانتشار العلم والتعليم وارتفاع المستوى الثقافيّ لدى الناس، يستلزم ارتفاع مستوى المصلحين ثقافيّاً، حتّى يتمكّنوا من التأثير المطلوب في الناس، والمطلوب المثقّف الذي يحمل هموم أمّته، ويناضل في سبيلها، لا الأنانيّ المشغول بنفسه، ولا المتشائم الذي أخذ “إجازة مفتوحة” عن العمل الإصلاحيّ.


🔸 الإصلاح يبدأ بثقافة النخبة

  • الثقافة النخبوية:
    تتكوّن بطريقة واعية موجّهة تمكّنهم من قيادة غيرهم، والتأثير فيهم.
  • الثقافة الشعبيّة:
    تتشكَّل بطريقة تلقائيّة دون شعور ولا إرادة عبر تلقين المجتمع لهم، ويتشبَّع بها العاميّ ويتشبَّث بها، وتغييرها صعب.

الغريب في الموضوع أنّ العاميّ غالباً ما يكون أكثر تعصّباً لأفكاره من المثقّف، لأنّ المثقّف يعرف أنّ هذه وجهة نظر، وهناك وجهات نظر أخرى، أمّا العاميّ فيصارع من أجل أفكاره.
وكذلك الحال لدى المقلّد والمجتهد، فالمقلّد أكثر تمسّكاً بالآراء التي يعتنقها أكثر من المجتهد.
وكذلك الأمر عند المنتمين لجماعة أو حزب أو تيّار، وعندهم آيديولوجيا معيّنة، فهم أشدّ التزاماً بها من واضعها، لأنّه يعلم أنّها اختيارات ظنّيّة.

لذلك، مناقشة المؤدلَج كالضرب على الحديد البارد، كما وصف الإمام الغزاليّ رحمه الله مناقشة المقلِّد:

“شرْط المقّلد أن يَسكت ويُسكت عنه، لأنّه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج، ولو كان أهلاً له كان متَّبَعاً لا تابعاً، وإماماً لا مأموماً، فإنْ خاض المقلِّد في المحاجَّة فذلك منه فضول، والمشتغل به كضارب في حديد بارد”( ).


🔹 نتائج تقاعس النخبة عن الإصلاح

فمهمّة النخبة تغيير الثقافة الشعبيّة الخاطئة، وإذا لم يفعلوا فإنّهم:

  • يقضون على إمكانيّة انطلاقة حضاريّة راشدة، فالنهضات على مستوى الدول تحتاج اشتراكاً ومساهمة من طبقات المجتمع كلها.
  • ستتكرّر الأخطاء، وتصل لبيوتنا لأنّنا جزء من هذا المجتمع، ولا نستطيع العيش بمنأى عنه.
  • فبالنهاية سنضطر للاحتكاك بمجتمعاتنا، وسينعكس تقدّم المجتمع أو تخلّفه على تفاصيل حياتنا، وفي (حديث السفينة) عبرة.

ثم ما فائدة ثقافة كبيرة تبقى في صدر صاحبها؟
سيبقى نفعها قاصراً عليه غير متعدٍّ، قال صلّى الله عليه وسلّم:

(لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)( ).

والنخبة هم القاطرة التي تجرّ عربات القطار، فعليهم المعوّل في إصلاح بقيّة أفراد المجتمع، لذلك نحن نركّز على إصلاح ثقافة النخبة، فبصلاحهم يصلح المجتمع، لأنّ العامّة يتّبعون النخبة ويثقون بهم عادة.


ب- العامّة لا يبتدعون

قد تتبّعتُ ظاهرة أستطيع التعبير عنها بالقاعدة التالية:

“العامّة لا يجرؤون على الابتداع.”

فكلّ ما يفعلونه، وبخاصّة في مجال الدين، قد سمعوه أو قرؤوه من مرشدين دينيّين.

