العامّة لا يبتدعون

-العامّة لا يبتدعون
قد تتبّعتُ ظاهرة أستطيع التعبير عنها بالقاعدة التالية: (العامّة لا يجرؤون على الابتداع) فكلّ ما يفعلونه، وبخاصّة في مجال الدين، قد سمعوه أو قرؤوه من مرشدين دينيّين.

 فكثير من السلوكيّات الدينيّة التي كنتُ أستغربها من بعض العامّة، وأعرف أنّ (هذا السلوك الدينيّ) غير وارد في صحيح السنّة النبويّة، والعجيب أنّ هذه (السلوكيّات والتعاليم الدينيّة) كانت تمرّ معي -فيما بعد- في بعض الكتب الدينيّة، ودليلها غالباً ضعيفٌ أو أنّها بدعة غير واردة في القرآن الكريم، ولا في الثابت من السنّة النبويّة، ومع الأيّام ترسّخت عندي هذه القاعدة: (العامّة لا يجرؤون على الابتداع).

فلو لم يقرؤوا هذا الأمر الدينيّ، أو يسمعوه من المختصّين لما أقدموا على فِعله، طبعاً لا أقصد هنا المنهيّات الشرعيّة بطبيعة الحال، بل أقصد بعض تفاصيل العبادات الدينيّة، التي يحرص عليها بعض المتديّنين ولا يفعلها الراسخون والمحقّقون من علماء الدين!

وهذا ينطبق على بقيّة العلوم، فالعامّة لا يجرؤون على الافتئات على العلوم، لابدّ أنّ أحد النخب الثقافيّة أرشدهم إلى هذا السلوك أو أخبرهم بهذه المعلومة، فالثقافة المنتشرة تمّ تمريرها وإقرارها من النخب الثقافيّة في المجتمع، فإذا أردنا إصلاح ثقافة المجتمع، فعلينا بداية إصلاح ثقافة النخب، فهم قادة الرأي وهم الأكثر تأثيراً في ثقافة مجتمعاتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة من التكديس إلى الفاعليّة




النقد: مرآة الإبداع ومفتاح النهضة

ما هي حاجتنا للنقد؟[i]

• النقد كالدواء… مرٌّ، لكنّه مهمّ في التقويم والتصويب.

• والناجحون دائماً يطلبون من يرشدهم للخلل، وكذلك الأمم المتطوّرة تفرح بالكتابات الناقدة النوعيّة، حتّى إنّ الشركات الكبرى تموّل أبحاثاً لنقدها وذلك لتطوير منتجاتها وخدماتها وأدائها.

• بل أضحى للتفكير الناقد كتبٌ ودورات تقوم بها المؤسّسات والمنظّمات، وتحرص في اجتماعاتها على تمثيل الفكر الناقد، وذلك لأجل الانتباه للأخطاء والمخاطر والعيوب ونقاط الضعف في القرارات، وحرصاً على التطوير والإبداع، فلا يمكن إبداع جديد ما لم نشعر بقصور القديم، وبالتالي نقوم بالبحث والتنقيب والتفكير بحلول جديدة.

• فالتطوير والتقدّم مدينٌ للنقد، فلولاه لما عرفنا خطأ السابق، أو قصوره على الأقلّ، ولم نشعر بالحاجة لشيء أكثر صلاحيّة وتطوّراً، فالنقد بداية الإبداع، فلا بدّ من نقد السابق لنفكّر بإبداع الجديد.

• والمطلوب مرآة صقيلة مستوية، ترينا صورتنا على حقيقتها، لا المقعّرة التي تضخّمنا، ولا المحدّبة التي تصغّرنا.

• ولكن أليس بعض النقد هدّاماً؟ وبعضه جلداً للذات؟ وبعضه هدّاماً للرموز؟ وبعضه تشويهاً للتاريخ؟

• هنا يجب أن نميّز بين المندسّين المغرضين الهدّامين المعادين للمشروع الإسلاميّ، وبين الناقدين الناصحين الصادقين المنتمين للتيّار الإسلاميّ، الذين همّهم النصح والإصلاح والتطوير والتصحيح، فلا يدفعنا حبّنا وانتماؤنا وولاؤنا للتنظيمات والجماعات، وحماستنا لأفكارنا أن نضع الجميع في سلّ واحد.

• فهل كلّ ناقد كاره لمن ينقدهم؟ أو ضالّ أو مخطئ؟ أو يريد الشهرة والصعود على أكتاف المنقود، أو صاحب مصلحة أو مدفوعٌ له؟!

• علينا سماع المخالفين والنقّاد، بل البحث عنهم وعن أطروحاتهم، حتّى نطّلع عليها، ونقارن بينها وبين أفكارنا وسلوكنا، فنأخذ ما نراه صواباً، ونترك مالا نراه مناسباً.

• لأنّ المحبّ والمنتمي عادة لا ينتبه للأخطاء، لانغماسه بالعمل والتنفيذ، أو لشدّة حبّه وولائه، بينما من نصنّفهم (ناقدين متحاملين) فإنّهم كثيراً ما ينتقدون أشياء تستحقّ الانتقاد.

• ينبغي ألّا نتعامل مع كلّ فكرة مخالفة، أو نقد على أنّه (طعن) و(شبهات) ينبغي الردّ عليها، فنكون نتلقّى الكلام دون استماع، ولا فهم ولا تعقّل، بل نتلقّاه بألسنتنا لنردّ عليه كما عبّر القرآن الكريم:

(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ)،

بدل أن نتلقّاه بآذاننا لنعيه ونفهمه، ولا نتركه يمرّ على عقولنا، فلعلّ النقد صواب! ولعلّ الحقّ معه.

• إخواني: النقد والحوار ينفع مع من كان ولاؤه للإسلام أكبر من ولائه للفكرة أو الحركة أو التنظيم.

• النقد والحوار ينفع مع من يرى حزبه وجماعته ومذهبه الفكريّ أو الفقهيّ أو العقديّ أو السلوكيّ يراهم جزءاً من المسلمين، وليس الممثل الحصريّ للإسلام!

• أمّا من يرى تطابقاً بين فكره والإسلام، فلا ينفع معه النقاش، فهو ينطلق في نقاشه من كونه الممثّل الحصريّ للإسلام، فأيّ نقد لفكره يعني عنده نقداً للإسلام!

• وعلى كلّ حال.. فليس الحلّ مع الناقدين بنصب محاكم التفتيش والإقصاء، وتراشق التهم والألقاب والدخول بالنّيّات.

• كما أنّ السخرية والاستهزاء والتسخيف والاستخفاف بالناقدين ليس حلّاً، لأنّه يوغر الصدور، ويجافي بين القلوب، ويفرّق الصفّ، وقد يحوّل المنتقِد من مجرّد منتقد إلى عدوٍّ حقيقيّ.


[i] هذا المقال مقتبس من كتاب بصراحة
تحت عنوان: بين النقد والهدم  




ما هي حاجتنا للنقد؟

• النقد كالدواء… مرٌّ، لكنّه مهمّ في التقويم والتصويب.

• والناجحون دائماً يطلبون من يرشدهم للخلل، وكذلك الأمم المتطوّرة تفرح بالكتابات الناقدة النوعيّة، حتّى إنّ الشركات الكبرى تموّل أبحاثاً لنقدها وذلك لتطوير منتجاتها وخدماتها وأدائها.

