العلوم الضروريّة للمفسّر:

: العلوم الضروريّة للمفسّر:

1-اللّغة العربيّة:
اللّغة العربيّة لغة القرآن الكريم، فبدهيّ أن يكون تفسير القرآن الكريم وفق قواعدها،
وهنا لا نطالب بالمستحيل، كما يُفهم ممّن يصعّب الأمر ويحذّر من دخول غير المخصّين، أو غير المؤهلين إلى هذا الجانب،
-وإن كان مقصودهم جيّداً- لكن كثيراً ما يقعون في المبالغات، فيضعون شروطاً شبه تعجيزيّة فيمن يودّ التفسير أو الاجتهاد!
إذن من ضروريّات من يودّ التفسير أن يتعلّم العربيّة بعلومها.

مشكلة التفاسير القديمة أنّها تركّز على مباحث لغويّة لا تفيد عامّة الناس،
بل كثيراً ما تضيع مقاصد القرآن الكريم وهداياته.

يقول الشيخ القرضاويّ رحمه الله:

“فلم يكن الكتاب المقرّر كافياً في إفادة الطالب المعاصر ما يحتاج إليه من مادّة التفسير،
كان الكتاب المقرّر هو تفسير الإمام النسفيّ، وهو تفسير مقبول في زمنه، معنى بالجانب اللغويّ، النحويّ والبلاغيّ،
وليس معنياً بمفاهيم القرآن ومقاصده، في إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع.

لذا كان الأولى في نظري: أن يدرّس التفسير في كتابين:
كتاب قديم كالنسفيّ أو النيسابوريّ أو البيضاويّ أو غيرها،
يتدرّب فيه الطالب على قراءة كتب التراث في التفسير وحُسْن فهمها.

وكتاب آخر حديث، يقدّم لنا هداية القرآن ومقاصده،
مستفيداً من كتب التفسير بالمأثور والرواية، استفادته من كتب التفسير بالرأي والدراية،
مكتوباً بلغة عصريّة سلسة،
رادّاً على المشكلات التي يثيرها بعض الخصوم على القرآن وعلى الإسلام،
وذلك على منهج تفسير الشيخ “محمّد عبده” وتلميذه الشيخ “رشيد رضا” في (تفسير المنار)”.

2-العلم بالشريعة الإسلاميّة:
ومن المهمّ أيضاً أن يكون عالماً بالشريعة الإسلاميّة،
ويراجع التفاسير الفقهيّة عند تفسير آيات الأحكام،
حتّى لا يخالف آراء الفقهاء،
فَهُمُ العلماء المتخصّصون بمعرفة الأحكام الفقهيّة المستنبَطة من القرآن والسنّة،
وبقيّة الأدلّة الاجتهاديّة.

3-أسباب النزول:
ومن الضروريّ لمفسّر القرآن الكريم معرفة أسباب النزول،
فهي تساعد على الفهم، حتّى يعرف سياق الآيات وهدفها،
وسبب النزول لا يحجر على المؤلّف، بل يساعده على الفهم،
فكثيراً ما يكون السبب خاصّاً فيأتي التوجيه القرآنيّ عامّاً،
لذلك العبرة بمقصود الشارع من الحكم،
وليس بإطلاق قاعدة خصوص السبب، أو عموم اللفظ،

فمن يرجّح أيّهما المقصود؟
هل هو عموم اللفظ؟ أم خصوص السبب؟
هو اجتهاد المفسّر الذي يبحث عن مقصود الشارع الحكيم،
هل يتحقّق مقصود الشارع بعموم اللفظ؟ أو بخصوص السبب؟( ).

بل كثيراً ما يذكر السلف سبب النزول،
ومقصودهم أنّ الآية تتناول حكم هذه المسألة،
وليس مقصودهم أنّ الآية نزلت بسبب هذه المسألة.

“قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ:
قَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآية فِي كَذَا،
فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ هَذَا الْحُكْمَ،
لَا أَنَّ هَذَا كَانَ السَّبَبَ فِي نُزُولِهَا،
فَهُوَ مَنْ جِنْسِ الَاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْآية،
لَا مَنْ جِنْسِ النَّقْلِ لِمَا وَقَعَ”.

فالتقيّد المبالغ فيه بأسباب النزول يحجّم الدلالة القرآنيّة،
ويأسر القرآن الكريم بالتجربة التاريخيّة،
فالقرآن الكريم أبهم كثيراً من الأمور، ليبقى نصّاً مطلقاً،
فأبى كثيرون إلّا أن يأسروه ويقيّدوه!

