حين تتحول الثقافة إلى عمل وإبداع
يمكننا تقسيم ثمرة الثقافة الفاعلة إلى قسمين: علم وعمل.
- أمّا العلم والمعرفة المتولّدة عن الثقافة الفاعلة؛ فينبغي أن يكون وعيًا مميّزًا فيه موضوعيّة وعمق بفهم الواقع، ويترتّب عليه قرارات راشدة.
فالمطلوب: فهم الواقع والمتوقّع وما ينبغي عمله، وإن أراد صاحب الثقافة الفاعلة كتابة بحث علميّ، فيجب أن يأتي بإضافة معرفيّة، ولا يكون تكرارًا لما سبق. - وأمّا العمل فهو ثمرة العلم، وإلّا فما فائدة علم بلا عمل؟!
وسنبسط القول قليلاً بهذين الجانبين:
أولاً: الإضافة المعرفيّة
ما زلتُ أذكر أستاذي الذي أشرف عليّ في مرحلة الماجستير، جزاه الله خيرًا، عندما أمسك بإحدى خطط البحث المقترحة للماجستير (وكانت حوالي سبع صفحات).
قرأ الخطّة ثمّ أشار إلى جزء صغير فيها وقال:
“هنا عملك!”
يقصد: هنا العمل الحقيقيّ، والباقي تكرار لمن سبقك.
تأمّلت تلك الخطّة فوجدتُ كلامه صحيحًا ودقيقًا، ففي ذلك الجزء الصغير الذي أشار إليه من الخطّة، كانت النوازل والمستحدثات المعاصرة التي تحتاج إلى اجتهاد جديد.
انتشار الكتابة والبحوث
انتشرت في ديار المسلمين — والحمد لله — الدراسات العليا، وكتابة البحوث خلال مراحل التعليم كلّها، كما انتشر التأليف والكتابة، فلا يكاد يوجد عالم أو طالب علم، إلّا وله مقالات ومؤلّفات.
وهي ظاهرة ممتازة، فالعلم ينضج بالكتابة والتصنيف.
لكن:
ما هي قيمة هذه الكتابات العلميّة؟
وما الإضافة المعرفيّة التي تقدّمها؟!
لا شكّ أنّ النوعيّة تأتي في طيّات الكمّيّة، لكن أن يكون أغلب المؤلّفات غثاء وتكرارًا، فهذه ظاهرة تستحقّ النقد والتطوير.
لذلك علينا أن نشجّع الباحثين على الإبداع والاجتهاد الجديد.
ما المقصود بالإبداع؟
نقصد بالإبداع:
- إيجاد المفقود
- وتطوير الموجود
إيجاد المفقود يعني: الحلول المفقودة للمشكلات التي نعاني منها علميًّا وعمليًّا.
تطوير الموجود يعني: أنَّ الحلول موجودة، لكن الباحث اخترع أو اكتشف حلولًا أكثر فائدة، فطوّر الحلول والعلوم النظريّة الموجودة.
وعندما تساهم البحوث العلميّة بدورها المنوط بها، ينعكس ذلك على الحياة العلميّة والعمليّة، فتتطوّر الأنظمة والأفكار والمنتجات، وتنهض البلاد.
عوائق أمام الإبداع
لكنّ بعض المتخلّفين — حتّى ممّن يحملون الألقاب العلميّة، ويشرفون على الباحثين، ويشاركون في مناقشة البحوث — يُخرجون هذه البحوث عن مقصودها وهدفها، فيمنعون الباحث من الترجيح أو إبداء الرأيّ، ويوبّخونه ويسخرون منه لو ظهرت شخصيّته في البحث!
حتى قال أحد (الدكاترة): “الترجيح بين أقوال العلماء قلّة أدب”!
طبعًا، بمعيار هذا الدكتور كلُّ علمائنا — حاشاهم — قليلو أدب، فكتبهم طافحةٌ بالترجيح والردّ على المخالفين.
وبهذا المنهج الجامد يفقد البحث العلميّ فائدته وهدفه.
بين الجمود والتطوّر
نحن — مع الأسف — نستورد الوسائل المتطوّرة من الأمم المتقدّمة، ثم نخضعها لمنظومتنا المتخلّفة، بدلاً من إجراء التعديلات المطلوبة في واقعنا، لتعمل الوسيلة بكفاءة وتؤتي ثمارها.
فتصبح تلك الوسيلة — مع الأسف — جزءًا من الواقع المتخلّف، لأنّنا قتلنا فيها أهمّ ما فيها، فتصبح كالآلة العقيمة التي تعمل وتعمل ولا تنتج شيئًا!
نحو بحوث مركّزة
يجب أن نعمل على أن تصبح بحوثنا دائمًا مركّزة، بدلاً من ركام الأوراق التي تضيّع الجهود والأوقات والأموال وتخلو من العطاء الجديد.
فكثير من الكتب الإبداعيّة التي أحدثت ضجّةً ونقلة نوعيّة في الوسط العلميّ العالميّ؛ كانت مقالة أو كتيّبًا صغيرًا!
“لكنّنا قومٌ مفتونون بالكمّيّة على حساب النوعيّة”
— كما يقول أستاذنا د. عبد الكريم بكّار.
فالتفاخر الممجوج هو التفاخر بعدد الصفحات لا بنوعيّة الكتابة والجديد فيها.
مثال الجامعات العالمية
الجامعات العالميّة المرموقة تعطي درجة الدكتوراه على بحث صغير الحجم (عدّة ورقات)، لأن المهمّ هو الفكرة الجديدة، لا تكرار المعلومات التي سبقت دراستها.
🔑 من مفاتيح الإضافة المعرفيّة
بالإضافة إلى ما مضى من تحريض على العطاء العلميّ وكسر قيود الجمود، هناك مجموعة أفكار وقواعد مهمّة في فتح مجالات الإضافة المعرفيّة:
أ- البحث للإجابة لا للتكرار
ينبغي أن تكون الكتابة أو البحث وسيلة للإجابة عن سؤال أو حلّ مشكلة، فهو إيجاد مفقود أو تطوير موجود.
أمّا البحث لمجرّد الجمع والتكرار، فليس فيه إضافة معرفيّة ذات بال.
ب- التمييز بين المفاهيم
يجب التمييز بين:
- الدين والتديّن العرفيّ الاجتماعيّ:
فالتديّن امتزاج أفهام وأعراف المسلمين وعاداتهم بكيفيّة تنفيذ بعض تعاليم الدين. - الدين والتاريخ:
فالتاريخ هو تصرّفات البشر، وبخاصّة الطبقة الحاكمة. - الدين واجتهادات البشر في فهم الدين:
فالشريعة (الكتاب والسنة) صالحة لكلّ زمان ومكان، وليس فهم البشر لهما كذلك. - الثوابت والمتغيّرات:
- الثوابت تمثّل الأصالة
- المتغيّرات تمثّل المعاصرة
فمحكمات الشريعة التي تمّ الإجماع عليها لا تتغيّر، لأنها الأسس، كأركان الإيمان والإسلام، والمحرّمات والواجبات والقيم الكبرى.
ومشكلتنا هنا مع صنفين:
- من يوسّع دائرة المحكمات فيجعل الظنّيّات يقينيّات.
- ومن يقتحم المحكمات ويجعلها ظنّيّات وخلافيّات.
ج- تغيّر الزمان والواقع
يجب الإتيان بما يوافق الواقع ويُرشده، فالكثير مما قيل في السابق لا يناسب الواقع لتغيّره الجذريّ.
وهذا لا يعني تسويغ الانحرافات، بل يعني فهم الواقع بعمق قبل الحكم عليه، وإيجاد وسائل ونظم معاصرة أكثر كفاءة من نظم الماضي.
د- لا تنظر للقائل، بل للقول
قال علماؤنا:
“لا يُعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.”
والمقصود:
- لا تستسلم للأسماء الكبيرة.
- ولا تستصغر الأسماء المغمورة.
فكم في السواقي ما ليس في البحار.
ليس هناك من هو أقلّ من أن يُفيد، ولا أكبر من أن يستفيد.
“ليس منا إلّا رُدَّ ورُدَّ عليه، إلّا صاحب هذا القبر ﷺ” — كما قال الإمام مالك رحمه الله.
هـ- لا تغترّ بكثرة القائلين
الحقّ ما وافق الدليل، لا ما وافقه الجمهور.
فالقول لا يُحتجّ به، بل يُحتجّ له.
كثيرًا ما يُدّعى “الإجماع”، مع وجود مخالفين تم تجاهلهم.
وهي مغالطة تُسمّى الاحتكام للكثرة.
قال بعض السلف:
“عليك بالحقّ، ولا تستوحش من قلّة السالكين، وإيّاك والباطل، ولا تغترّ بكثرة الهالكين.”
قال الله تعالى:
{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله…} [الأنعام: 116]
{أكثر الناس لا يؤمنون} [هود: 17]
{أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187]
{أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4]
{كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92]
ومع ذلك، فـ”الكثرة والجمهور” لهم وزن معتبر في العقول السليمة، لذا فمخالفتهم ليست سهلة، ولكنها ليست ممنوعة كذلك.
فكن على حذر عندما تخالف جمهور العلماء.
و- كم ترك الأوّل للآخر
المعرفة تراكميّة، ومن المنطقيّ أن يبني اللاحق على السابق ويضيف إليه.
لذلك، علينا ألا نصادر فهم المعاصرين لحساب القدماء، في المتغيّرات طبعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال مقتبس من كتاب:
مقدمات منهجية
لبناء ثقافة إسلامية فاعلة