• بل أضحى للتفكير الناقد كتبٌ ودورات تقوم بها المؤسّسات والمنظّمات، وتحرص في اجتماعاتها على تمثيل الفكر الناقد، وذلك لأجل الانتباه للأخطاء والمخاطر والعيوب ونقاط الضعف في القرارات، وحرصاً على التطوير والإبداع، فلا يمكن إبداع جديد ما لم نشعر بقصور القديم، وبالتالي نقوم بالبحث والتنقيب والتفكير بحلول جديدة.

• فالتطوير والتقدّم مدينٌ للنقد، فلولاه لما عرفنا خطأ السابق، أو قصوره على الأقلّ، ولم نشعر بالحاجة لشيء أكثر صلاحيّة وتطوّراً، فالنقد بداية الإبداع، فلا بدّ من نقد السابق لنفكّر بإبداع الجديد.

• والمطلوب مرآة صقيلة مستوية، ترينا صورتنا على حقيقتها، لا المقعّرة التي تضخّمنا، ولا المحدّبة التي تصغّرنا.

• ولكن أليس بعض النقد هدّاماً؟ وبعضه جلداً للذات؟ وبعضه هدّاماً للرموز؟ وبعضه تشويهاً للتاريخ؟

• هنا يجب أن نميّز بين المندسّين المغرضين الهدّامين المعادين للمشروع الإسلاميّ، وبين الناقدين الناصحين الصادقين المنتمين للتيّار الإسلاميّ، الذين همّهم النصح والإصلاح والتطوير والتصحيح، فلا يدفعنا حبّنا وانتماؤنا وولاؤنا للتنظيمات والجماعات، وحماستنا لأفكارنا أن نضع الجميع في سلّ واحد.

• فهل كلّ ناقد كاره لمن ينقدهم؟ أو ضالّ أو مخطئ؟ أو يريد الشهرة والصعود على أكتاف المنقود، أو صاحب مصلحة أو مدفوعٌ له؟!

• علينا سماع المخالفين والنقّاد، بل البحث عنهم وعن أطروحاتهم، حتّى نطّلع عليها، ونقارن بينها وبين أفكارنا وسلوكنا، فنأخذ ما نراه صواباً، ونترك مالا نراه مناسباً.

• لأنّ المحبّ والمنتمي عادة لا ينتبه للأخطاء، لانغماسه بالعمل والتنفيذ، أو لشدّة حبّه وولائه، بينما من نصنّفهم (ناقدين متحاملين) فإنّهم كثيراً ما ينتقدون أشياء تستحقّ الانتقاد.

• ينبغي ألّا نتعامل مع كلّ فكرة مخالفة، أو نقد على أنّه (طعن) و(شبهات) ينبغي الردّ عليها، فنكون نتلقّى الكلام دون استماع، ولا فهم ولا تعقّل، بل نتلقّاه بألسنتنا لنردّ عليه كما عبّر القرآن الكريم:
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ)،
بدل أن نتلقّاه بآذاننا لنعيه ونفهمه، ولا نتركه يمرّ على عقولنا، فلعلّ النقد صواب! ولعلّ الحقّ معه.

• إخواني: النقد والحوار ينفع مع من كان ولاؤه للإسلام أكبر من ولائه للفكرة أو الحركة أو التنظيم.

• النقد والحوار ينفع مع من يرى حزبه وجماعته ومذهبه الفكريّ أو الفقهيّ أو العقديّ أو السلوكيّ يراهم جزءاً من المسلمين، وليس الممثل الحصريّ للإسلام!

• أمّا من يرى تطابقاً بين فكره والإسلام، فلا ينفع معه النقاش، فهو ينطلق في نقاشه من كونه الممثّل الحصريّ للإسلام، فأيّ نقد لفكره يعني عنده نقداً للإسلام!

• وعلى كلّ حال.. فليس الحلّ مع الناقدين بنصب محاكم التفتيش والإقصاء، وتراشق التهم والألقاب والدخول بالنّيّات.

• كما أنّ السخرية والاستهزاء والتسخيف والاستخفاف بالناقدين ليس حلّاً، لأنّه يوغر الصدور، ويجافي بين القلوب، ويفرّق الصفّ، وقد يحوّل المنتقِد من مجرّد منتقد إلى عدوٍّ حقيقيّ.




التفكير بين القيود والانطلاق: فهم أخطائه وتقويته

أسباب أخطاء التفكير[1]

لماذا نقع في أخطاء التفكير؟

  • العقل محدود، ويتأثر بالمعلومات الخاطئة أو غير الدقيقة أو القديمة، كما أنه قد يرتكب أخطاء في التحليل والاستنتاج.

  • التفكير قد يؤدي إلى رأي صائب أو خاطئ، مثل الماء الذي ينبت أعشابًا ضارة أحيانًا.

  • رغم أن العقل أوجد حلولًا ومخترعات رائعة، إلا أنه تسبب في مشاكل خطيرة، مثل:

    • التلوث البيئي.

    • مخاطر أسلحة الدمار الشامل.

    • هيمنة التقنية والذكاء الصناعي وخروجهما عن سيطرة الإنسان.


  • العقل ليس معصومًا عن الخطأ، خاصة عندما ينقطع عن تعاليم السماء، مما يؤدي إلى انفتاح غير منضبط على الشهوات والغرائز.

عوامل أخرى تؤدي إلى أخطاء التفكير

  1. ضعف الإمكانات الذهنية، مثل الخيال والذاكرة والقدرة على التحليل والتركيب.
  2. تفاوت القدرات العقلية بين الأفراد.
  3. بعض المشكلات قد تكون أكبر من قدرة شخص واحد، مما يستدعي العمل الجماعي والتخصصات المتعددة.
  4. يمكن تحسين التفكير عبر التدريب والقراءة حول مناهج التفكير وأخطائه.

هل يمكن تقوية التفكير؟

التفكير نوعان

  • التفكير الاعتيادي: تلقائي وروتيني بسبب تكرار الأعمال، حيث يحوّل العقل المهام المتكررة إلى عمليات لا واعية، مثل قيادة السيارة أو الكتابة.

  • التفكير المدروس والمركّز: يتطلب جهدًا ووعيًا، وهو ما يُعرف بـ “فعل التفكير” وليس مجرد “ردّ الفعل”.

معوقات تحسين التفكير

  • الرضا عن مستوى التفكير وعدم الشعور بالحاجة إلى تحسينه.

  • أنظمتنا التعليمية تعتمد غالبًا على مهارات التفكير المتدنية (التذكر، الفهم، التطبيق) بدلًا من المهارات العليا (التحليل، التركيب، التقويم، الإبداع).

  • الخبراء التربويون لاحظوا أن الامتحانات تركز على اختبار الذاكرة وليس مهارات التفكير.

العقل كـ”عضلة التفكير

  • التفكير مهارة يمكن تطويرها، مثل المهارات اللغوية والحسابية.

  • الذكاء فطري لكنه ينمو بالتعلم والممارسة.

  • أبو حنيفة رحمه الله قال لأحد تلاميذه بعدما نضج فكره: جئتنا عادياً فأنضجتك الصُّحبة.

  • كان أسلوبه في التدريس يعتمد على النقاش والجدل، مما يعزز مهارات التفكير.

أهمية تعزيز التفكير الإبداعي

الدعوات لتنمية التفكير الإبداعي

  • ينادي إدوارد دي بونو بجعل التفكير الإبداعي ثقافة مجتمعية.

  • بعض الدول خصصت وزارات مثل وزارة تنمية الذكاء في فنزويلا.

  • الجامعات الحديثة بدأت بتدريس مهارات التفكير، بينما علماؤنا القدماء كانوا يدرّسون المنطق لحماية التفكير من الأخطاء.

