حفظ القرآن الكريم وحكم نسيانه:

حفظ القرآن الكريم وحكم نسيانه:

يحسن بطالب العلم أن يحفظ القرآن كلّه ويستظهره، أو على الأقلّ يحفظ منه قدر ما يستطيع، ويستعين على ذلك بأن يحفظ على شخص مُجاز متقِن، ويستعين بقواعد الحفظ، ومن أفضلها بحسب اطلاعي كتاب يحيى الغوثاني (كيف أحفظ القرآن الكريم؟).

فالحفظ يضطر المرء أن يديم مراجعة القرآن الكريم، واستحضار نصوصه، وهذا يساعده على تدبّره واستحضار معانيه، ويبقي قلبَه متّصلاً بكتاب الله، فينهل من أنواره وإشراقاته، فكتاب الله تعالى ليس مقتصراً على المعلومات؛
بل فيه:

  • وعظ
  • وتذكير
  • وذِكر يحيي الإيمان في القلب وينوّره

فيدفعه للتطبيق وعمل الصالحات.

أمّا الذين يقولون: إن نسيان أي آية من آيات القرآن الكريم التي حفظها الإنسان من الذنوب العظيمة، فهم يعتمدون على حديث رواه الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(عُرِضَتْ عليَّ أجورُ أمّتيّ، حتّى القذاةُ يُخرجها الرجلُ من المسجد، وعُرِضَت عليّ ذنوبُ أمّتيّ، فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتِيَها رجلٌ ثمّ نَسِيها).

لكن المحقّقين من العلماء، وأئمة الحديث العارفين بصحيح الحديث وضعيفه قالوا:

  • إنّ هذا الحديث ضعيف
  • والحديث الضعيف لا يُؤخذ منه حكم شرعيّ

وهذا مقرّر عند أهل العلم، وإن رَخَّص بعضهم في العمل بالأحاديث الضعيفة في:

  • الترغيب
  • والترهيب
  • وفضائل الأعمال

فيما ثبت أصله بالكتاب والسنّة الصحيحة، واشترطوا لذلك:

  • ألّا يكون الحديث شديد الضعف
  • بل ضعفه ضعف يسير

أمّا هنا ففي الحديث حكم بأنّ نسيان القرآن من أكبر الذنوب، وهذا لا يكفي فيه حديث ضعيف.

ولو أنّنا أخذنا بهذا القول، لامتنع الناس عن الحفظ؛
فحفظ القرآن ليس فرضاً،
الفرض أن يحفظ الفاتحة وبعض آيات أو سور ليقرأها في صلاته،
وما عدا ذلك ليس فرضاً،
فإذا كان نسيان شيء ممّا حُفِظ كبيرة من الكبائر، أو ذنب من الذنوب العظيمة،
فسيقول كثير من الناس الأَولى ألّا أحفظ القرآن!

وعلى تقدير صحّة الحديث فهو ليس في النسيان الذي يطرأ على الإنسان ويعرض له،
ولكنّه النسيان بمعنى:

  • الإعراض عنه
  • وترك العمل

فيكون معنى الحديث على معنى قوله تعالى:

{كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:126].

قال ابن عيينة:
النسيان المذموم هو ترك العمل به، وليس من انتهى حفظه وتفلّت منه بناسٍ له إذا عمل به، ولو كان كذلك ما نسي صلّى الله عليه وسلّم شيئاً منه، قال تعالى:

{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} الأعلى:6-7.

وروى البخاريّ عن عائشة رضي الله عنها قالت:
سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلاً يقرأ في المسجد، فقال:

(رحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، أسقطتهن من سورة كذا وكذا).

ومع ذلك، فمن الجيّد أن يحفظ المسلمُ وبخاصة طالب العلم الشرعيّ القرآنَ الكريم لحديث عثمان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

“خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه”.

والحفظ مُعينٌ على:

  • التعلّم
  • والتعليم

وبعد الحفظ عليه أن يحرص على:

  • ألّا ينساه
  • وأن يتعاهده

كما يتعاهد أيّ علم تعلّمه، كما قال بعضهم:

وأَدِمْ للعلم مذاكرةً *** فحياةُ العلم مذاكرتُه.

قال الإمام السخاويّ في حقّ تكرار المحفوظ من الحديث وهو ينطبق على القرآن الكريم:

“وكرّره على قلبك، فالمذاكرة تعينك على ثبوت المحفوظ، وهي من أقوى أسباب الانتفاع به، والأصل فيها معارضة جبريل مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم القرآن في كلّ رمضان”.

جاء في الحديث المتّفق عليه:

(تعاهدوا القرآن، فوالذى نفسي بيده؛ لهو أشدّ تفصِّياً (أي تَفَلُّتاً) من الإبل في عُقُلها).

وقوله صلّى الله عليه وسلّم:

(إنّما مَثَل صاحب القرآن كمَثَل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت).

فالقرآن يحتاج إلى:

  • تعهُّد
  • ومراجعة مستمرّة

ولذلك حفّاظ القرآن يقولون:
(القرآن غلَّاب)، أي: مهما حفظته قد يغلبك وتنسى منه شيئاً، وتشتبه عليك الآيات.

وعلاج النسيان:

  • أن يداوم الحافظ على كتاب الله
  • على مراجعة القرآن ما استطاع

والأولى بحافظ القرآن:

  • أن يقرأ كلّ يوم بعضاً من القرآن
  • أن يقرأ من القرآن يوميّاً
  • ويقرأه في الصلوات

في كلّ صلاة يقرأ شيئاً ممّا يحفظ،
حتّى يظلّ القرآن حاضراً حيّاً في ذاكرته ولا ينسى منه شيئاً.

أمّا إذا حفظ الإنسان الآية من القرآن، ثمّ نسيها بغير تقصير منه، فلا شيء عليه،
ولم يصحّ ما ورد في ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما ذكرنا،
وهذا رأي شيخنا القرضاويّ رحمه الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال اقتباس من الجزء (2) من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة