تجويد القرآن الكريم:
تجويد القرآن الكريم:
من المهمّ أيضاً لطالب العلم أن يداوم على تلاوة القرآن الكريم بخشوع وتأمّل وتدبّر، وقبل ذلك أن يحسن ترتيله.
لكن عليه الحذر من الوقوف عند مرحلة التجويد والحفظ، بل عليه الانتقال إلى مرحلة التدبّر والفهم، ليتنوّر القلب بهدايات القرآن الكريم، فيطبّق ما فيه من وصايا وأحكام، إذ غاية التلاوةِ التطبيقُ.
ويكفي لتعلّم تجويد القرآن الكريم كتيّب في علم التجويد في 20 صفحة، ولا داعي للتشديد بمخارج الحروف وصفاتها، لدرجة أن تُوقع الناسَ في الوسوسة والتكلّف، يقول الإمام ابن الجزريّ:
مُكَمِّلاً مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُـّفِ * بِاللُطْفِ فِي النُّطْقِ بِلاَ تَعَسُّف
قال الإمام الذهبيّ رحمه الله في نقد بعض أصناف القرّاء والمقرئين:
“فالقرّاء المجوِّدَة: فيهم تنطّع وتحرير زائد، يؤدّي إلى أنّ المجوّد القارىء يبقى مصروفَ الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطّع في تجويدها، بحيث يشغله ذلك عن تدبّر معاني كتاب الله تعالى، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله، ويخلّيه قويّ النفس مزدرياً بحفّاظ كتاب الله تعالى، فينظر إليهم بعين المقت، وأنّ المسلمين يَلْحَنُون..
وبأنّ القرّاء لا يحفظون إلّا شواذّ القراءة، فليت شعري أنت ماذا عرفت؟! وما علمك، وأمّا عملك فغير صالح، وأمّا تلاوتك فثقيلة عارية عن الخشية والحزن والخوف، فالله يوفّقك، ويبصّرك رشدك، ويوقظك من رقدة الجهل والرياء.
وضدّهم قرّاء النَّغم والتمطيط، وهؤلاء في الجملة من قرأ منهم بقلب وخوف قد يُنتفع به في الجملة، فقد رأيت من يقرأ صحيحاً ويُطرب ويُبكي.. نعم.. ورأيت من إذا قرأ قسّى القلوب وأبرم النفوسَ، وبدّل كلام الله تعالى، وأسوؤهم حالاً الجنائزيّة، والقرّاء بالروايات، وبالجُمَع فأبعد شيء عن الخشوع”( ).
اشتهر قول الإمام الجزريّ:
وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْـمٌ لاَزِم * مَنْ لَمْ يُجَوْدِ الْقُـرَآنَ آثِــمُ
لأَنَّهُ بِهِ الإِلَــهُ أَنْــزَلاَ * وَهَكَـذَا مِنْـهُ إِلَيْنَا وَصَـلاَ
وَهُوَ أَيْضاً حِلْـَية الـتِّلاَوَةِ * وَزِينَـةُ الأَدَاءِ وَالْقِــرَاءَةِ
وظاهر قوله:
(وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْـمٌ لاَزِم * مَنْ لَمْ يُجَوْدِ الْقُـرَآنَ آثِــمُ)
مشكِل، لذلك اضطر الشرّاح إلى تأويل كلامه بأنّ هذا الوجوب للقارئ، أي لمن أراد قراءة القرآن الكريم، فيجب على من يقرأ القرآن الكريم أن يقرأه قراءة صحيحة، بحيث ينطق الحروف ولا يخطئ بالحركات التي تغيّر المعنى، هذا هو القدْرُ الواجب، أي مراعاة قواعد النطق السليم في اللغة العربيّة، وإن كان أصل التلاوة سنّة، أي أنّ أصل تلاوة القرآن الكريم سنّة وليس واجباً، لكن من قام بهذه السنّة فواجب عليه قراءة القرآن قراءةً سليمة.
فيلزم من يريد قراءة القرآن أن يقرأه قراءة عربيّة سليمة فلا يغيّر المعانيّ، وهو ما يسمّيه علماء التجويد (اللحن الجليّ) أي الخطأ الواضح الذي يغيّر المعاني.
أمّا حكم التجويد بمعنى:
(الإظهار والإدغام والمدود والغنّات والترقيق والتفخيم وغيرها من الزيادة على القراءة العربيّة الفصيحة العاديّة)
فحكمه مثل اسمه: تجويد وتحسين للقراءة وليس شرطاً لها ولا فرضاً، فالتجويد كمال للقراءة فهو مستحَب، وليس فرضاً ولا شرطاً والله تعالى أعلم.
كما قال ابن الجزريّ:
وَهُوَ أَيْضاً حِلْـَية الـتِّلاَوَةِ * وَزِينَـةُ الأَدَاءِ وَالْقِــرَاءَةِ
يقول الإمام الملا عليّ القاري شارح المقدّمة الجزريّة:
“وينبغي أن تُراعى جميع قواعدهم وجوباً فيما يتغيّر به المبنى، ويفسد به المعنى، واستحباباً فيما يحسن به اللفظ أو يستحسن به النطق حال الأداء.
وأمّا اللحن الخفيّ وهو الأخطاء التجويديّة فقال: لا يُتَصَوَّر أن يكون فرض عين يترتب العقاب على قارئه، لما فيه من حرج عظيم”.
أصل قراءة القرآن الكريم سنّة،
أمّا الإيمان به والعمل بمقتضاه من القيام بالواجبات واعتقاد عقائده فهذا واجب لازم،
للثنائيّة المتكرّرة في القرآن الكريم عشرات المرّات، الآمرة:
- {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
- {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}
وأمّا هجر القرآن الكريم المذموم في قوله تعالى:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30)} [الفرقان: 30]
فالمقصود هجر الإيمان به، وعدم العمل بمقتضاه، كما هو واضح من سياق الآيات:
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ … وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ …} [الفرقان: 25 – 34]
يقول ابن كثير:
“يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِراً عَنْ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ محمّد … فَنَسْأَلُ اللَّهَ الكريمَ المنّانَ القادرَ عَلَى مَا يَشَاءُ، أَنْ يُخَلِّصَنَا مِمَّا يُسْخطه، وَيَسْتَعْمِلَنَا فِيمَا يُرْضِيهِ” [تفسير ابن كثير (6/ 108)]
طبعاً هنا لا نقصد ترغيب الناس بالزهد بقراءة القرآن الكريم،
ففضل تلاوة القرآن الكريم عظيم،
فإذا لم نقرأ القرآن الكريم فماذا سنقرأ؟
وكيف سنستفيد منه لو لم ندم على تلاوته وتدبّره والاستضاءة بتوجيهاته؟
قال تعالى:
- {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} [العنكبوت: 45]
- {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 27]
- {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 91- 92]
- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً (82)} [النساء: 82]
- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمّد: 24]
وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«اقرؤوا القرآن، فإنّه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة»
أخرجه مسلم، وغيره الكثير من الأحاديث الواردة في فضل تلاوة القرآن الكريم.
ـــــــــــ