التفكير كأولوية كبرى

  • المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

  • التفكير فريضة إسلامية، كما أشار العقاد في كتابه التفكير فريضة إسلامية.

  • طاقات العقول تكاد تكون مشلولة بسبب التقليد والجمود والخوف من النقد والإبداع.

عوائق التفكير الإبداعي في مجتمعاتنا

أمثلة على العبارات المثبطة

  • “وهل أنت أفهم منهم؟!”

  • “لو كان هذا الأمر ممكنًا، لفعله ألف شخص قبلك!”

  • “حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس.”

  • “انظر ماذا يفعل الناس وافعل مثلهم.”

  • “أنت تحبّ المخالفة!”

  • رغم أن الوضع أصبح أفضل من السابق، إلا أننا بحاجة مستمرة إلى التطوير.

  • القرآن يدعونا دائمًا إلى الأحسن قولًا وسماعًا واتباعًا وفعلًا وحوارًا، كما في الآيات:

    • (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

    • (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)

    • (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)

    • (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

    • تحسين التفكير يقلل الأخطاء


  • التحسن مطلوب دائمًا

  • لا يمكن تحقيق المثالية لأن العقول والمقدرات البشرية محدودة.
  • لكن هناك فرق بين أن تكون نسبة الصواب 30% والأخطاء 70%، وبين أن تصبح نسبة الصواب 95% والأخطاء 5%.
  • هذا الفرق هو ما يميز الشخص الناجح عن الفاشل، والشركة الناجحة عن الفاشلة، والمجتمع المتقدم عن المتخلف.

التفكير هو أقوى موارد البشرية في عصرنا

  • ما يولّده التفكير من أفكار وابتكارات وعلوم هو القوة الحقيقية لأي أمة.

[1] هذه المقالة جزء من مقدمة كتاب أخطاء التفكير




أخطاء التفكير

حاجة الإنسان إلى التفكير وإعمال العقل لا تقلّ عن حاجته إلى الطعام والشراب، فالتفكير حالة تلازم الإنسان بدأً من أصغر الأشياء وانتهاء بأعقدها.

والسباق اليوم بين الدول بات سباقاً فكرياً بامتياز، وباتت الأمة التي تستطيع تنظيم أفكارها وعلومها وتطويرها واستثمار هذه العلوم بما يخدم الشعب مادياً ومعنوياً هي الأمم الأكثر تقدّماً.

والمسلمون اليوم بأمس الحاجة إلى الاهتمام الدائم بالعقل والفكر ونتائجه، لأنهم أمة (اقرأ) وأمة (يتفكرون).

فكثيراً ما يتمّ التركيز في الخطاب الديني على الاهتمام بالأخلاق والالتزام السلوكي بتعاليم الدين والاهتمام بالروح، ولا يُعطى الاهتمام بالعقل المكانة التي يستحقها، ولا الاهتمام باستثمار هذه النعمة الكبرى التي ميّز الله بها الإنسان عن سائر الكائنات الاهتمام الذي يليق بمكانته.

 فالذي أعتقده أنّ العقل هو ما فضّل الله به الإنسان على سائر المخلوقات، ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً))(الإسراء:70).

فالعقل وما يتضمنه من حرية الاختيار وما يقتضيه من التكليف وما ينتج عنه من الحساب هو (الأمانة) التي عرضها الله على السماوات والأرض فأبين أنْ يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.

فاختراعات العقل واكتشافاته ومنجزاته شيء يستحق التقدير.. فسبحان من خلق الإنسان في أحسن تقويم..

لماذا هذا العنوان: أخطاء التفكير؟

وكيف تكون من أسباب تخلّفنا وتعيق النهوض في مجتمعاتنا وبلداننا؟

  1. لأنّ كل مشروع مبدع وراءه فكرة مبدعة، وكل مشروع فاشل وراءه أفكار فاشلة، أو إدارة فاشلة!
  2. التفكير يؤثّر على السلوك والعواطف والكلام والقرارات والآراء والقبول والرفض..
  3. حتى نصل لأفكار سليمة لا بدّ من اعتماد طريقة تفكير سليمة وتجنّب أخطاء التفكير،

فأخطاء التفكير مثل الفيروسات التي تعشعش في برنامج تشغيل الحاسوب، فتعيق حركته وانسيابيته، وقد تؤدّي لشلله وتعطّل عمله!

 وكذلك أخطاء التفكير تعيق عمليات التفكير في عقولنا، وتحرف تفكيرنا عن المسار الصحيح وقد توردنا المهالك! وبعضها يشلّ فاعلية صاحبها! كما سيظهر جلياً عند الاطلاع عليها.

فأخطاء التفكير من أهم أسباب تخلفنا، لذلك تجد أنماطاً مخطئة للتفكير تسود في البيئات المتخلّفة، بينما تنتشر منظومات فكرية غيرها في البيئات المتقدمة، حتى على صعيد الأفراد، فطريقة تفكير الناجحين مختلفة عن طريقة تفكير الفاشلين!

وكنت كلّما ناقشت معضلة ما مع أستاذي الكبير الدكتور عبد الكريم بكّار حفظه الله كثيراً ما يؤكّد على أهمية طرائق التفكير ومنهجيته السليمة وأنها من أهم المهمات ومن أَولى الأولويات الجديرة باهتمام المصلحين.

 هل هي أخطاء في التفكير أم أخطاء في التعبير؟

الحقيقة هي أخطاء في التفكير، فالتعبير ما هو إلا أداة لتوصيل المعاني والنتائج والأفكار التي نعتنقها.. لذلك عرّف المناطقة الإنسان بأنه (حيوان ناطق) أي مفكّر..

لذلك لو تكلم إنسان أمامنا بأفكار نراها خاطئة، نقول له: ما هذا الكلام؟!! أنت كيف تفكّر؟!!

لماذا التركيز على أخطاء التفكير:

لأنها سنة سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) ([1])

ولأن التخلية قبل التحلية، ولأن التنبيه على أخطاء التفكير تقع تحت الأمر بالمعروف والنهي بشكل أو بآخر، ولأن تلك الأخطاء تفسد الصواب وتعكّر التفكير، كما أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح فالانتباه لطرائق التفكير الخاطئة مقدّم على التركيز على طرائق التفكير السليمة..

ولأن كلّ قراراتنا بناء على العقل.. وحتى نرشّد العقل.. ونحسّن تفكيرنا..

ولكثرة المعلومات التي نغرق بها عبر وسائل التواصل والكتابات والفيديوهات في أيامنا، فلا بدّ من منهجيات ومهارات تفكير حتى نُحسن التعامل معها، ولترشيد حواراتنا وجدلنا ونقاشاتنا..

ولو تأمل نقاشاتنا الأسرية وفي العمل وبين الأصدقاء وعلى وسائل التواصل وحواراتنا في وسائل الإعلام.. عند الاختلاف نتهم بعضنا بدلاً من مناقشة الفكرة! دائماً مختلفين ونكاد لا نتفق على شيء، والحقيقة أنّ المشكلة بطريقة تفكيرنا!  فلا يوجد عندنا لغة مشتركة تعبّر عن عيوب وأخطاء تفكيرنا..


([1]) رواه البخاري ومسلم.

هذا المقال مقدمة كتاب “أخطاء التفكير”، ويمكنكم تحميله مجانًا من خلال قسم الكتب.




مهام الدولة !المعاصرة،   وفرض الدين

1- حماية الحدود الخارجية بالجيش.
2-
حراسة الامن الداخلي بالشرطة.
3-
تفصل النزاع بين المواطنين بالقضاء.
4-
تحقيق ضرورات العيش.
أما فرض الدين والتديّن على الناس فليس من مهام الدولة، لأن الدين لله {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] ويكرَهُ الإسلامُ النفاقَ: 
فالدولة تحمي الدين وترعاه ولا تفرضه فرضاً حتى لا ينفر الناس..
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21، 22]
{ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]
{وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء: 80]
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]




فقيه ومفكّر !!

هناك إعصار فكري يجتاح منطقتنا الإسلامية إعصار يحمل أدوات النقد والهدم، فما كان محظوراً الكلام فيه من قبل، أصبح حديث المجالس، لعدة أسباب منها ظهور الإعلام الاجتماعي الذي أتاح لكل أحد الكلام دون أي تكلفة أو رقابة.

 ومن أسباب ذلك: الثورات وظهور نماذج إسلامية تنظيمية وعلى شكل دول بل ظهرت الخلافة نفسها كما أعلن تنظيم الدولة.

ولم يعد الخطاب الديني التقليدي يجيب على الأسئلة الجديدة فسياسة عدم إثارة الفتن لم تعد تجدي، فالفتن فتحت أبوابها من كل جهة,

وعلى الخطاب الديني أن يتطور وذلك (شكلاً ومضموناً)، وهذا يستلزم نوعان من التخصص الديني.

أولهما: الفقيه المفتي.

 وثانيهما: الداعية المثقّف.

 لأن حاجات الناس إما لجواب سؤال فقهي، أو محاضرة فقهية، فيتوجهون للفقيه المفتي.

 وإما يحتاج الناس لسماع كلمة توجيهية إصلاحية، وإما لسؤال ثقافي، فيتوجهون للداعية المثقّف، فهما مجالان واضحان.

وأقترح أن يتسلّم الفقيه الإمامة في المسجد، ليحتكّ بالناس يومياً في الأوقات الخمسة، فيراجعه الناس بما يحتاجون.

بينما يتسلّم الخطيب التدريس في المدارس فيحتك بالطلاب على مدار الأسبوع، وخطب الجمعة، فيكون في كل مسجد شخصان: (فقيه مجتهد) وأقصد بالاجتهاد: الملكة الفقهية التي تؤهّل الفقيه للنظر في المسائل وأدلتها، واختيار ما يناسب الوقائع.

 والشخص الثاني: (الخطيب المثقّف) الذي يبني ثقافة راسخة تؤهّله لأن يصبح صاحب نظرة نقدية إصلاحية، ترتفع به لمقام الداعية المفكّر.

وكل تخصص من هذه تحتاج بناء علمياً يختلف عن الاختصاص الآخر، ويبقى الاثنان متفرغان لبناء نفسيهما علمياً وتطويرها طول عمرهما، وحضور الدورات وورشات العمل والمحاضرات، التي تضمن دوام نموّهما بما يكافئ التطوّر العلمي في كل مجلات الحياة.

فيكثر الفقيه من القراءة في الفقه المقارن والفتاوى المعاصرة، والمجلات الفقهية المتخصصة، ويطلع على قرارات ونقاشات المجامع الفقهية في القضايا المعاصرة، ويقرأ في المجال الذي يفتي به من العلوم الأخرى ويستشير المتخصصين حتى يفهم الواقع فـ(الحكم على المسألة فرع عن تصورها) كما يقول علماؤنا..

بينما يركّز الداعية المثقّف على تكوين ثقافة شاملة عبر قراءة في التيارات الفكرية المعاصرة والمذاهب العقدية والنظريات الإصلاحية النهضوية، وآخر الأطروحات الفكرية والفلسفية.

ومن المفيد هنا من أن يتخصص كل واحد منهما باختصاص دقيق عبر الدراسات العليا، (الماجستير والدكتوراه) وذلك ضمن خطة وتنسيق مسبَق مع زملائه حتى يغطوا أهم التخصصات في كل منطقة، ليلبوا الحاجات العلمية لمنطقتهم، ولا يكرروا بعضهم، ومن الجيد في هذا السياق أن يدرس المرء تخصصاً شرعياً وتخصصاً دنيوياً فيصبح مرجعاً شرعياً لأهل هذا التخصص العلمي فيدرس مثلا الطب والشريعة فيصبح مرجعاً في المسائل الطبية الشرعية وهكذا..

ولا يحقر أحدُهما اختصاص الآخر(أقصد الفقيه المفتي والداعية المثقف)، فهما يكملان بعضهما بعضاً، فبعد صلاة الجمعة –مثلاً- يجلسان سوياً للإجابة عن أسئلة الحاضرين، كلٌ حسب اختصاصه.

وخلال الأسبوع يحيل كلٌ منهما للآخر الأسئلةَ التي تتعلق باختصاصه، ولا يستحي أحدُهما من عدم الإجابة، بل نعوّد الناسَ على احترام التخصص، كما في كل شؤون الحياة.وهكذا يطير الدين وينتشر في المعمورة عبر هذَيْنِ الجناحينِ القويينِ: الفكرُ والفقه.




تطبيق الشريعة ومطالب الشعوب

الناس تجرّب الإسلاميين عندما يحكمون: فعلى الإسلاميين أن ييسِّروا ولا يعسِّروا ويبشروا ولا ينفِّروا. يجب أن نكون (نحن الإسلاميون) متحمّسين لرحمة الناس، وإخراجهم من الظلم والاستبداد، متشوّقين لخدمة الناس وتأمين متطلبات حياتهم وراحتهم.. بغض النظر عن انتمائهم الديني والمذهبي.. وحذارِ أن يشعر الناس أنّنا متحمّسون للتحكُّم بهم، واستعبادهم وقهرهم باسم الدين.

شعوبنا تعبت ممن يتحكّم بها، وتتشوَّق لمن يخدِمها ويسهر على مصالحها، ويحترم كرامتها وإرادتها.. وإنسانيتها قبل كلّ شيء.. فغالب الناس تريد الحياة الكريمة بغض النظر عمن يحكمها: ليبرالي اشتراكي إسلامي علماني لا يهمّ.. المهم أن يترك لهم كامل حرية التديُّن أو عدم التديّن..

فأهم مطالب الشعوب من حكوماتها:
1.
الأمن والاستقرار..
2.
الحرية وتشمل حرية الاعتقاد وحرية التديّن والعبادة، وحرية الاجتماع والتنظيم وحرية الانتماء السياسي، وحرية التعبير والإعلام..
3.
العدالة بين الناس كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون..
4.
الشفافية ومكافحة الفساد، وتحقيق الازدهار الاقتصادي..
5.
احترام مبادئ الشعب وقيمه ودينه.. وأيٌ من هذه المطالب انعدم.. تنعدمُ معه ثقةُ الشعب ورضاه عن الحكومة التي تَحكمُه..
   
وهذا كله من تطبيق الشريعة الإسلامية ومن مقاصد الدين وأهدافه الرئيسة التي جاء الكتاب والسنة لحفظها ورعايتها:

فأولها: حفظ دين الناس وذلك برعاية حرية التديّن..

ثانيها: حفظ نفوسهم بتأمين الاستقرار والأمن والأنظمة الصحية والقانونية، والمواصلات البرية والبحرية والجوية..

ثالثها: حفظ عقولهم بالأنظمة التعليمية لكل المراحل، وتطوير البحث العلمي..

رابعها: حفظ النسيج الاجتماعي والسِّلْم الأهلي ورعاية الأسرة وتنشئة الأجيال على الأخلاق الفاضلة..

خامسها: حفظ مالهم بتأمين الوظائف وفرص العمل ومنع السرقة والظُلم والغِش، وكل أنواع الفساد..
 