فالقرآن الكريم يكثر من التعبير بـ (مَنْ) (الذين)
فأُغرم بعض المفسّرين بمعرفتهم وتحديدهم،
ممّا اضطرهم للاعتماد على الروايات الضعيفة والإسرائيليّات!

وبعض الفضلاء رتّب المصحف بحسب النزول،
مع أنّ الله تعالى لم يأمر بذلك حتّى لا نأسر النصّ بالتجربة التاريخيّة،
نعم نستفيد من ترتيب النزول في معرفة تدرّج القرآن الكريم،
وحكمته في معالجة مشاكل ذلك الزمان،
ولكن لا نقيّده بها.

4-النسخ:
الإعمال أوْلى من النسخ،
وقد ذكر أستاذنا الدكتور عدنان زرزور
-المختصّ بعلوم القرآن الكريم-
أنّه في موسوعته “في علوم القرآن” قال:

“أنا نسختُ النسخ”

فظاهرة التوسّع في دعاوى نسخ الآيات الكريمة
كثيراً ما ألغت التدرّج والمرونة في تعاطي الدعاة والعلماء مع الواقع،

فيمكن إعمال الآيات المُدّعى نسخها
في حال تشبه الحال التي كانت فيه الآيات محكمة عاملة فاعلة عند نزول الوحيّ،
كالتدرّج في مرحليّة الدعوة والتطبيق العمليّ للشريعة الإسلاميّة.

وهذا ما أوقع كثيراً من الفضلاء والمتحمّسين في الجمود،
فآيات مرحلة الاستضعاف كلّها منسوخة (كما يدّعون)،
والواقع أنّنا في كثير من المراحل والأماكن نكون فيها مستضعفين،
فيستدعي هؤلاء الآيات التي تتكلّم عن مرحلة التمكين،
فنقع في التخبّط!

ومن أمثلة التوسّع في دعاوى النسخ:
إلغاء فاعليّة المرأة في الحياة العامّة،
بدعوى أنّ الآيات والأحاديث التي تتحدّث عن فاعليّة المرأة في الحياة العامّة
كلها نزلت قبل نزول آية الحجاب!

كما تمّ تجريف
-بتعبير أستاذنا القرضاويّ-
الآيات الآمرة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
والتعايش والتسامح والعفو والمعاملة الحسنة مع غير المسلمين،
كل ذلك تمّ ادعاء نسخه بآية السيف!

5-الثقافة العامّة والاختصاصات المتعدّدة:
من الأمور الهامّة في موضوع تفسير القرآن الكريم ضرورة الثقافة العامّة،
ولزوم الرجوع لأهل الاختصاص في الآيات التي فيها بُعدٌ علميّ اختصاصيّ،

ومع أنّ ضرورة مراجعة أهل الاختصاص
يتوقّف في كثير من الأحيان على ثقافة المفسِّر الذي يريد العودة لأهل الاختصاص،
فقد يكون تعلّق الآيات بالعلم الاختصاصيّ
لا يدركها إلّا المختصّ.

فالمفسّر يرى الآيات وفق لون نظّارة ثقافته واختصاصه،
كما قلنا آنفاً،
فنحن نفكّر بالأشياء وفق ثقافتنا ومعلوماتنا.

وبالتالي فلو كان المفسّر نفسه ممّن يحوز تلك الاختصاصات لكان أَوْلَى،
لذلك نحن ننادي بلجنة مختلفة الاختصاصات،
تعكف على تفسير كتاب الله تعالى، كما سنذكر لاحقاً.

ولنتأمّل الآيات الكريمة التالية
ولنتخيّل كيف سيفسّرها كلّ صاحب اختصاص؟
وكيف سيختلف إدراكهم لعمقها بحسب اختصاصهم:

{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7)} [النبأ: 6، 7]

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)} [الرحمن: 19، 20]

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثمّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثمّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} [المؤمنون: 12 – 14]

فكلّ مفسِّر سينظر إلى الآيات السابقة من منظوره،
فاللغويّ ينظر إليها بشكل مختلف
عمّا ينظر إليها عالم الأحياء، أو عالم الجيولوجيا، أو الطبيب، وعالم الأجنّة.

لذلك من المقترحات أن تجتمع لجنة من المختصّين،
اختصاصات مختلفة:
من العلوم الشرعيّة والإنسانيّة والتطبيقيّة،

ثمّ يفسّروا القرآن الكريم كلٌّ بحسب اختصاصه وفهمه،
ثمّ يتمّ التوفيق بين هذه التفاسير عبر لجنة علميّة،
ثمّ إصدار تفسير لائق بكتاب الله تعالى،
يتمّ اختصاره، ثمّ ترجمته ونشره في العالم.

