الهوية الإسلاميّة وبناء النهضة
الإسلاميّة: الانتماء إلى هويّة الأمّة والدين الغريب:
المثقّف المنشود هو الذي ينتمي إلى هويّة مجتمعه، ويحمل ثقافته الأصيلة والمعاصرة، وإلّا كان صوتاً نشازاً في مجتمع مختلِف!
مرّت بي فترة فكّرت فيها بتأليف كتاب أجمع فيه الحكم والأقوال المأثورة، التي تحمل معاني راقية، وحكماً بليغة، وقِيَماً عالية، من كلّ الديانات!
وسبح بي الخيال، وحلمتُ بجمع أفضل ما عند الأديان والمذاهب في العالم من تعاليم وأخلاق وأحكام.. كدين جديد جامع.
ثمّ بعد مدّة طويلة عزفت عن هذه الأمنية، وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ:
- كلّيّات القيم والأخلاق والمبادئ مشتركةٌ بين البشريّة تقريباً.
- فلا يوجد دين أو فلسفة (محترَمة) تبيح:
- الكذب،
- الخيانة،
- القتل،
- السرقة،
- الزنا…
أو تعتبر ذلك فضيلة!
وبما أنّ هذه الكليّات مشتركة، فما فائدة أن آتي بحكمة لبوذا تحضّ على الصدق وأسوقها في مجتمع مسلم؟!
لأنّ هذه الحكمة ستعاني كثيراً في اختراق الثقافة العربيّة أو الإسلاميّة، بينما لو جئت بحكمة مشابهة عن:
عمر بن الخطاب،أو الإمام الغزاليّ،أو الإمام الدِّهلويّ…
فستجد هذه المقولة الطريقَ معبّداً أمامها.
لا أقصد هنا ألّا نستشهد بقول لأحد حكماء الإنسانيّة، فـ:
“الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها” (رواه الترمذيّ).
وهكذا، فهذه التجربة تعبّر عن واجب النُّخَب والمثقّفين والمصلحين، وهو أن:
- يخاطبوا المجتمع من داخل ثقافته وضميره ووجدانه.
- يمرّروا ما يشاؤون من إصلاحات بهذه الطريقة.
حتى لا يقاوم الناس الإصلاح حفاظاً على الهويّة.
وهذا لا يعني السكوت عن:
- الجهل،
- الانحرافات،
- البدع،
- الخرافات.
بل حتى مناهضة هذه الأمور تحتاج خطاباً من داخل ثقافة المجتمع، بـ:
- الحكمة،
- الموعظة الحسنة،
- الجدال بالتي هي أحسن.
قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:٤]
فالإسلام هو:
- المكوّن الأوّل لهويّة الأمّة وثقافتها،
- روح دافعة،
- مبادئ موجّهة،
- قوّة جامعة.
ولا نهضة للأمّة بتجاوز الإسلام.
وكلّ أمّة تبني حضارتها وفق ثقافتها وهويّتها، وإلّا كانت حضارتها استنساخاً لحضارة غيرها، وهذا لا تفعله أمّة تحترم نفسها.
ونحن نعاني من تيّارين:
- تيّار استغرابيّ: يريد استنساخ تجربة الغرب بحذافيرها.
- تيّار تراثيّ: يريد الانغلاق على الذات، واسترجاع التجربة التاريخيّة.
وكلاهما خطأ:
- لو كانت علومنا وآليّاتنا القديمة صالحة للاستمرار لبقيت، لكن الزمن تجاوزها.
- وبالمقابل لا يجوز (ولا يمكن أصلاً) استنساخ تجربة أمّة مختلفة عنا.
الحلّ هو:
الحفاظ على عناصر الهويّة والثقافة الأساسيّة. الاقتباس والاستفادة من علوم الآخرين وخبراتهم. صهر ذلك ضمن حضارتنا المعاصرة.
وذلك مثل إنسان مسلم ملتزم: يسافر ويكبر وينمو ويشتدّ عوده، يتعلّم ويتهذّب ويكتسب الخبرات، لكن ملامحه الأساسيّة هي هي، ومبادئه وقيمه الرئيسة هي هي.
والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل