هل في القرآن الكريم العلوم كلّها؟

كثيراً ما نسمع من بعض الفضلاء أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، فهو نظام شامل، وهذا حقّ لا ريب فيه، ونسمع أنّ كلّ شيء مذكورٌ في القرآن الكريم، ففيه علم الأوّلين والآخرين، وفيه علوم الدنيا والدين كلّها، الأنظمة والأفكار والحلول كلّها، وقد ورد عن بعض السلف مثل هذا الكلام.

ويستشهدون بمثل قوله تعالى:
{مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شَيْءٍ}،
{وَنزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}،
{أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}،
{وتِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ}،
{قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ (فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا}،
{اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.

رغم أنّ الآية الأولى –والتي يستشهدون بها أكثر من غيرها– فسّرها كثير من المحقّقين بأمّ الكتاب، واللوح المحفوظ الذي كتب فيه كلّ ما سيحصل في الدنيا، وعلى القول بأنّها القرآن الكريم فإنّ هذا عامُّ أُرِيدَ به الخُصوصُ، والمعنى: ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ يحتاج إليه المُكَلَّفُونَ.

وهذا المعنى هو الذي يجب المصير إليه في تفسير هذا المبدأ العامّ، وهو أنّ الإسلام جاء بتعاليم لمرافق الحياة كلّها، التي تدلّ عليه الأدلّة السابقة وغيرها، أي جاء بآيات وأحاديث تفي بحاجة توجيه الناس، ومن هذه الأحكام مبادئُ عامّة تصلح قواعد وأصولاً نستقي منها الفروع والتطبيقات المتجدّدة عبر تطوّر الحياة واتّساعها.

وإلّا لما اضطررنا لمصادر تشريعيّة غير الكتاب والسنّة، لذلك قال علماء الأصول:

“لمّا كانت النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، كان لا بدّ من القياس وغيره من الأدلّة التي نحتاجها للحكم على المستجدّات غير المنصوصة”.

فالمصدر الأصليّ في التشريع الإسلاميّ هو القرآن الكريم، وهو أرشدنا للرجوع إلى السنّة:
{وأطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ}.

والكتاب والسنّة أرشدانا للعقل السليم، والعقل –مسترشِداً بالكتاب والسنّة– دلّنا على كون القياس الصحيح طريقةً سليمةً لاستنباط الأحكام والإرشادات الشرعيّة، وكذلك:

  • اعتبار المصلحة التي لم يُنْهَ عنها
  • استصحاب البراءة الأصليّة
  • اعتبار الأعراف الصالحة
  • منع وسائل ومداخل المنهيّات بسدّ ذرائعها

وهكذا اتّضح لنا أنّ القرآن الكريم دلّنا على منابع وقواعد المعرفة الصالحة من خارجه، التي تعتمد اجتهادَ الإنسان، أيّ الجانب البشريّ من التشريع.

ومن حكمة الله تعالى أنّه جاء بتعاليم مفصّلة لما كان ثابتاً، كالعقيدة والعبادات وأحكام الأسرة والمواريث.

وجاء بمبادئ وقواعد عامّة للمتغّيرات، مثل:

  • المعاملات الماليّة
  • أحكام الحرب والسلم
  • العلاقات الدوليّة
  • أحكام الإدارة السياسيّة
  • الإرشادات الاجتماعيّة

فالجانب البشريّ في تقدير التشريعات والأحكام الإسلاميّة المتغيّرة كبير، طبعاً مع مراعاة القواعد والمبادئ العامّة التي شرعها الشارع الحكيم، وبلزوم مراعاة هذه المبادئ الربّانيّة من قِبَل المشرّع من البشر يختلف التشريع الوضعيّ عن التشريع الإسلاميّ.

لكنّ بعض الخطابات الإسلاميّة توهم الناس أنّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فيهما تفاصيل كلّ شيء، ويُقال هذا الكلام في سياق الوعظ ومدحِ الشرع الإسلاميّ!

وهذا من العبث المنهجيّ، فقد أنتج هذا الخطاب عندنا أناساً يشترطون النصّ من الكتاب والسنّة في كلّ جزئيّة من حياتنا.