ويمكن أن يتمّ هذا بشكل فرديّ،
فلو عكف كلّ صاحب اختصاص على تدوين خواطره،
حول تفسير الآيات التي تستوقفه،
أو يجد فيها تلميحاً اختصاصيّاً يبيّن بعداً جديداً،
وحكمة فيما تتناوله الآيات الكريمة
من تصوّرات أو أخبار أو أحكام أو تعاليم أو أخلاق..

وبالتالي يتمّ المشروع دون لجنة واحدة محدّدة.

6-تاريخ التفسير ومناهج المفسّرين:
من العلوم المهمّة معرفة تاريخ علم التفسير وتطوّره
والمدارس والمناهج التفسيريّة التي تبيّن أنواع التفاسير،
فهذا يعطي وعياً كبيراً بالتفاسير.

ويمكن للمفسّر الاستفادة من المدارس اللسانيّة التأويليّة
(الهرمنطيقا) الحديثة للتفسير والتأويل،
فنستفيد من بعض أدواتها التي تمكّننا من فهم مراد الشارع الحكيم،
مع الحذر من الوقوع في المبالغة وتفريغ النصّ القرآنيّ
من مقاصده ومعانيه وأحكامه،
عندما لا يلتزم المأوِّل فهم مراد الشارع الحكيم!

عمليّة التأويل قديمة قدم الإنسان،
حيث يفهم الإنسان كلام المتكلّم
وفق معرفته بقصده ومراده،
والقرائن التي توضّح مراد المتكلّم،
ولا يقف عند ظواهر الكلام.

ثم ظهر التأويل -بصفته علماً-
لاحقاً لفهم النصّ الدينيّ، وإزالة سوء الفهم له،

ثمّ ظهرت في العصر الحديث التأويليّة الرومانسيّة
التي نقلت التأويل من النصّ الدينيّ
إلى النصوص الأدبيّة والعلميّة
لفهم مراد المؤلّف من كلامه،
مع القرائن التي حفّت بالنصّ والظروف..

ثمّ غلت مدرسة من مدارس التأويليّة،
وجعلت النصّ مفتوحاً للفهم والتأويل
غير المحدود بمراد المؤلّف؛
بل مفتوحاً على كلّ الفهوم!

وقد نقبل هذا في النصوص الأدبيّة الفنيّة،
فيشترك القارئ مع الكاتب
(أو ينفرد القارئ)
بتوليد المعاني والتفنّن في الإبداع في فهم النصّ!

لكن أن يصبح هذا منهجاً علميّاً
لفهم النصوص الدينيّة والعلميّة
فهنا تكمن المصيبة؛

لأنّه يجعل تعاليم الدين وتوجيهاته وأوامره
ألعوبةً بيد القرّاء،
يثبت القارئ منها ما يشاء،
ويلغي ما يشاء،
ويؤوّل ما يشاء،
بحسب ما يجود به خيالُه وهواهُ في فهم النصوص الدينيّة!

يقول الدكتور “محمّد عمارة” رحمه الله:

”وكان هذا البعث والتمجيد للهيرمينوطيقا
-في القرن الثامن عشر الميلادي-
إعلاناً عن موت المؤلّف والمتكلّم،
وإلغاء مقاصد المؤلّف والمتكّلم،
وإحلالاً (للدلالة)،
التي هي الفهم الذاتيّ للقارئ
محلّ (المعنى) الذي قصد المبدع إيداعه في النصّ،
والحكم على النصّ ومعانيه بالتاريخيّة والنسبيّة،
أي جعل التطوّر التاريخيّ إلغاء لمعاني هذا النصّ
وأحكامه ومقاصد مبدعه،
وإحلال (القارئ) محلّ (المؤلّف)،
وجعل هذا القارئ هو (منتج النصّ)،
وفتح الأبواب لتعدّد الدلالات
بتعدّد قرّاء النصّ الواحد
الذي غدا – في هذه الهيرمينوطيقا-
متعدّداً بتعدّد القرّاء..

الأمر الذي جعل الثبات واليقين
في مقاصد المؤلّفين والمتكلّمين
أثراً بعد عين..

ولقد طبّقت الهيرمينوطيقا هذا المنهج
في قراءة النصوص،
على كلّ ألوان النصوص
الدينيّة منها والبشريّة،
ولم تميّز في النصّ المؤوّل
بين (محكم) لا يقبل التأويل،
وبين (متشابه) يقبل التأويل،
كما لم تضع من الضوابط للتأويل
ما ينقذ ثوابت المعاني
والقيم والأحكام والعقائد
من هذا الاجتياح الهيرمينوطيقي لمعاني النصوص! “

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال مقتبس من الجزء (2)
من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة
من التكديس إلى الفاعليّة