تعلّم النغم
من المهمّ تعلّم قراءة القرآن بنغمة من النغمات السبعة الشهيرة المجموعة بقولهم:
(صُنِعَ بِسَحَر)
- (الصبا)
- (النهاوند)
- (العجم)
- (البيات)
- (السيكا)
- (الحجاز)
- (الرصد)
أو فروعها، ولا يقال: “إنّ هذا بدعة، ولا يليق بالقرآن الكريم”، لأنّ هذا علم كبقيّة العلوم، وله قواعد كبقيّة العلوم، فكما أنّ النحو يضبط حركات نهاية الكلمات، والمنطق يضبط التفكير، فقواعد النغم تضبط اللحن، وهذه العلوم كلّها حادثة، ما كانت زمن الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
لكن لا يجوز الخروج عن قواعد التجويد لأجل النغم، كما يجب الانتباه للخشوع والتدبّر وعدم الانشغال بالألحان، وعدم الميوعة والخروج بالتلاوة عن الوقار والهيبة.
وممّا يؤيد أهميّة نداوة الصوت وتجويده وتحسينه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
(ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن)( )،
وقوله:
(زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأصواتكم)( )،
وحديث أبي موسى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم استمع إلى قراءته، فقال:
(لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود)،
فقال:
(لو علمتُ أنّك تستمع لحبّرتُه لك تحبيراً)( )
أي: حسنّتُ قراءتي وزيّنتها، فأقرّه صلّى الله عليه وسلّم ولم ينكر عليه التزيين والتحسين، كما أنّ ميل القلوب إلى حُسْنِ التلاوة والصوت والنغم مشاهَد ملاحَظ، صلّى الله على معلّمنا الخير، حيث إنّ تعاليمه تتوافق مع الفِطَر السَّليمة، والأذواق الراقية.
فكم كنّا نقصد الصلاة خلف بعض أئمّة المساجد أصحاب الصوت النديّ والمعرفة بالنغم، وكم يزيد الصوت الجميل والنغم الشجيّ من تأثير التلاوة في المستمعين، ويعينهم على التدبّر وطول السماع.
فمن المفيد جدّاً تعليم الطلاب قراءة القرآن الكريم على نغمة ما، تناسب أصواتهم وطريقة أدائهم، في حصص مخصّصة لذلك، بعد تعليمهم التجويد.
بدلاً من قراءة بعضهم بالتجويد والتركيز على مخارج الحروف وصفاتها، دون أدنى نغم أو تلحين أو تغنّ بالتلاوة، حيث يقرؤون بطريقة جافّة كأنها تكسير الحجارة، فيتأذّى المستمع بهم، ولا يستسيغ مواصلة السماع، بعكس القرّاء الذين يزيّنون التلاوةَ بأصواتهم ونغماتهم!
أذكر أنّني تعلّمتُ شيئاً من ذلك متأخّراً من أحد حفظة القرآن الكريم، ممّن حباهم الله بصوتٍ جميلٍ ومعرفةٍ بالنغم، فجعلني أقرأ على سجيّتي بداية.. ثمّ قال لي:
- “صوتك وطريقة أدائك يناسبها الحجاز”.
وبدأ يعلّمني إتقان هذه النغمة، وأذكر أنّه قال لي:
- ركّز على هذه الأناشيد.
وكانت من المشهورات المعروفات الشائعات، وهي تُؤدّى عادة بنغمة الحجاز، حتّى أتمكّن من هذه النغمة.
قد يقول قائل: لكنّ ذلك لا يليق بالقرآن الكريم، فهو يصرف عن التدبّر والخشوع بالتلاوة.
فنقول له: نعم صحيح، ينبغي التزام الأداء الوقور، ومراعاة المعاني وعدم القراءة بطريقة تُذهب الخشوع وتُلهي عن التدبّر.
ثم إنّ النغم مثل التجويد، بدايته تكلّف وتدريب، ثمّ يصبح سجيّة ومهارة، دون تكلّف في الأداء، بل على العكس تعلّم النغم والأداء الجميل ينشّط القارئ للإكثار من التلاوة والتدبّر، كما أنّه يريح المستمع ويستزيد منه( )، والله الهادي وعليه قصد السبيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال مقتبس من الجزء (2)
من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة
من التكديس إلى الفاعليّة