الإصلاح بين النخبة والعامّة

الإصلاح بين النخبة والعامّة:

لا شكّ أنّ أشرف المهن الإصلاح، وهي مهمّة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم سادة المصلحين عبر التاريخ، ولا يتمّ صلاح إنسان ما لم يمارس الإصلاح، ولا طعم للحياة ولا سعادة دون هدف سامٍ وكفاح والعيش لقضيّة.

 ولا قضيّة أشرف من الإصلاح، والمساهمة في نهضة الأمّة وسعادتها، وهذه المهمّة منوطة بالنخبة المثقّفة، وهذا هو سبب التركيز على بناء النخب الواعية، بأن تتكوّن عندنا طبقة مثقّفة واعية تساهم في قضايا أمّتها، وتشارك شعوبها آلامها وآمالها، وتناضل في سبيل قضاياها.

تحت شعار: {إِنْ أُرِيدُ إلّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨]

فحينما تريد أمّة أن تنهض، لا بدَّ أن تبدأ بإصلاح الإنسان، وأكثر شيء يؤثّر في الإنسان ثقافته، عبر مراجعة أفكار الأمّة وطُرُق التفكير والمحاكمة العقليّة لديها، فتقوّي الأفكار الصالحة، وتقتلع الأفكار الفاسدة.

فنحن نعيش ضمن العوالم التالية:

1 عالم الأفكار وهي الأفكار والتصوّرات والاعتقادات والمفاهيم والعادات والتقاليد والأعراف والنُّظُم.
2 عالم الأشياء وهي المواد الأوّليّة والآلات والمصنوعات، وكلّ ما عدا الإنسان، من الموادّ الخامّ والمصنّعة.
3 عالم العلاقات وهي الأواصر الناظمة للصِّلاتِ بين البشر.
4 عالم المشاريع وهي الأعمال والمهن والأنشطة التي يقوم بها البشر.

والإصلاح يبدأ من الأوّل (عالم الأفكار)، لأنّ الأفكار تؤثّر في الإنسان، والذي سيؤثّر بسلوكه في بقيّة العوالم ويغيّرها.

لذلك نحن بحاجة إلى المثقّفين المصلحين ومصلحي المثقّفين، فكلّما تعقّدت الحياة يتعقّد معها كلّ شيء، ومنه شروط المصلحين، فانتشار العلم والتعليم وارتفاع المستوى الثقافيّ لدى الناس، يستلزم ارتفاع مستوى المصلحين ثقافيّاً، حتّى يتمكّنوا من التأثير المطلوب في الناس، والمطلوب المثقّف الذي يحمل هموم أمّته، ويناضل في سبيلها، لا الأنانيّ المشغول بنفسه، و لا المتشائم الذي أخذ “إجازة مفتوحة” عن العمل الإصلاحيّ.

وبناءً على ما سبق فإنّ الإصلاح يبدأ بثقافة النخبة: وهم من تشكّلت ثقافتهم بطريقة واعية موجّهة تمكّنهم من قيادة غيرهم، والتأثير فيهم، بينما الثقافة الشعبيّة: تتشكَّل بطريقة تلقائيّة دون شعور ولا إرادة عبر تلقين المجتمع لهم، ويتشبَّع بها العاميّ ويتشبَّث بها، وتغييرها صعب.

الغريب في الموضوع أنّ العاميّ غالباً ما يكون أكثر تعصّباً لأفكاره من المثقّف، لأنّ المثقّف يعرف أنّ هذه وجهة نظر، وهناك وجهات نظر أخرى، أمّا العاميّ فيصارع من أجل أفكاره، وكذلك الحال لدى المقلّد والمجتهد، فالمقلّد أكثر تمسّكاً بالآراء التي يعتنقها أكثر من المجتهد.

وكذلك الأمر عند المنتمين لجماعة أو حزب أو تيّار، وعندهم آيديولوجيا معيّنة، فهم أشدّ التزاماً بها من واضعها، لأنّه يعلم أنّها اختيارات ظنّيّة، لذلك مناقشة المؤدلَج كالضرب على الحديد البارد، كما وصف الإمام الغزاليّ رحمه الله مناقشة المقلِّد:

 “شرْط المقّلد أن يَسكت ويُسكت عنه، لأنّه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج، ولو كان أهلاً له كان متَّبَعاً لا تابعاً، وإماماً لا مأموماً، فإنْ خاض المقلِّد في المحاجَّة فذلك منه فضول، والمشتغل به كضارب في حديد بارد”([1]).

فمهمّة النخبة تغيير الثقافة الشعبيّة الخاطئة، وإذا لم يفعلوا فإنّهم:

يقضون على إمكانيّة انطلاقة حضاريّة راشدة، فالنهضات على مستوى الدول تحتاج اشتراكاً ومساهمة من طبقات المجتمع كلها.

وستتكرّر الأخطاء، وتصل لبيوتنا لأنّنا جزء من هذا المجتمع، ولا نستطيع العيش بمنأى عنه، فبالنهاية سنضطر للاحتكاك بمجتمعاتنا، وسينعكس تقدّم المجتمع أو تخلّفه على تفاصيل حياتنا وفي (حديث السفينة) عبرة.

ثم ما فائدة ثقافة كبيرة تبقى في صدر صاحبها؟ سيبقى نفعها قاصراً عليه غير متعدٍّ، قال صلّى الله عليه وسلّم:

(لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)([2]).

والنخبة هم القاطرة التي تجرّ عربات القطار، فعليهم المعوّل في إصلاح بقيّة أفراد المجتمع، لذلك نحن نركّز على إصلاح ثقافة النخبة، فبصلاحهم يصلح المجتمع، لأنّ العامّة يتّبعون النخبة ويثقون بهم عادة.


[1]) ) رسائل الإمام الغزاليّ، ص239

[2]. رواه البخاريّ.

هذا المقال مقتبس من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة من التكديس إلى الفاعليّة