مشكلتنا أننا لم ننتبه أن الزمان تغيّر وأصبحت واجبات الدولة الحديثة كثيرة، وليست كالدولة القديمة البسيطة، حيث كان المجتمع يقوم بأغلب متطلباته وحاجاته، ويقتصر دور الدولة القديمة على ضبط الأمن الداخلي والخارجي وهو منع اعتداء الناس على بعضهم داخلياً، ومنع العدوان الخارجي على الدولة..

 
بينما الدولة المعاصرة من واجباتها تأمين الطاقة الكهربائية والمحروقات والماء والاتصالات والإنترنت وشقّ الطرق وبناء الموانئ والمطارات، والتعليم بكل مراحله، والبحث العلمي، والصحة بكل مؤسساتها، وتأمين الغذاء، والدواء، ورعاية التجارة والصناعة والزراعة والسياحة، وحماية الأمن الداخلي والخارجي عبر أجهزة الأمن، وبناء الجيوش، والتحالفات، وإنشاء العلاقات الجيدة مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية، كل هذا يحتاج مؤسسات ومشاريع، وكوادر تخطِّط لذلك وتنفِّذه وتطوِّره.. وكل مفردة من هذه المفردات تحتاج إلى وَزارة أو أكثر..
 
وهذا ما ينوء بحَمْلِه حزبٌ أو تيار واحد!! وإنما بحشد كوادر ونخب المجتمع كلّه بكلّ تياراته وانتماءاته!! فيأتي بعض الإسلاميين للحكم وفي مخيلتهم ملف واحد فقط وهو تطبيق قانون العقوبات بقطع يد السارق وجلد الزاني والإلزام بالحجاب واللحية!! يجب علينا قبل أن نفكّر بقطع يد السارق أن نوفِّر المشاريع والوظائف وفرص العمل حتى يستغني الناس!

وقبل جَلْد الزاني علينا تسهيل سبل الزواج والاستعفاف.. فكثير من الجرائم والانحرافات الخُلقية سببها الرئيس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة.. فبدلاً من التركيز على أعراض المرض علينا التركيز على علاج الأسباب.. فالإسلام جاء لإسعاد الناس في الدارين: في الدنيا والآخرة.. أما فرض الدين ومظاهر التديّن على الناس فليس من اختصاص الدولة المعاصرة، قال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة: 256) وقال سبحانه: “فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ” (الزمر: 2) والإسلامُ يكرَه النفاق.

فالدولة تحمي الدين وترعاه بتوجّهاتها العامة عبر التعليم والإعلام والثقافة ولا تفرضه فرضاً، حتى لا ينفِر الناس.. يعني ترعى الدولة الدعاة والعلماء والخطباء والمربين بتأمين حرية الدعوة لهم كما تخدم الدين عبر المؤسسات التربوية والتعليمية والدعوية والإعلامية.. والمطلوب من الدولة رعاية الدِّين بشكل عام وعدم السماح بمعاداته، دون تدخّل بحياة الناس الخاصة.. وتتفرَّغ الدولة للقيام بمصالح البلاد والعباد. وأما السلوك الديني الشخصي الذي ليس فيه إضرار بالغير، فيُترك للدعاة يدعون له بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

أما قضية التشريعات الإسلامية والقوانين، فتكون بالتدرّج حسب قابلية الشعب واستطاعته، وقياس ذلك يكون عبر مجلس التشريع، حيث يمرّر (النوّاب المسلمون المنتخَبون) قراراتِ تحكيم الشريعة (بعد أن يُقنعوا بها الشعب).. فيكون الشعب هو من يختار شريعة ربه فيخضع لها مختاراً طائعاً.. فالشعب المؤمِن هو من يُحَكِّم الشريعة، قال تعالى: “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء: 65)

وعند التصويت لتحكيم الشريعة: مَنْ يصوّت لها من النُّوّابِ رفع الإثم عن نفسه وعمن انتخبه، ومن رفض وقع في الإثم هو ومن انتخبه (إن كان يعرف توجّهه هذا) ولو كانت غالبية مجلس النوَّاب الذين يمثّلون الشعب تمثيلا حقيقياً ضدَّ الشريعة فهذا يعني أننا مقصّرون في دعوة شعوبنا وإقناعهم.. وأنهم غير مهيئين بعد لشريعة الله تعالى.

ولنفرض فرضاً أن شيئاً من المخاوف قد وقع وظهر بديمقراطيةٍ حقيقيةٍ أن غالبية المسلمين في قطر من الأقطار قد اختاروا ما يتنافى مع الإسلام وما يعدّ خروجاً عن الإسلام، فهل العيب في الديمقراطية أم العيب في الواقع القائم؟ فليست الديمقراطية هي التي أتتنا بهذا العيب، وإنما الديمقراطية كشفت لنا هذا العيب، فهذا سبب لشكر الديمقراطية والتمسّك بها وليس سبباً لرفضها والقدح فيها واتهامها” (ينظر: الشورى في معركة البناء، د.أحمد الريسوني، 170).
والله من وراء القصد




كلمة سواء في مفهوم أهل السنة؟!

أضحى من الضرورة تجديدُ كتب العقيدة، فالزمان تغيّر، وجدّت فيه شبهات لم تكن معروفة سابقاً، فما كان يشغل العقول في عصور سابقة لم يعد يسترعي اهتمام إنسان عصرِنا.
فلا يجوز إحياء ما كان من مسائل في الأزمنة السابقة لمجرّد أنّ الأقدمين ناقشوها في مصنّفاتهم، بل يجب إهمال ما لا يشغل عقل الإنسان المعاصر، والتركيز على الإجابة عن تساؤلاته الجديدة -وما أكثرها!-
فكتب علم الكلام كانت تلبية لحاجة عصورها فعلم الكلام هو علم المحاجّة والدفاع عن العقائد، وينبغي أن يكون علماً متجدّداً يخالط كلّ عصر بلغته وأمثلته وعقليته، فهو تفاعلٌ واستجابةٌ لحاجة كل عصر.
لكنّ كُتُب العقائد الكلاميّة ركّزت على المناقشات العقليّة التي تولّد المعلومة كما ينتجها علم الجبر الرياضيّ، صحيح أنّه يقنع العقل لكنّه يجفّف الروح، فلا يثمر عاطفة جيّاشة ولا روحاً دافقة، تَرغَب بعطاء الله، وترهَب سخَطَه.
وهذا ما دفع الثقافة الإسلاميّة إلى الاعتماد على كُتب التصوّف والوعظ -على ما فيها (1)- لتعوّض ما فاتها في كُتب العقائد الكلاميّة.
وكثير من هذه المصنّفات كُتِبَت بطريقة الحِجاج والجدال، وفي هذه الأجواء كثيراً ما يضيع الإنصاف والموضوعيّة، ويكون الهدف هو الغلبة والانتصار للرأي (2). 
ولا ضير من الحوار والجدل في الأوساط العلميّة، لكن نقلَ هذه الخلافات إلى ميدانِ الأمّة، وتحديدَ من هم داخل دائرة أهل السُّنَّة والجماعة ومن هم خارجها، بناء على خلافٍ في بعض المسائل، وامتحانُ الناس في ذلك، فهنا تكمن المعضلة!
وهذا لا يعني تمييع موضوع العقيدة، والقبول بكلّ الأفكار والأديان.. مهما شطّت وابتعدت، لكن المطلوب توسيعُ سَمّ الخِياط الذي يضعه بعض المصنّفين، والتسامحُ بالخلافات التي يسعها الاجتهاد، فإذا كانت المسألة اجتهاديّة فهذا يعني أنّها تحتمل الخلاف بطبيعة الحال، وكلُّ اجتهاد معتبَر ينبغي احتواؤه ضمن دائرة أهل السّنّة والجماعة، فلو كانت الأدلّة قطعيّة لما وسع العلماء الاختلاف فيها، فكون المسألة عقديّة لا يعني عدم الاختلاف فيها، وكون المسألة فقهيّة لا يعني عدم الإجماع فيها، فالاختلاف والاتّفاق ليس بناءً على تصنيف المسألة أكاديميّاً (هل هي فقهيّة أو عقديّة)، بل بناءً على قطعيّة الأدلّة وظنّيّتها، ثبوتاً ودلالةً، فظنيّة الأدلّة تؤدّي للاجتهاد، وإذا وُجِدَ الاجتهاد وُجِدَ الخلاف بطبيعة الحال، وقد اختلف العلماء سلفاً وخلفاً في مسائل عقديّة متعدّدة، فكلما اتجهنا نحو الأصول والكليات والمبادئ ندر الخلاف وكلما اتجهنا نحو الفروع والجزئيات ندر الاتفاق.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: “الأحكام الشرعية عندي متساوية الأقدام، منتسبة إلى الشرع نسبة واحدة، وكون بعضها راجعاً إلى الاعتقاد، وبعضها راجعاً إلى العمل، لا يستلزم تفاوتها على وجه يكون الاختلاف في بعضها موجباً لعدم نجاة بعض المختلفين، وفي بعضها لا يوجب ذلك، فاعرف هذا وافهمه.
وأعلم أن ما صح عنه صى الله عليه وسلم من أنّ المصيب في اجتهاده له أجران، وللمخطئ أجر، لا يختص بمسائل العمل، ولا يخرج عن مسائل الاعتقاد، فما يقوله كثير من الناس من الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية، وتصويب المجتهدين في الفروع دون الأصول، ليس على ما ينبغي، بل الشريعة واحدة، وأحكامها متحدة، وإن تفاوتت باعتبار قطعية بعضها، وظنية الآخر” (3).
وقد استطاعت الأمّة -بفضل الله تعالى- ثمّ بجهود العلماء المصلحين من تجاوز خلافات عقديّة لطالما شقّت الصفّ وفتنت النّاس، كمسألة القَدَر وخلق القرآن وحُكْم مرتكب الكبيرة.. لكن بقيت مسألةٌ تشقّ الصفّ وتصنّف الناس وهي ما يُسَمّى (آيات الصفات)، قلت: (ما يسمّى) لأنّني أعتقد أنّ آيات الصفات حقّاً هي الآيات التي تصف الله تعالى صراحة، مثل: (هو الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم..) و(قل هو الله أحد..) (وهو على كلّ شيء قدير..)..
أمّا الآيات التي توهم الجسميّة والجهة ومشابهة الله تعالى للمخلوقات.. فهذه قضيّة ينبغي تجاوزها تماماً، فالكلّ يريد تنزيهَ الله تعالى، فالمثبتون لا يريدون تعطيل الصفات، والمؤوّلون لا يريدون تشبيه الله تعالى، والأدلّة محتملة وغير قطعيّة، ولو كان الأمر قطعيّاً ما اختلفوا أصلاً، فأصول العقائد متّفَق عليها عند أهل السُّنّة، والخلاف بين المذاهب السنيّة في الفروع، وقضيّة الصفات المختلَف فيها من فروع العقيدة.
فمذاهب أهل السُّنّة المقبولة بهذه المسألة هي: (الإثبات والتفويض والتأويل)، أمّا المرفوض: (فالتجسيم والتعطيل).
وعليه فالمذاهب الثلاثة (أشعريّة وماتريديّة وسلفيّة) كلّهم من أهل السُّنّة والجماعة، لأنّ أهل السُّنّة واقعيّاً يشملون هؤلاء كلّهم.
يقول الإمام محمد بن أحمد السفاريني الحنبليؒ: “أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْأَثَرِيّة وَإِمَامُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؓ، وَالْأَشْعَرِيّة وَإِمَامُهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ؒ، وَالْمَاتُرِيدِيّة وَإِمَامُهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ” (4). 
طبعاً كثيرون لن يقبلوا هذا الكلام، فكم تمّ الضخّ من الجانبَيْنِ بعكسِ هذا الكلام!
ولعل بعضهم يقول: كيف نتجاوز الخلاف في العقيدة؟!
الجواب: هذا خلاف بفروع العقيدة وليس في أصولها، وكما أنّ الأمّة مرّت بفترات تعصّب فقهيّ مذهبيّ حتّى إن بعضهم مضى به التعصّب إلى عدم جواز التزوّج من أتباع مذهب آخر، وبنوا عدّة محاريب في المسجد الواحد! ثم شاع التسامح الفقهيّ وتجاوزت الأمّة هذا التعصّب الذميم، وعليه ينبغي على الأمّة أن تسير بوعيها لتجاوز هذه الخلافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالمهم هو العقيدة التي تزرع الخوفَ من الله والحبَّ له والتعظيمَ له، العقيدة التي تثمر طاعة لله تعالى.

وهذا ما أعتقد أنّه سيحصل في قابل الأيّام، لكنّني هنا أطالب بالسرعة لاعتماد هذا الرأي، حتى نوفّر على أمّتنا المرهقة مزيداً من الجروح والآلام.

أمّا في الآخرة فالذي أعتقده وأرجوه -دون تألٍ على الله تعالى- أنّ الله ﷻ لن يسألنا -بفضله وكرمه- عمّا يُسَمّى بآيات الصفات ولن يختبرنا اختبار عقيدة (كما تفعل اللجان الفاحصة) بجزئياتٍ تصنّف الناس وتقسِّمهم، لكن الله ﷻ سيحاسبنا على أركان الإيمان الستّة، وأركان الإسلام الخمسة، وعن سلوكنا ومعاملاتنا وأخلاقنا، فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره.

وفي مجال التعليم: علينا دراسة العقيدة المقارنة كما ندرس الفقه المقارن، فنقول: في هذه المسألة لأهل السّنّة ثلاثة مذاهب: من أهل العلم من أوّل فقال: كذا وكذا، وبعضهم قال: نفوّض المعنى لله تعالى، وبعضهم قال: نثبت صفة كذا وكذا.. ولا بأس بترجيح مذهب على آخر، بحسب ما يترجح لطالب العلم ويطمئن له قلبه، ويرتاح له عقله.
والراجح أنّ هذه النصوص لا يصحّ معاملتها معاملة واحدة، فمنها ما سِيق النصُّ لأجله، ومنها ما سيق النصّ لغيره، ومنها ما اتُفق على تأويله، ومنها ما اختُلف فيه، فينبغي معاملة كلّ نصٍ على حِدة.
ويسع المسلم اعتقاد ما يطمئن له قلبه، ويرتاح له عقله، دون تثريب أو لوم، فتفاصيل كُتُب العقائد من البدع التي لم تكن زمن الصَّحْبِ الكرام، وقضيّة الصفات لم يهتمّ بها الصحابة الكرام ولا درّسوها لأحد، ولا امتحنوا بها عقيدة أحد، بل لم يرد عنهم كلامٌ واضح يمكن أن نُكوّن من خلاله تصوّراً يمكن أن يشكّل (مذهب السلف)، فقد سكتوا عنها، إلا بعضَ التفسيرات هنا وهناك، أما سبب سكوتهم فتختلف المذاهب في تعليله، وكل مذهب يقول: إن الصحابة فهموا الآيات على مذهبهم.

فالمفوّضة قالوا: الصحابة قرؤوها ولم يثبتوا تلك الصفات لأنها توهم مشابهة المخلوقين لله تعالى وتنزّه، ولم يؤوّلوها وفوّضوا معناها لله تعالى.
والمثبتة قالوا: إن الصحابة أثبتوا الصفات كما هو منطوق الآيات، لذلك لم يفسّروها تفسيراً آخر.
والمؤولة قالوا: الصحابة عربٌ أقحاح، ويعرفون أساليب العربية ففهموا تلك الآيات حسب سياقها على مبادئ العربية واشتمالها على المجاز.
أضف إلى ذلك انشغالهم بالجهاد والدعوة، وبُعْدهم عن الفلسفة والجدل، الذي جاء في زمن لاحق (5)  حتّى قيل: كتب العقيدة تفرّق، والإيمان يجمع، فالإيمان إجمال والعقيدة تفصيل، الإيمان بساطة والعقيدة تعقيدٌ، الإيمان فطرة والعقيدة تكلُّف، الإيمان باب مفتوح والعقيدة سور منيع (6). 
طبعاً هذا الكلام لن يرضي أحداً من متعصّبي المذاهب المنتشرة، فكّل مقلّدٍ لمذهب سيقول: (مذهبي صواب ومذهب غيري خطأ)، وسينتصر لمذهبه وسيسوق أدلّته وحُججه، لأنّه يعتقد أنّ رأيَه أقوى، وتوافقه الأدلّة العقليّة والنقليّة واللغويّة، وهذا طبيعي جدّاً، لكنّه لن ينهي مأساةً استمرّت مئات السنين، وستستمر إلى أن نقتنع بهذا الرأي.
وهنا لا نطالب أحداً بترك عقيدته، ولا نمنع الحوار العلميّ بين المذاهب، لكن ينبغي أن يبقى هذا ضمن حوارات البيت الداخليّ، كما نناقش رجحان قولٍ فقهيّ دون تشنّج، ونُبقي على مخالفنا ضمن مذهب أهل السُّنَّة.
فالذي نطالب به -وبشدّة- عدمُ إخراج إخوانكم من دائرة أهل السُّنَّة، فإن كنتم تتَّهمونهم بالتجسيم، فإنّهم يتهمونكم بالتعطيل!
مع الأسف نحن نختلف حول بعض الصفات الإلهيّة والناس أنكروا الذات والأديان، ونختلف حول التوسّل بالنبيّ والناس أنكروا النبوّة والوحي!
فهذا زمان إنقاذ الإيمان، وليس زمن الانتصار لمذهب عَقديّ إسلاميّ على مذهب إسلاميٍّ آخر!
كلُّ أمم الأرض تتسامى فوق خلافاتها عند النكبات، إلا نحن، فعندنا شغف بشقّ الصفّ!! وليت الأمر كان لأسباب مقنعة، بل بسبب آراء عقديّة لا تقدّم -عمليّاً- شيئاً ولا تؤخّره! فالمسلم يعظّم الله ويصفه بصفات الكمال، وينزّهه عن صفات النقص، ولو رجعتَ للقرآن الكريم لوجدته يُجمِل في العقيدة ولا يفصّل، ويركّز على ثمرات وآثار العقيدة من إيمان وعمل صالح وتعظيم لله ومحبّة له ورهبة منه.. أمّا التشقيق في العقيدة والتفصيل والتشريح فهو من آثار مناهج اليونان وفلسفاتهم.
يقول الدكتور محمد عمارة: “وفي علم العقيدة الإسلامية -علم الكلام الإسلامي- سنجد الكثير من الجدل الذي دار بين علماء الكلام في الإلهيات والغيبيات، التي اقتصد الإسلام في الحديث عنها، لعجز العقل البشري، وهو نسبي الإدراك عن فقه حقائقها ومكنوناتها، بل ولعجز اللغة عن التعبير عن كنه هذه الحقائق، وهو جدل تضخّمت به كثير من كتب الفرق والمذاهب الكلامية، تسرّب إليها من المجادلات والمناظرات التي دارت بين علماء الكلام وبين أصحاب المذاهب والديانات غير الإسلامية، وخاصة مذاهب الفرس والهنود وفلاسفة الغنوصية والباطنية، ثم حدث أن انتقلت هذه المجادلات من ميدان الصراع الفكري الخارجي إلى ميدان الجدل بين المذاهب الإسلامية، فوظفت في غير ميدانها، وفرقت الصف الإسلامي، وأورثته الكثير من ألوان التعصّب المذهبي المقيت، حتى ليشهد على هذه الحقيقة أحد أساطين هذا العلم، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450-505هــ) فيقول: إنك قد تعرض المسألة على الأشعري فيوافقك عليها، فإذا قلتَ له: إنها رأي المعتزلة، عاد فرفضها، بعد أن كان قد قبلها، والعكس صحيح!” (7).
كما ينبغي تجاوز المسائل القديمة مثل التمييز بين (صفات المعاني والمعنوية) عند الأشاعرة هذا التمييز كان رداً على مسألة تاريخية أثارها المعتزلة حيث نفوا صفات المعاني وهي (القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والكلام) حتى لا يتعدد القدماء!!
فهذه مسألة تاريخية نتركها في المراجع القديمة للمتخصّصين، ولا نُدخل كلّ مسلم يريد دراسة العقيدة بهذا الخلاف الذي لا يخطر بباله لولا إثارة الكتاب لهذه المسألة.

لذلك ألّف الإمام الغزالي رحمه الله رسالةً سمّاها: (إلجام العوام عن عِلْم الكلام) فعلم الكلام وتناول العقائد فلسفيّاً وبالأدلّة العقليّة، دواءٌ لحالات فرديّة ممن عنده شبهات، وقد يُعطى للعموم إذا انتشرت شبهات فكريّة، كوباء عام مثل بعض الأفكار اللادينية في أيّامنا.
أمّا الكتاب والسّنّة فهما غذاء، ولا يجوز اللجوء للدواء في حال الشفاء، ويجب تناول الدواء عند المرض، فالأَوْلى عرض العقيدة كتقرير أوليّ، من غير ذِكْر الشبهات والردود عليها، فـ(ذِكْر الشبهة يحييها)، ومنهج القرآن الكريم غرس الإيمان العقليّ والعاطفيّ الذي يزرع الخوف من الله والحبّ له،  فيثمر عملاً صالحاً وخُلقاً حسناً.

ومما يُؤسف له أن يبني بعض المنتسبين لهذه المذاهب العقديّة (أشاعرة وسلفيّة) الولاء والبراء على ذلك، ويَظهر ذلك في الردود العلميّة القاسية، وامتحان كلّ متقدّم لوظيفة أو منصب دينيّ، فإن أثبت الصفات أو أوّلها (بحسب اتجاه اللجنة الفاحصة) فهو كفءٌ عقديّاً، وإلّا فهو غير كفء، وينبغي منعه مِنْ أيّ نشاط علميّ أو دعويّ، وإن كان علّامة الدنيا! وبهذا المعيار المجحِف نفسه يُعامل المتأخّرون أئمّةَ السلف، فمَنْ خالف في شيء من جزئيّات العقيدة (التي يتبنّونها) فهو منحرِف عقديّاً، وينبغي التنبيه على ذلك والتحذير منه، حتّى وصل الأمر بأن أحرق بعضُهم كتباً مرجعيّة لكبار الأئمة لمجرّد مخالفتهم في مسألة الصفات!
فضيّقوا دائرة الإسلام العظيم، وحصروا أمّة المليار ونصف المليار-التي لطالما تغنّينا بها- في أضيق نطاق، نطاقٍ يكاد لا يتّسع إلا للشيخ الذي وضع المعايير (متن العقيدة) وتلاميذه الذين اتّبعوه فيما قال.
وكلّ جماعة تخالف جزءاً من اختيارات هذا العالم العقديّة، تصبح تتقاطع مع أهل السُّنَّة بمقدار ما توافق اجتهاداته! فاختيارات العالم هي الميزان والمعيار الذي أنزله الله ليكون حُجّة على خلقه (بزعمهم)!