فكثير من السلوكيّات الدينيّة التي كنتُ أستغربها من بعض العامّة، وأعرف أنّ (هذا السلوك الدينيّ) غير وارد في صحيح السنّة النبويّة، والعجيب أنّ هذه (السلوكيّات والتعاليم الدينيّة) كانت تمرّ معي -فيما بعد- في بعض الكتب الدينيّة، ودليلها غالباً ضعيفٌ أو أنّها بدعة غير واردة في القرآن الكريم، ولا في الثابت من السنّة النبويّة.

ومع الأيّام ترسّخت عندي هذه القاعدة:

(العامّة لا يجرؤون على الابتداع)

فلو لم يقرؤوا هذا الأمر الدينيّ، أو يسمعوه من المختصّين لما أقدموا على فِعله.

طبعاً لا أقصد هنا المنهيّات الشرعيّة بطبيعة الحال، بل أقصد بعض تفاصيل العبادات الدينيّة، التي يحرص عليها بعض المتديّنين ولا يفعلها الراسخون والمحقّقون من علماء الدين!


وهذا ينطبق على بقيّة العلوم أيضاً، فالعامّة لا يجرؤون على الافتئات على العلوم،
فلابدّ أنّ أحد النخب الثقافيّة أرشدهم إلى هذا السلوك أو أخبرهم بهذه المعلومة.
فالثقافة المنتشرة تمّ تمريرها وإقرارها من النخب الثقافيّة في المجتمع.

لذلك:

إذا أردنا إصلاح ثقافة المجتمع، فعلينا بداية إصلاح ثقافة النخب، فهم قادة الرأي وهم الأكثر تأثيراً في ثقافة مجتمعاتنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من كتاب

مقدمات منهجية

 لبناء ثقافة إسلامية فاعلة




حين تتحول الثقافة إلى عمل وإبداع

يمكننا تقسيم ثمرة الثقافة الفاعلة إلى قسمين: علم وعمل.

  • أمّا العلم والمعرفة المتولّدة عن الثقافة الفاعلة؛ فينبغي أن يكون وعيًا مميّزًا فيه موضوعيّة وعمق بفهم الواقع، ويترتّب عليه قرارات راشدة.
    فالمطلوب: فهم الواقع والمتوقّع وما ينبغي عمله، وإن أراد صاحب الثقافة الفاعلة كتابة بحث علميّ، فيجب أن يأتي بإضافة معرفيّة، ولا يكون تكرارًا لما سبق.
  • وأمّا العمل فهو ثمرة العلم، وإلّا فما فائدة علم بلا عمل؟!

وسنبسط القول قليلاً بهذين الجانبين:


أولاً: الإضافة المعرفيّة

ما زلتُ أذكر أستاذي الذي أشرف عليّ في مرحلة الماجستير، جزاه الله خيرًا، عندما أمسك بإحدى خطط البحث المقترحة للماجستير (وكانت حوالي سبع صفحات).
قرأ الخطّة ثمّ أشار إلى جزء صغير فيها وقال:

“هنا عملك!”

يقصد: هنا العمل الحقيقيّ، والباقي تكرار لمن سبقك.

تأمّلت تلك الخطّة فوجدتُ كلامه صحيحًا ودقيقًا، ففي ذلك الجزء الصغير الذي أشار إليه من الخطّة، كانت النوازل والمستحدثات المعاصرة التي تحتاج إلى اجتهاد جديد.


انتشار الكتابة والبحوث

انتشرت في ديار المسلمين — والحمد لله — الدراسات العليا، وكتابة البحوث خلال مراحل التعليم كلّها، كما انتشر التأليف والكتابة، فلا يكاد يوجد عالم أو طالب علم، إلّا وله مقالات ومؤلّفات.
وهي ظاهرة ممتازة، فالعلم ينضج بالكتابة والتصنيف.

لكن:
ما هي قيمة هذه الكتابات العلميّة؟
وما الإضافة المعرفيّة التي تقدّمها؟!

لا شكّ أنّ النوعيّة تأتي في طيّات الكمّيّة، لكن أن يكون أغلب المؤلّفات غثاء وتكرارًا، فهذه ظاهرة تستحقّ النقد والتطوير.

لذلك علينا أن نشجّع الباحثين على الإبداع والاجتهاد الجديد.


ما المقصود بالإبداع؟

نقصد بالإبداع:

  • إيجاد المفقود
  • وتطوير الموجود

إيجاد المفقود يعني: الحلول المفقودة للمشكلات التي نعاني منها علميًّا وعمليًّا.
تطوير الموجود يعني: أنَّ الحلول موجودة، لكن الباحث اخترع أو اكتشف حلولًا أكثر فائدة، فطوّر الحلول والعلوم النظريّة الموجودة.

وعندما تساهم البحوث العلميّة بدورها المنوط بها، ينعكس ذلك على الحياة العلميّة والعمليّة، فتتطوّر الأنظمة والأفكار والمنتجات، وتنهض البلاد.


عوائق أمام الإبداع

لكنّ بعض المتخلّفين — حتّى ممّن يحملون الألقاب العلميّة، ويشرفون على الباحثين، ويشاركون في مناقشة البحوث — يُخرجون هذه البحوث عن مقصودها وهدفها، فيمنعون الباحث من الترجيح أو إبداء الرأيّ، ويوبّخونه ويسخرون منه لو ظهرت شخصيّته في البحث!

حتى قال أحد (الدكاترة): “الترجيح بين أقوال العلماء قلّة أدب”!

طبعًا، بمعيار هذا الدكتور كلُّ علمائنا — حاشاهم — قليلو أدب، فكتبهم طافحةٌ بالترجيح والردّ على المخالفين.

وبهذا المنهج الجامد يفقد البحث العلميّ فائدته وهدفه.


بين الجمود والتطوّر

نحن — مع الأسف — نستورد الوسائل المتطوّرة من الأمم المتقدّمة، ثم نخضعها لمنظومتنا المتخلّفة، بدلاً من إجراء التعديلات المطلوبة في واقعنا، لتعمل الوسيلة بكفاءة وتؤتي ثمارها.

فتصبح تلك الوسيلة — مع الأسف — جزءًا من الواقع المتخلّف، لأنّنا قتلنا فيها أهمّ ما فيها، فتصبح كالآلة العقيمة التي تعمل وتعمل ولا تنتج شيئًا!


نحو بحوث مركّزة

يجب أن نعمل على أن تصبح بحوثنا دائمًا مركّزة، بدلاً من ركام الأوراق التي تضيّع الجهود والأوقات والأموال وتخلو من العطاء الجديد.

فكثير من الكتب الإبداعيّة التي أحدثت ضجّةً ونقلة نوعيّة في الوسط العلميّ العالميّ؛ كانت مقالة أو كتيّبًا صغيرًا!

“لكنّنا قومٌ مفتونون بالكمّيّة على حساب النوعيّة”
— كما يقول أستاذنا د. عبد الكريم بكّار.

فالتفاخر الممجوج هو التفاخر بعدد الصفحات لا بنوعيّة الكتابة والجديد فيها.


مثال الجامعات العالمية

الجامعات العالميّة المرموقة تعطي درجة الدكتوراه على بحث صغير الحجم (عدّة ورقات)، لأن المهمّ هو الفكرة الجديدة، لا تكرار المعلومات التي سبقت دراستها.


🔑 من مفاتيح الإضافة المعرفيّة

بالإضافة إلى ما مضى من تحريض على العطاء العلميّ وكسر قيود الجمود، هناك مجموعة أفكار وقواعد مهمّة في فتح مجالات الإضافة المعرفيّة:


أ- البحث للإجابة لا للتكرار

ينبغي أن تكون الكتابة أو البحث وسيلة للإجابة عن سؤال أو حلّ مشكلة، فهو إيجاد مفقود أو تطوير موجود.
أمّا البحث لمجرّد الجمع والتكرار، فليس فيه إضافة معرفيّة ذات بال.