وليت الأمر اقتصر على الجوانب التشريعيّة، لكنّ الأمر انتقل إلى:

  • العلوم التطبيقيّة
  • العلوم الإنسانيّة
  • الآليّات والأدوات والوسائل
  • النظم والإداريّات
  • تفاصيل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي
  • العلوم الطبيعيّة والكونيّة التجريبيّة

فوجدنا علماء يبحثون عن تفاصيل هذه الأمور كلّها في نصوص الكتاب والسنّة!


طبعاً لا يعني هذا تجاوز تعاليم الكتاب والسنّة، بل الذي ننكره تقاعس عقل المسلم عن الاجتهاد البشريّ في إيجاد تفاصيل وحلول لكيفيّة تسخير الكون، واختراع نظم إداريّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وتقنيّة، واكتشاف العلوم التجريبيّة وتطويرها لحياتهم الدنيويّة والمعاشيّة، امتثالاً لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

(أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

طبعاً هذه العقليّة أدّت بهم إلى عدم العثور على تفاصيل تلك النظم والآليّات في الكتاب والسنّة، فرجعوا إلى الحلول الإسلاميّة المحليّة رغم قدمها، حيث رجعوا للجهد البشريّ للمسلمين في العصور السابقة.

وهنا لا نقول: إنّ كلّ تراث أمّتنا العلميّ والعمرانيّ والثقافيّ متخلّف، ولا يناسب عصرنا، بل نقول: فيه ما يناسب عصرنا، وفيه ما تجاوزه العصر، ولم يعد صالحاً.

فكان اتجاههم ماضِويّاً، ينظر في تراثنا العلميّ والحضاريّ يريد تكراره.

وبمحاذاة ذلك ظهر سلوك آخر، رافض للحلول المستوردة (الغربيّة) ولو كانت عصريّة متقدّمة، وصالحة للاقتباس.

والحقيقة أنّ حلولنا الإسلاميّة تاريخيّاً، كان كثير منها اقتباساً من الحضارات المعاصرة للدولة الإسلاميّة، فاقتبسنا من فارس والروم كثيراً من الأنظمة والحلول.

فما المانع أن نقتبس من الغرب والشرق ما توصلّوا إليه من علوم إنسانيّة وتطبيقيّة وأدوات ووسائل ونظم وحلول ناجحة؟

بل نحن نتشارك معهم في كثير من القيم، كالصدق والأمانة واحترام الوعد والكرامة الإنسانيّة وحقوق الإنسان والحرّيّات والعدل والمساواة والتسامح.

فالحلّ ليس بتكرار التجربة الإسلاميّة الدنيويّة التاريخيّة بحذافيرها، ولا باستنساخ التجربة الغربيّة بكلّ تفاصيلها، بل بأخذ الصالح من التجربتين بما لا يتعارض مع قيمنا وتعاليم ديننا.

نحن نمشي بعكس المطلوب، فالمطلوب البحث خارج الكتاب والسنّة لتدبير شؤون حياتنا الدنيا، والنظر في الكتاب والسنّة للتوجيه والإرشاد.

فعمارة الأرض مهمّة دنيويّة بشريّة بحتة، أمّا الكتاب والسنّة فهما ضابطان لذلك الجهد.

وكان الإمام النورسي رحمه الله يقول:

(وسائلنا كافرة، ووسائلهم مؤمنة).

ويروي الشيخ محمّد متولّي الشعراويّ قصّة الإمام محمّد عبده في تفسير قوله تعالى:
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

فالكتاب –كالسنّة– للهداية، وليس موسوعة علميّة.
فللإنسان دور أساس في فهم تعاليم القرآن، واكتشاف علوم الأكوان.

ورد في بعض الآثار:

“ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه”.

فالقرآن الكريم يدفع بنا للانطلاق خارجه، والنظر في الآفاق والأنفس، ونحن نعود وننكفئ عليه مخالفين أمرَه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال مقتبس من

الجزء (2) من سلسلة بناء الثقافة الإسلاميّة

من التكديس إلى الفاعليّة