وكثير من هذه الآراء العقديّة لم تنتشر بقوّتها الذاتيّة، بل بالاستعانة بالمال والسلطة والإعلام، كما أنّ كثيراً من هذه الخلافات يُزكي أُوارَها السياسيّون ممّن يقتاتُ على تفرّقنا!
وبعد أن يصبح الأمر انتماء لمذهب، تنشأ العصبيّات التي تنتقي من النصوص والأقوال ما يوافقها!! وتختفي الموضوعيّة والإنصاف.
وقد أصبحت هذه اللوثةُ منهجيّة علميّة، فكلّ عالم (من القدماء أو المعاصرين) يُسأل عن تفاصيل عقيدته، فإن خالف بشيء، يأتي مَنْ يقول: (هو مِنْ أهل السُّنّة والجماعة إلا في كذا) ممّا خالفهم فيه!
فتصبح آراؤنا العقديّة هي المعيار والمقياس الذي تُقاس به عقائد الناس، فنحن حُجة الله على خلقه!!
وهنا لطيفة مهمة وهي أن أكثر كتب العقيدة لم تُنسب للإسلام وإنما نسبت إلى أسماء مؤلفيها مثل: العقائد النسفية والواسطية والطحاوية والتدمرية وعقيدة الأشعري والماتوريدي، وليست العقيدة الإسلامية، فنُسبَت لأصحابها وهي بحق كذلك، فقد كان كل عالم يكتب تصوّره وفهمه لفروع وتفاصيل العقيدة الإسلامية أي تصوراته واجتهاداته في المسائل النظرية  مما يتعلق عالم الغيب، حسب فهمه لكتاب الله وسنة رسول الله  وترجيحه بين آراء الفلاسفة والمتكلمين واجتهاده ورأيه في المسائل التي أثارت العقل.
وحتى ما يسمى العقيدة من الكتاب والسنة، فهذان المصدران (الكتاب والسنة) هما مصدر كل المسلمين، وما في تلك الكتب (السلفية) ما هي إلا فهوم وانتقاءات المؤلفين، كما لا يخفى.
لهذا فلا يجوز أن يُزعم أن هذا مراد الله تعالى وأن هذه هي الحقيقة المطلقة التي ينبغي اعتقادها ومن أنكرها فهو كافر، فهو تقوّل وافتئات على الله ، طبعاً المقصود هنا فروع العقيدة وتفاصيلها، أما أصول العقيدة المجمَع عليها، فيمكننا القول هذه هي العقيدة الإسلامية التي يجب الجزم والإيمان بها.

فالمطلوب أن يكون انتماؤنا لما جاء به نبيّنا محمد صلي الله عليه وسلم وهو الإسلام، ومفهوم أهل السُّنَّة والجماعة يجب أن يمثّل المسلمين بأوسع نطاق.. ولا نُخرِج عن هذا المصطلح إلا من انحرف انحرافاً يبعده عن الأمّة..

والغريب أنّ مَرَضَ اضطهاد العالم الذي لا يوافق غيرَه الرأيَ بمثل هذه المسائل الخلافيّة، سلوكٌ قديم فهذا ابن حِبّان (صاحب الصحيح) يطرده أناسٌ من سجستان ويتّهمونه برِقّة الدين، لأنّه أنكر (الحدّ) عن الله تعالى! ويعلّق الإمام الذهبي ؒ على هذه الحادثة تعليقاً نفيساً فيقول: “إنكاركم عليه بدعة أيضاً، والخوض في ذلك ممّا لم يأذَن به الله، ولا أتى نصٌّ بإثبات ذلك ولا بنفيه، ومن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركه ما لا يعنيه، وتعالى الله أن يُحَدّ أو يُوصَف إلا بما وَصَفَ به نفسَه أو علَّمه رُسُلَه، بالمعنى الذي أراد، بلا مِثْلٍ ولا كَيْف، (ليسَ كَمثله شيءٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى:11] وقال في موضع آخر: إنكاره الحدَّ وإثباتكم للحدّ نوعٌ من فُضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أَوْلَى (8). 
صدق الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى، فالذي يبقى في عقل المسلم ووجدانه هو تعظيم الله ومحبّته، وتغيب عن ذهنه هذه التفصيلات والتنطّعات التي ما أنزل الله بها من سلطان!
لذلك أرى أن يقتصر تعريف أهل السُّنَّة والجماعة على من اعترف بحجيّة القرآن الكريم والسُّنَّة النبويّة مصدراً للتشريع والاعتقاد، أمّا ما عدا ذلك فيغتفر الخلاف فيه، وقد ذكرتُ سابقاً أنّ ذلك يشمل الأشاعرة والماتريديّة والسلفيّة في مجال الاعتقاد، ويشمل أتباع المذاهب الأربعة وغير المتمذهبين من السلفية، ويشمل الصوفية السُنيّة من العلماء المنضبطين بالشريعة البعيدين عن البدع والخرافات.
وهذا لا يلغي التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بين الجميع.
لأنّ أهل السُّنَّة اليوم هم جسد الأمّة، وهذا الجسد يتشكل من دوائر متداخلة، نفصّل فيها في معرض التدارس، ونُجْمِل فيها في زمن المواجهة الشاملة، والتحدّي الخارجي الذي يهدّد باجتياح الأمّة قاطبة (9).
إذن لا بدّ من اصطفاف جديد لأهل السُّنّة، يفوّت الفرصة على أعداء الأمّة ممن يستثمرون هذه الثغرات، وبخاصّة في زمن التكتّلات المصلحيّة العالميّة، وتهديد الأمّة بالاستباحة والإبادة.
بصراحة: إذا لم نتجاوز هذا الخلاف فكلّ حديث عن التعايش ووحدة المسلمين وتساويهم وتعاونهم، حديثٌ ليس له فائدة.
وستنفجر هذه المسألة بين الفينة والأخرى لتمزّق الصفّ، وتشتّت الجهود.
وأختم بهذه الآيات الكريمة التي تغني عن كلّ الكلام السابق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)} [آل عمران: 102 – 108]

_____________________________________________________________________

(1) توسعتُ في الملاحظات التي ينبغي الحذر منها في التصوف في كتاب مستقل بعنوان: التصوف رؤية جديدة.

(2) ينظر: مقدمة كتاب عقيدة المسلم، محمد الغزالي.

(3) ينظر: الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، 1/210

(4) ينظر: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، 1/73.

(5) ينظر البحث القيّم: الصفات الخبريّة عند أهل السّنّة والجماعة، د.محمد عياش الكبيسي.

(6) ينظر: مقال الإيمان المفتوح والعقيدة المغلقة، د.محمد مختار الشنقيطي.

(7) تهذيب التراث الإسلامي، د.محمد عمارة.

(8) ينظر: سير أعلام النبلاء، 16/97، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 6/99

(9) ينظر مقال: من غروزني إلى الكويت، عباس شريفة.​