ب- التمييز بين المفاهيم

يجب التمييز بين:

  1. الدين والتديّن العرفيّ الاجتماعيّ:
    فالتديّن امتزاج أفهام وأعراف المسلمين وعاداتهم بكيفيّة تنفيذ بعض تعاليم الدين.
  2. الدين والتاريخ:
    فالتاريخ هو تصرّفات البشر، وبخاصّة الطبقة الحاكمة.
  3. الدين واجتهادات البشر في فهم الدين:
    فالشريعة (الكتاب والسنة) صالحة لكلّ زمان ومكان، وليس فهم البشر لهما كذلك.
  4. الثوابت والمتغيّرات:

    • الثوابت تمثّل الأصالة
    • المتغيّرات تمثّل المعاصرة

فمحكمات الشريعة التي تمّ الإجماع عليها لا تتغيّر، لأنها الأسس، كأركان الإيمان والإسلام، والمحرّمات والواجبات والقيم الكبرى.

ومشكلتنا هنا مع صنفين:

  • من يوسّع دائرة المحكمات فيجعل الظنّيّات يقينيّات.
  • ومن يقتحم المحكمات ويجعلها ظنّيّات وخلافيّات.

ج- تغيّر الزمان والواقع

يجب الإتيان بما يوافق الواقع ويُرشده، فالكثير مما قيل في السابق لا يناسب الواقع لتغيّره الجذريّ.
وهذا لا يعني تسويغ الانحرافات، بل يعني فهم الواقع بعمق قبل الحكم عليه، وإيجاد وسائل ونظم معاصرة أكثر كفاءة من نظم الماضي.


د- لا تنظر للقائل، بل للقول

قال علماؤنا:

“لا يُعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.”

والمقصود:

  • لا تستسلم للأسماء الكبيرة.
  • ولا تستصغر الأسماء المغمورة.

فكم في السواقي ما ليس في البحار.

ليس هناك من هو أقلّ من أن يُفيد، ولا أكبر من أن يستفيد.

“ليس منا إلّا رُدَّ ورُدَّ عليه، إلّا صاحب هذا القبر ﷺ” — كما قال الإمام مالك رحمه الله.


هـ- لا تغترّ بكثرة القائلين

الحقّ ما وافق الدليل، لا ما وافقه الجمهور.
فالقول لا يُحتجّ به، بل يُحتجّ له.

كثيرًا ما يُدّعى “الإجماع”، مع وجود مخالفين تم تجاهلهم.
وهي مغالطة تُسمّى الاحتكام للكثرة.

قال بعض السلف:

“عليك بالحقّ، ولا تستوحش من قلّة السالكين، وإيّاك والباطل، ولا تغترّ بكثرة الهالكين.”

قال الله تعالى:

{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله…} [الأنعام: 116]
{أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17]
{أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187]
{أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4]
{كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92]

ومع ذلك، فـ”الكثرة والجمهور” لهم وزن معتبر في العقول السليمة، لذا فمخالفتهم ليست سهلة، ولكنها ليست ممنوعة كذلك.

فكن على حذر عندما تخالف جمهور العلماء.


و- كم ترك الأوّل للآخر

المعرفة تراكميّة، ومن المنطقيّ أن يبني اللاحق على السابق ويضيف إليه.
لذلك، علينا ألا نصادر فهم المعاصرين لحساب القدماء، في المتغيّرات طبعًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من كتاب:

مقدمات منهجية

 لبناء ثقافة إسلامية فاعلة




الهوية الإسلاميّة وبناء النهضة

الإسلاميّة: الانتماء إلى هويّة الأمّة والدين الغريب:

المثقّف المنشود هو الذي ينتمي إلى هويّة مجتمعه، ويحمل ثقافته الأصيلة والمعاصرة، وإلّا كان صوتاً نشازاً في مجتمع مختلِف!

مرّت بي فترة فكّرت فيها بتأليف كتاب أجمع فيه الحكم والأقوال المأثورة، التي تحمل معاني راقية، وحكماً بليغة، وقِيَماً عالية، من كلّ الديانات!

وسبح بي الخيال، وحلمتُ بجمع أفضل ما عند الأديان والمذاهب في العالم من تعاليم وأخلاق وأحكام.. كدين جديد جامع.

ثمّ بعد مدّة طويلة عزفت عن هذه الأمنية، وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ:

  1. كلّيّات القيم والأخلاق والمبادئ مشتركةٌ بين البشريّة تقريباً.
  2. فلا يوجد دين أو فلسفة (محترَمة) تبيح:

    • الكذب،
    • الخيانة،
    • القتل،
    • السرقة،
    • الزنا…
      أو تعتبر ذلك فضيلة!

وبما أنّ هذه الكليّات مشتركة، فما فائدة أن آتي بحكمة لبوذا تحضّ على الصدق وأسوقها في مجتمع مسلم؟!

لأنّ هذه الحكمة ستعاني كثيراً في اختراق الثقافة العربيّة أو الإسلاميّة، بينما لو جئت بحكمة مشابهة عن:

عمر بن الخطاب،أو الإمام الغزاليّ،أو الإمام الدِّهلويّ

فستجد هذه المقولة الطريقَ معبّداً أمامها.

لا أقصد هنا ألّا نستشهد بقول لأحد حكماء الإنسانيّة، فـ:
“الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها” (رواه الترمذيّ).


وهكذا، فهذه التجربة تعبّر عن واجب النُّخَب والمثقّفين والمصلحين، وهو أن:

  • يخاطبوا المجتمع من داخل ثقافته وضميره ووجدانه.
  • يمرّروا ما يشاؤون من إصلاحات بهذه الطريقة.

حتى لا يقاوم الناس الإصلاح حفاظاً على الهويّة.

وهذا لا يعني السكوت عن:

  • الجهل،
  • الانحرافات،
  • البدع،
  • الخرافات.

بل حتى مناهضة هذه الأمور تحتاج خطاباً من داخل ثقافة المجتمع، بـ:

  • الحكمة،
  • الموعظة الحسنة،
  • الجدال بالتي هي أحسن.

قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:٤]


فالإسلام هو:

  • المكوّن الأوّل لهويّة الأمّة وثقافتها،
  • روح دافعة،
  • مبادئ موجّهة،
  • قوّة جامعة.

ولا نهضة للأمّة بتجاوز الإسلام.

وكلّ أمّة تبني حضارتها وفق ثقافتها وهويّتها، وإلّا كانت حضارتها استنساخاً لحضارة غيرها، وهذا لا تفعله أمّة تحترم نفسها.


ونحن نعاني من تيّارين:

  1. تيّار استغرابيّ: يريد استنساخ تجربة الغرب بحذافيرها.
  2. تيّار تراثيّ: يريد الانغلاق على الذات، واسترجاع التجربة التاريخيّة.

وكلاهما خطأ:

  • لو كانت علومنا وآليّاتنا القديمة صالحة للاستمرار لبقيت، لكن الزمن تجاوزها.
  • وبالمقابل لا يجوز (ولا يمكن أصلاً) استنساخ تجربة أمّة مختلفة عنا.

الحلّ هو:

الحفاظ على عناصر الهويّة والثقافة الأساسيّة. الاقتباس والاستفادة من علوم الآخرين وخبراتهم. صهر ذلك ضمن حضارتنا المعاصرة.

وذلك مثل إنسان مسلم ملتزم: يسافر ويكبر وينمو ويشتدّ عوده، يتعلّم ويتهذّب ويكتسب الخبرات، لكن ملامحه الأساسيّة هي هي، ومبادئه وقيمه الرئيسة هي هي.

والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل




الذكاء… فطرة تُصقل بالاجتهاد

الذكاء المكتسب

الذكاء نوعان:

  1. وهبي: منحة الله تعالى للإنسان، وهو مختلف من إنسان لآخر.
  2. كسبي: وهو ما يهمّنا هنا.

🔹 الذكاء الكسبي:

  • التمرّس بالعلم، ومصاحبة العقلاء والعلماء والأذكياء، يمنح الذكاء وينمّيه.
  • أمّا مصاحبة البلهاء والجهلاء فتعطي الجهل وتميت الفطنة.

قد يلمس الفرد من نفسه ذكاءً أقلّ ممّا يرغب، فلا ييأس، بل يتابع ويجتهد، فمن سار على الدرب وصل.


مثال توضيحي

  • الأوّل: شخص ذكيّ جداً بالفطرة، لكنه أهمل ذكاءه بمجالسته العامّة والبسطاء.
  • الثاني: شخص بذكاء عاديّ، لكنه يخالط العلماء والمفكّرين والأذكياء، ويقرأ ويتعلّم ويتدرّب.

📌 مع الأيام سيتفوّق الثاني على الأوّل بمراحل، حتى لا يمكن المقارنة بينهما.

القصّة الرمزية: سباق الأرنب اللاهي والسلحفاة المجدّة.


الذكاء مهارة

  • التفكير مهارة مثل أيّ مهارة، يمكن تطويرها ورفع كفاءة العقل فيها.
  • الذكاء صحيح أنّه فطريّ، لكنّه ينمو بـ:

    • التعلّم المستمرّ.
    • حلّ المشكلات الاجتماعيّة والعاطفيّة.
    • الاستماع والقراءة.
    • التعلّم من تجارب الآخرين.
    • ممارسة التحدّيات العقليّة.
    • التفكير متعدّد المحاور والمركّب.
    • حلّ الألغاز وألعاب الذكاء.
    • التركيز العميق.

ولا شكّ أنّ الحفاظ على الصحّة الجسديّة له أثر مهم: العقل السليم في الجسم السليم.


تنمية الذكاء

  • تعلّم مهارات التفكير المختلفة (النقديّ، الإبداعيّ، التحليليّ، العلميّ، الموضوعيّ..) يحسّن المهارات الفطريّة ويرقّيها.
  • لكلّ مجال وتخصّص ذكاء وخبرة متراكمة، والتركيز فيها يرفع الذكاء وينمّيه.

رواية عن تلميذ أبي حنيفة

  • يُروى أن أحد كبار أصحابه ناقشه يوماً، وظهرت عليه أمارات التفوّق، فقال له الإمام: “كنتَ بليداً فأخرجتك المواظبة”.
    أي: جئتنا عادياً، وبعد التعلّم ومجالسة العلماء أصبحتَ نابهاً.

حلقة أبي حنيفة رحمه الله

  • كانت مثل حلقات الفلاسفة العظام، تضمّ الأذكياء والنابهين.
  • طريقته في التعليم:

    1. طرح المسألة.
    2. فتح النقاش بين الطلاب.
    3. تدوين خلاصة الآراء بعد إشباع البحث.

  • لذلك وُجدت في كثير من المسائل آراء متعدّدة لكبار أصحابه.

ملاحظة حول النقد

  • هذا المنهج لا يلتقي مع الإخباريّين الذين انشغلوا بمجرد نقل الروايات.
  • بعضهم وصف مجلس أبي حنيفة بأنه: “مجلس لغو لا وقار فيه” لأن الأصوات تعلو بالنقاش.
  • يُروى أن سفيان بن عيينة رحمه الله مرّ بحلقة أبي حنيفة، فسمع الأصوات وقال: “يا أبا حنيفة! هذا مسجد، وهذا الصوت لا ينبغي أن يرفع فيه”.
  • فأجابه أبو حنيفة: “دعهم، فإنّهم لا يفقهون إلّا بهذا”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من كتاب

مقدمات منهجية

 لبناء ثقافة إسلامية فاعلة