تنبيهات ومحاذير مفيدة لمن يريد تفسير كتاب الله

ما سنذكره من تنبيهات ومحاذير مفيدة لمن يريد تفسير كتاب الله، وشرحه لنفسه وللآخرين، شفويّاً أو كتابيّاً، كما أنّها مفيدة عند قراءة أو سماع التفاسير كذلك، كي يكون القارئ أو المستمع على بيّنة من أمره ولا يأسره المفسّرون بكلامهم.


1- مراعاة النسق القرآنيّ:

يُحذَّر من أن يُجزَّأ النصوص التي تتحدّث في موضوع واحد (النسق القرآنيّ)، فالتصوّر الإسلاميّ لقضيّة ما لا يُفهم من آية واحدة أو حديثٍ، بل يتمّ جمع النصوص، ثمّ نستخلص منها التصوّر الكامل للموضوع، فيجمع الآيات في الموضوع الواحد ويصنّفها.

وأهمّ شيء هنا معرفة القاعدة العامّة، والاستثناءات، أو الحالات الفرعيّة، أو التفاصيل، وهنا بيت القصيد، وهنا جوهر الاجتهاد الذي يعتمد على فهم واجتهاد الباحث، ووعيه بكلّيّات الدين وقواعده العامّة.

وهنا قد يقدّم دليلاً ويجعله القاعدة العامّة، وبقيّة النصوص الأخرى هي الحالات والتفاصيل الخاصّة، وواضح أنّ هذا الاجتهاد سيكون تبعاً لوعي الباحث ورؤيته للدين كلّه، وتصوّره لكلّ باب من أبوابه وقواعده الحاكمة.

وممّا يساعد على ذلك كتب (التفسير الموضوعيّ)، حيث تجمع الآيات التي تتكلّم عن الطلاق في القرآن الكريم مثلاً، وتقوم الدراسة حول ذلك تفسيراً وتحليلاً ومقارنة واستنتاجاً.

وننصح هنا بكتابين من كتب أستاذنا الدكتور جاسم سلطان:

النسق القرآني ومشروع الإنسان
والأنساق القرآنية


2- مراعاة القيم والحقوق العامّة:

هل ستبقى قيمنا وأخلاقنا للتغنّي والتمدّح والتنظير؟ أم سيكون لها فاعليّة وواقع في خطابنا الإسلاميّ؟

فمن الضروريّ التركيز على القيم الإسلاميّة التي تحتاجها البشريّة في عصرنا هذا، فهي قيم زاخرة في كتاب الله ﷻ وسنّة رسوله ﷺ، لكنّ أغلبها بقي (قِيَماً جنينيّة)، لم يتح لنا بلورتها وتفعيلها وتحويلها إلى مؤسّسات ومنظومات وقوانين عمليّة فاعلة في حياة المسلمين، بما يلائم عصرنا ويكافئ وسائله.

فبقيت أغلب تلك القيم والأخلاق قيماً للتمدّح، دون أن تظهر في واقع حياة المسلمين، فمن المفيد التركيز على التنظير لتلك القيم وتأكيدها، ويجب أن نراعي هذه القيم في الاختيارات الفقهيّة والوعظيّة والخطاب الإسلاميّ بشكل عامّ، وذلك مثل:

المساواة بين الناس دون النظر لجنسهم أو عرقهم أو لونهم،
ورعاية حقوق المرأة والطفل،
والعناية بالبيئة،
والرفق بالحيوان،
وحقوق الأقلّيّات والمستضعفين،
والسلام العالميّ،
وحقوق الإنسان،
ورعاية الحرّيّات العامّة والخاصّة،
بما لا يتعارض مع بقيّة قيمنا الإسلاميّة،
والعناية بالصحّة والنظافة والتعليم،
وقيم الحضارة والنهضة والعمارة والازدهار والتنمية.

فمن المهمّ التركيز في التفسير على منظومة القيم والأخلاق والقواعد السلوكيّة التي تهمّ إنسان عصرنا.

يقول الدكتور: “القرضاويّ” في القضايا التي ينبغي اعتماد الحديث الصحيح فيها، وهي جديرة بعناية المفسّرين أيضاً:

“بيان موقف الإسلام: كما يُطلب الحديث الصحيح لبيان الأحكام في العبادات أو المعاملات والحلال والحرام، يطلب أيضاً لبيان موقف الإسلام من القضايا الفكريّة والتربويّة والسلوكيّة وغيرها، فإذا أردنا أن نبيّن موقف الإسلام من (الحياة الدنيا)، من الزهد فيها أو الاستمتاع بطيّباتها، فلا يكفي في ذلك الأحاديث الضعاف.

ومثل ذلك موقف الإسلام من (التوكّل) واتخاذ الأسباب، أو موقف الإسلام من الطب الوقائيّ أو العلاجيّ، أو موقف الإسلام من المحافظة على البيئة أو الخضرة، أو موقف الإسلام من قضيّة التطوّر الماديّ أو المعنويّ، أو موقف الإسلام من الخوارق والكرامات، هذه القضايا وأمثالها لا يُكتفى ببعض الأحاديث التي تقبل قيلاً وقال، بل لا بدّ فيها من أحاديث محكمة، صحيحة في ثبوتها، صريحة في دلالاتها، بل ينبغي ألّا يُكتفى هنا بحديث واحد مفرد، بل الأصل أن يكون فيها أكثر من حديث، يوضّح الصورة، ويجلّي الموقف، إلّا أن يكون في المسألة قرآن يتلى، فيكون هو الأصل والمرجع”.


3- الاستفادة من قصص القرآن الكريم:

فقصص القرآن الكريم بمجملها تحكي قصص الأنبياء مع أقوامهم، ودعوتهم للتوحيد، وعبادة الله وحده، والأخلاق الفاضلة، وترك الانحرافات السلوكيّة والعقديّة، فالقصص ليست للتسلية، بل لأخذ العبرة والهداية، لتعلّم المنهج في التعامل مع الناس، والحوادث والسنن الاجتماعيّة:

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111]

أمّا (شرع من قبلنا) فهذه مسألة منهجيّة تُدرس في علم أصول الفقه، والمقصود بها: هل الأحكام التشريعيّة الواردة في الكتاب والسنّة النبويّة في سياق ذكر الأمم السابقة، هل هي شرع لنا أم لا؟ فالراجح أنّها شرع لنا، ما لم يأت دليل أو قرينة تدلّ على أنّها ليست شرعاً لنا، والله أعلم.

أمّا قصص الأنبياء، فقد ذكرها الباري عزّ وجلّ في كتابه الكريم حتّى نقبس من هديهم ومنهجهم، ولا نلغيها بحجّة أنّها شرع من قبلنا، وإلّا فلماذا يقصّها علينا الباري سبحانه وتعالى، ثمّ يقول:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من الجزء (2)

من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة من التكديس إلى الفاعليّة